يقف السوريون اليوم أمام مرحلة دقيقة وحساسة، مرحلة لا تشبه كثيرًا ما سبقها، لأن حجم الألم الذي عاشوه خلال السنوات الماضية جعلهم أكثر توقًا إلى بداية مختلفة، وأكثر حاجة إلى رؤية مؤسسات قادرة على أن تسمع صوتهم، وتشعر بوجعهم، وتتحمّل مسؤولياتها أمامهم.
ومع اقتراب انطلاق الدورة التشريعية الجديدة لمجلس الشعب، تتجه أنظار الناس إلى هذه المؤسسة بوصفها واحدة من أهم الواجهات التي يُفترض أن تمثلهم، لا في القاعة فقط، ولا عبر الكلمات الرسمية، بل في همومهم اليومية، وفي تفاصيل حياتهم التي صارت مثقلة بالغلاء والتعب والانتظار!لم يعد المواطن السوري يطلب المستحيل.
إنه لا ينتظر معجزات كبرى، ولا وعودًا معلّقة في الهواء، بل يريد أبسط ما يستحقه الإنسان في وطنه: لقمة عيش كريمة، دواءً يستطيع الوصول إليه، مدرسة تحفظ مستقبل أبنائه، مستشفى لا يشعر فيه بالعجز، قانونًا يحميه من الظلم، وفرصة عمل تصون كرامته.
لقد تعب الناس من الكلام الجميل الذي لا يغيّر شيئًا في واقعهم، ومن الخطابات التي ترفع الآمال ثم تتركها وحيدة أمام قسوة الحياة.
سنوات طويلة مرّت على السوريين محمّلة بالفقر والقلق وشظف العيش، حتى صار تأمين الضروريات اليومية معركة قاسية في كثير من البيوت.
الغلاء يضغط على الناس من كل جهة، والفساد يلتهم ما تبقى من ثقتهم، والمحسوبيات تقف أحيانًا في وجه الكفاءات، والخدمات تتراجع، والعدالة تبدو بعيدة عن كثيرين.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة لا تحتمل مجلسًا يكتفي بدور المتفرج، ولا أعضاء يحضرون بلا أثر، ولا جلسات تنتهي دون أن يشعر المواطن بأن شيئًا قد تغيّر في حياته.
من هنا تأتي أهمية الامتحان الذي يقف أمامه أعضاء مجلس الشعب، سواء أكانوا منتخبين عبر اللجان المعينة للانتخاب، أم معينين من قبل الرئيس.
إنهم اليوم أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية كبيرة، لا يمكن التعامل معها بخفّة أو مجاملة.
فالمسألة ليست مقعدًا في مجلس، ولا وجاهة اجتماعية، ولا حضورًا بروتوكوليًا، بل أمانة ثقيلة في زمن صعب.
فإما أن يكونوا على مستوى هذه المسؤولية، وأن يتحولوا إلى صوت حقيقي للناس، وإما أن يُصبحوا جزءًا من المشكلة التي يُعاني منها السوريون منذ سنوات.
إن الدور المطلوب من مجلس الشعب لا ينبغي أن يبقى محصورًا في التشريع التقليدي، بل يجب أن يتسع ليكون رقابة حقيقية، ومساءلة جدية، ومشاركة فعلية في إصلاح ما يمكن إصلاحه.
فالمواطن لا يعنيه عدد الجلسات، ولا طول المداخلات، ولا جمال العبارات، بقدر ما يعنيه أن يرى نتيجة ملموسة في السوق، وفي الدوائر الرسمية، وفي المدارس، وفي المستشفيات، وفي حياته اليومية.
يريد أن يشعر بأن هناك من يسأل عن سبب ارتفاع الأسعار، ومن يلاحق الفساد، ومن يدافع عن الكفاءة، ومن يقف في وجه الظلم، ومن يرفع صوته حين تُهدر الحقوق.
ولعلّ التفجير الإرهابي الذي وقع في دمشق واستهدف رجال القانون كان رسالة قاسية في توقيتها ومعناها.
فهو لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل إنذار مؤلم بأن البلاد ما زالت تواجه تحديات خطيرة، وأن الاستقرار لا يُبنى بالشعارات وحدها، بل بحماية القانون، وتعزيز العدالة، وترسيخ الثقة بين المواطن والدولة.
فالإرهاب حين يضرب رجال القانون إنما يحاول أن يضرب فكرة العدالة نفسها، وأن يزرع الخوف في المكان الذي ينبغي أن يشعر فيه الناس بالأمان.
لكن مواجهة الإرهاب لا تكون بالإجراءات الأمنية وحدها، على أهميتها، بل تحتاج أيضًا إلى مواجهة جذور الكراهية واليأس والانقسام.
فحين يشعر المواطن بالعدل، وحين يجد كرامته محفوظة، وحين يرى أن القانون فوق الجميع، تقل المساحات التي تنمو فيها مشاعر الإحباط والغضب.
ومن هنا تبرز مسؤولية المجلس في الدفع نحو تشريعات وسياسات تعيد الاعتبار للمواطنة، وتفتح الطريق أمام مصالحة اجتماعية حقيقية، قائمة على العدل لا على النسيان القسري، وعلى القانون لا على الانتقام، وعلى المستقبل لا على استحضار الجراح.
ولا تقل خطورة عن الإرهاب تلك الخطابات التي تشعل مواقد الكراهية بين السوريين، وتستهدف وحدتهم الوطنية.
فسوريا لا يمكن أن تنهض إلا بكل أبنائها، ولا يمكن أن تستعيد عافيتها إذا ظل بعضهم ينظر إلى بعض بعين الشك أو الخوف أو الإقصاء.
إن البلاد تحتاج اليوم إلى لغة تجمع ولا تفرق، وإلى خطاب يداوي ولا يجرح، وإلى مؤسسات تحمي الجميع دون تمييز.
إن مجلس الشعب اليوم أمام فرصة مهمّة لاستعادة شيء من ثقة السوريين بمؤسساتهم.
وهذه الثقة لا تعود بالكلام وحده، بل بالمواقف الشجاعة، والقرارات الواضحة، والمتابعة الجدية، والوقوف إلى جانب الناس في قضاياهم اليومية.
الشعب سيمنح الوقت، لكنه لن يمنح الثقة بسهولة؛ فقد دفع كثيرًا من عمره وراحته وأحلامه، وصار يقيس الأمور بالأفعال لا بالأقوال.
السؤال المطروح: هل سيكون مجلس الشعب بمستوى التحديات؟ فإما أن يكون المجلس جسرًا بين الدولة والمجتمع، وصوتًا للناس، ورافعة للإصلاح، وإما أن يبقى صورة أخرى من صور العجز التي تعب السوريون من دفع ثمنها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك