مع اندلاع ثورة 1919 ننتقل مع محمد عفت، أحد شخصيات «الثلاثية» أيضاً، إلى وضع مقدس لسعد، حين يقول عنه: «أثبت دائماً أنه جدير بإعجاب المعجبين، أما حركته الأخيرة فهي خليقة بأن تحله من القلوب في أعز مكان»، بل يصل الأمر عند فهمي عبدالجواد إلى أن يشبه مهمة سعد بمهام الرسل الكرام، حين يقول: «سيعمل سعد ما كانت الملائكة تعمله»، ويطلب أحمد عبدالجواد من جميل الحمزاوى، العامل في متجره، أن يعلق صورة سعد تحت البسملة، لأنه في نظره صاحب كرامات.
ويصل الأمر بإسماعيل قدري في «قشتمر» أن يجيب عندما يسأله أصدقاؤه عن تخيله لله سبحانه وتعالى: «لعله شيء مثل سعد لكنه يمارس سلطانه على الكون كله».
ويؤكد منصور باهي الماركسي، أحد شخصيات رواية «ميرامار» على هذا المعنى، حين يقول عن سعد: «لقد عبده الجيل السابق عبادة».
وحين يموت يتحول تاريخ وفاته إلى سنة تقاس عليها الأيام، إذ يقول عفت: «نحن في السنة الثامنة بعد وفاة سعد»، ليصبح سعد: «رجل ولا كل الرجال، لبث لحظة من الحياة باهرة ثم مضى»، ليترك حزناً دفيناً حتى في نفوس الأطفال، كما نعرف من الحكاية رقم (23) من «حكايات حارتنا»، إذ يروي بطلها الطفل: «.
أثب من الفراش مندفعاً نحو الباب المغلق، أتردد لحظة ثم أفتحه بشدة لأواجه المجهول.
أرى أبي جالساً.
أمي مستندة إلى الكونصول.
الخادمة واقفة عند الباب.
الجميع يبكون.
وتراني أمي فتقبل عليّ وهي تقول: أفزعناك.
لا تنزعج يا بني.
أتساءل بريق جاف: ماذا؟ فتهمس في أذني بنبرة مختنقة: سعد زغلول.
البقية في حياتك! ، فأهتف من أعماقي: سعد! وأتراجع إلى حجرتي، وتتجسد الكآبة في كل منظر».
لكن هذه الثورة العظيمة لم تلبث أن تخبو ويشعر بطلها الأول وزعيمها بأن كل شيء يتسرب من حوله.
ويستدل على هذا من حديث الكاتب عامر وجدي أحد أبطال «ميرامار» وهو يتذكر حواراً دار بينه وبين سعد عام 1925، حيث يقول له: «ها أنا شبه سجين في بيتي وعرائض التأييد تزف إلى الملك» وحين يواسيه قائلاً: «زيف وكذب يا دولة الزعيم» يرد سعد متحسراً: «حسبت الثورة قد طهرت النفوس من ضعفها».
وفي كتاب «في حضرة نجيب محفوظ» ينقل محمد سلماوي عن أديبنا الكبير أنه شارك في المظاهرات التي أعقبت ثورة 19، وكانت أول مظاهرة شارك فيها هي التي اندلعت في ركاب الخلاف بين سعد زغلول والملك فؤاد عام 1924، وكان عمر محفوظ يومها لا يتعدى ثلاثة عشر عاماً.
والمرة الثانية كانت عام 1929 أثناء حكومة محمد محمود الثانية، وطارده ضابط هو وصديقه فلاذ محفوظ ببيت الأمة.
والثالثة كانت ضد إسماعيل صدقي، وتعرض لمطاردة أيضاً لكنه هذه المرة لاذ ببيت في حارة ضيقة، وتمكن من الهرب إلى سطح بيت مجاور.
أما في ثنايا النص السردي فإن محفوظ يتذكر كل هذا في الحلم الثامن من «رأيت فيما يرى النائم» حين يقول البطل: «رأيت فيما يرى النائم أنني عيسى بن هشام بطل مقامات الهمذاني ومريد أبي الفتح السكندري، وأنني أعبر ميداناً في مكان وزمان غامضين، وترامى إليّ هتاف مدوٍ بحياة الاستقلال وسقوط الحماية، ثم وجدتني على حافة مظاهرة ضخمة تحدق بخطيب مفوه جهير الصوت، عرفته رغم بعده عني بزيه الأزهري وهو يمدد داعياً للثورة والفداء.
وهجم الفرسان الإنجليز فنشبت معركة ثم وجدتني وجهاً لوجه مع الخطيب قريباً من مدخل جامع.
قلت له: أنت أبوالفتح السكندري خطيب الثورة الحرة.
فقال بحزن ملتهب: نفوا الزعيم الجليل نفاهم الله من الوجود».
ومع هذا تبدو الثورة في نظر محفوظ أحياناً نوعاً من الجيشان العاطفي الذي لا يبحث عن معقول ولا منطق، إنما يستجيب لنداء الرغبة العارمة في التمرد والتحرر وكسر القيود.
ونفهم هذا من الحوار الذي دار بين ابن وأبيه في «حكايات حارتنا»، فالولد اشترك في المظاهرة من دون أن يعرف هدفها وغايتها ومسارها ومطالبها.
فحين يسأله الأب: «هل عرفت وجه الخلاف بين سعد والملك؟ » فيرتبك، ثم يأتي بإجابة عابرة لا ترد على السؤال مباشرة: «نحن مع سعد ضد الملك»، فيرد الأب: «عظيم.
ماذا كان هتافكم في عابدين؟ »، فيجيب: «سعد أو الثورة»، فيسأله: «ما معنى ذلك؟ »، فيصمت ويطرق مفكراً ثم يقول: «معناه واضح.
سعد أو الثورة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك