الجزيرة نت - بعد هانتا.. تفشي "نوروفيروس" على متن سفينة سياحية بأمريكا وكالة الأناضول - تنس.. ديوكوفيتش يعادل رقم فيدرر القياسي في بطولة ويمبلدون روسيا اليوم - الخارجية الروسية: لا يوجد مؤشرات على وفاء كييف بتعهداتها بشأن حقوق الأقلية الهنغارية في زاكارباتيا وكالة سبوتنيك - ذراع آلية عملاقة تحاكي حركة الإنسان بدقة عالية روسيا اليوم - مكتب نتنياهو يرد على تقرير حول خطة إسرائيلية لاغتيال عراقجي وقاليباف روسيا اليوم - صحيفة سويسرية: تصريحات زيلينسكي تهدد مسار انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي الجزيرة نت - مع تفشي إيبولا.. الكونغو الديمقراطية تكافح لمنع وصول الوباء للعاصمة الجزيرة نت - صالة الحياة.. محطة يتعافى فيها مصابو حرب غزة جسديا ونفسيا روسيا اليوم - وزير الدفاع اللبناني يصل إلى طهران للمشاركة في مراسم تأبين المرشد الإيراني الراحل فرانس 24 - أن بي ايه: وكيل أعمال ليبرون جيمس يؤكد اهتمام 10 اندية بالأربعيني
عامة

المونديال يحيي اقتصاد مصر: عودة السهر في المقاهي ومهن تشغل الآلاف

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

في تمام الساعة الثانية صباحاً، ظل أحمد صبحي يشق طريقه بين عشرات الطاولات الخشبية حاملاً صينية تتكدس عليها أكواب الشاي وأكواب القهوة وزجاجات المياه الغازية. لم يعد هذا الوقت المتأخر في القاهرة يعني بال...

في تمام الساعة الثانية صباحاً، ظل أحمد صبحي يشق طريقه بين عشرات الطاولات الخشبية حاملاً صينية تتكدس عليها أكواب الشاي وأكواب القهوة وزجاجات المياه الغازية.

لم يعد هذا الوقت المتأخر في القاهرة يعني بالنسبة لعامل المقهى الثلاثيني نهاية يوم العمل، بل بداية أكثر ساعاته ازدحاماً منذ انطلاق مباريات كأس العالم بكل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

في المقهى الشعبي الصغير المطل على مجرى نهر النيل بجوار كوبري إمبابة الرابط بين العاصمة وصعيد مصر بحي روض الفرج شمالي القاهرة، لم تعد المقاعد تكفي الزبائن، رغم وصولها إلى منتصف الشارع.

يتابع مئات الشبان المباريات التي تُقام في ساعات متأخرة بسبب فارق التوقيت مع الدول المستضيفة للمباريات، خاصة تلك التي تشارك فيها مصر، بينما تتداخل هتافات المشجعين مع أبواق السيارات وأصوات المفرقعات التي باتت ترافق كل انتصار للمنتخب المصري في البطولة.

يبتسم أحمد وهو يلتقط أنفاسه بين طلب وآخر قائلاً لـ" العربي الجديد": " لم نعد نعرف النوم.

كانت السلطات تلاحقنا لغلق أبواب المقهى قبل منتصف الليل، أما الآن فنظل نعمل حتى شروق الشمس، التعب أكبر، لكنه موسم رزق لا يتكرر كثيراً".

في بلد يواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، تحولت بطولة كأس العالم إلى أكثر من مجرد حدث رياضي.

فمن المقاهي الشعبية إلى المراكز التجارية، ومن الباعة الجائلين إلى شركات النقل، خلقت البطولة دورة اقتصادية مؤقتة أعادت الحياة إلى قطاعات خدمية عانت شهوراً من ضعف الطلب وتراجع القوة الشرائية للأسر، ومن قبلها شهدت ركوداً منذ انتشار وباء كوفيد-19 دفع العديد منها إلى غلق أبوابها للأبد.

في القاهرة وحدها، تبدو المدينة وكأنها تعيش توقيتاً جديداً.

فبينما كانت قرارات تنظيم مواعيد غلق المحال والمقاهي قد قلصت الحركة الليلية خلال العامين الماضيين، أعادت مباريات كأس العالم الشوارع إلى سابق ازدحامها، وامتلأت الأرصفة بالمقاعد البلاستيكية والشاشات الكبيرة التي نصبتها المقاهي لاستيعاب أعداد المشجعين.

على أحد المقاهي بالأحياء الشعبية، لا يحتاج المشجع سوى إلى كوب شاي يتراوح سعره بين 15 و25 جنيهاً، أو فنجان قهوة يتراوح بين 25 و40 جنيهاً، ليقضي أربع أو خمس ساعات أمام شاشة عملاقة يتابع مباراة تمتد حتى ساعات الفجر.

أما من يفضل تدخين الشيشة، فيدفع ما بين 60 و120 جنيهاً، بحسب المنطقة، فيما تتراوح أسعار المشروبات الغازية بين 25 و40 جنيهاً.

في رصد ميداني لـ" العربي الجديد" ترتفع فاتورة" الكافيهات" المتوسطة والراقية تدريجياً.

تبدأ أسعار القهوة والمشروبات الساخنة من نحو 60 جنيهاً، بينما تتراوح أسعار العصائر والمشروبات المثلجة بين 90 و180 جنيهاً، وتفرض بعض الأماكن حداً أدنى للإنفاق خلال مباريات المنتخب المصري أو الأدوار النهائية.

ضمن هذا التفاوت، تبدو المقاهي الشعبية الرابح الأكبر، بسبب قلة التكاليف وزيادة عدد المشجعين.

في حي شبرا شمال القاهرة، يقف بائع فشار خمسيني خارج أحد المقاهي يحمل أكياساً يوزعها على مستهلكين لا تكاد تتوقف عن طلب المزيد طوال الليل.

وعلى بعد أمتار منه، يفرغ بائع آخر صندوقاً جديداً من مسليات الجلسات الطويلة منها اللب والسوداني والترمس، بينما يعرض شاب عشرات الأعلام المصرية وأعلام المنتخبات المشاركة، إلى جانب الأبواق البلاستيكية والقمصان الرياضية على جمهور المقاهي والمارة.

يقول بائع المسليات الخمسيني إن دخله اليومي تضاعف منذ انطلاق البطولة، مضيفاً: " الناس يجلسون ساعات طويلة، وكل واحد يشتري شيئاً، حتى لو كان بسيطاً".

حركة اقتصاد الشوارع لا تظهر في البيانات الرسمية، لكنها تمثل اقتصاداً موازياً واسعاً يقوم يومياً على مئات الأنشطة الصغيرة، من عربات الذرة والفشار، إلى بائعي المياه، مروراً بمحال الأقمشة والطباعة التي تنتج الأعلام واللافتات، وانتهاءً بسائقي سيارات الأجرة وتطبيقات النقل.

لا تقتصر الظاهرة على الأحياء الشعبية، فعلى بعد نحو 70 كيلومتراً شرق القاهرة، تحاول العاصمة الإدارية الجديدة استثمار الحماس الكروي بطريقتها الخاصة.

نصبت إدارة العاصمة شاشات عملاقة داخل منطقة" ميدان المشجعين" في محاولة لجذب الجمهور إلى مدينة تتحول عادة إلى بيت أشباح بمجرد انتهاء ساعات العمل الرسمية.

وبعدما كانت المدينة تُعرف بأنها تضم مقار الوزارات والهيئات الحكومية أكثر مما تضم السكان، أصبحت البطولة فرصة لفتح ساحاتها أمام آلاف الزوار، مع ربطها بخدمات المونوريل ووسائل النقل الحديثة.

في الوقت الذي تحاول فيه العاصمة الإدارية صناعة جمهور جديد، وفيما تبدو المقاهي الشعبية قد احتفظت بجمهورها التقليدي، لم تعد مشاهدة المباراة في المنزل بالنسبة إلى الكثير من المصريين الخيار الأكثر جاذبية.

تدفع الضغوط الاجتماعية المقاهي لأن تكون الحلقة الأولى في سلسلة طويلة من المستفيدين من هذا الموسم الاستثنائي، فمع كل مباراة، تتحرك شبكة كاملة من الأنشطة الاقتصادية التي تعمل خارج الحسابات التقليدية للنمو والاستهلاك من جانب ملايين المشاهدين الذين جعلوا من ساعات الفجر الأكثر ربحاً من ساعات النهار، مع وجود صناعات أخرى أكثر نشاطاً مرتبطة بها على مدار اليوم.

ففي أحياء القاهرة والجيزة، والمدن الرئيسية، استعادت محال تركيب أطباق الاستقبال وأجهزة" الرسيفر" نشاطاً افتقدته منذ سنوات.

يقول صلاح أمين، صاحب محل بيع إلكترونيات وأطباق لاقطة للإرسال الفضائي بمنطقة باب اللوق وسط القاهرة لـ" العربي الجديد"، إن الطلب ارتفع قبل بدء البطولة بأسبوعين، وزاد مؤخراً مع تحسن ترتيب الفريق المصري وصعوده لأول مرة إلى مربع الـ32 بالبطولة، مشيراً إلى انتعاش صيانة الأجهزة القديمة، بل وما يعرف شعبياً باسم" الوصلة" وهي الخدمة التي تتيح مشاهدة المباريات دون الاشتراك الكامل في الباقات الرسمية الناقلة لكأس العالم.

وبينما تختلف تكلفة هذه الخدمة من منطقة إلى أخرى، والتي تتراوح ما بين 300 جنيه إلى 800 جنيه شهرياً، فإن الإقبال عليها يعكس معادلة اقتصادية بسيطة؛ حيث إن كثيراً من الأسر لم تعد قادرة على تحمل تكلفة الاشتراكات الرياضية الكاملة، التي تبدأ من 2500 جنيه شهرياً، لكنها لا تريد أن تفوت الحدث الرياضي الأكبر في العالم.

يقول أحمد السعيد، أحد الفنيين الذين يتولون تشبيك" الوصلة" بين عدة أسر في عمارة سكنية أو داخل نطاق سكني ضيق بمنطقة أهرامات الجيزة: " معظم الزبائن لا يسألون عن القنوات الفضائية العادية بل المباريات الرياضية وموعد بثها"، مؤكداً لـ" العربي الجديد" أن هذه السوق التي تنشط على هامش حقوق البث، وسيلة ابتكرها المستهلكون كحلول لخفض التكلفة بعد أن اتسعت الفجوة بين دخولهم وأسعار الخدمات.

في موازاة ذلك، ولدت سوق أخرى خفية وأكثر خطورة.

فعبر مجموعات مغلقة على تطبيقات التواصل الاجتماعي، انتشرت مسابقات تعتمد على توقع نتائج المباريات مقابل مبالغ مالية صغيرة، يتم تحويلها من خلال المحافظ الإلكترونية أو تطبيق" إنستا باي"، ثم يعاد توزيعها على الفائزين بعد انتهاء المباراة.

رغم التحذيرات الحكومية والفتاوى الدينية الرسمية، التي تعتبر هذا النوع من المراهنات صورة من صور القمار، فإن انتشار وسائل الدفع الرقمي جعل هذه الأنشطة أسرع وأوسع انتشاراً، خصوصاً بين الشباب.

في نظر خبراء اقتصاد رقمي، تعكس الظاهرة التي تلقى" العربي الجديد" عشرات الرسائل عنها، كيف لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة للدفع، بل أصبحت قناة لاقتصاد موازٍ ينمو على هامش الأحداث الجماهيرية الكبرى.

وفي المقابل، استفادت تطبيقات توصيل الطعام، وسيارات الأجرة، وخدمات النقل الذكي من السهر حتى ساعات الصباح، بينما ازدادت حركة الانتقال إلى المقاهي والمراكز التجارية ومناطق التجمع الجماهيري.

حتى العاصمة الإدارية الجديدة، التي ما زالت تتحول تدريجياً من مدينة حكومية إلى مدينة مأهولة، حاولت أن تجعل من كأس العالم مناسبة لاختبار قدرتها على جذب جمهور لا يعمل فيها فقط، بل يقصدها أيضاً للترفيه.

لا تغير مباراة أسعار الغذاء، ولا تخفض فاتورة الكهرباء، ولا تزيد الأجور، لكنها تمنح ملايين الأشخاص شيئاً نادراً في السنوات الأخيرة، هي ساعات قليلة من الانشغال الجماعي بأمر آخر غير تكاليف المعيشة.

لهذا فإن اقتصاد كأس العالم -كما يراه اقتصاديون- لا يقاس فقط بحجم ما باعه أصحاب المقاهي أو بائعو الأعلام أو محال" الدش"، وإنما بحجم الحركة التي عادت إلى الشوارع بعد منتصف الليل، وبالوظائف المؤقتة التي خلقها، وبالإنفاق الصغير الذي تكرر ملايين المرات.

يجمع أحمد صبحي الأكواب الفارغة، ويعيد ترتيب الطاولات استعداداً ليوم جديد لن ينام فيه إلا ساعات قليلة قبل أن يعود إلى العمل مجدداً.

يقول صبحي وهو ينظر إلى شاشة أطفئت للتو بعد انتهاء المباراة الأخيرة للفريق المصري مع إيران: " نعرف أن البطولة ستنتهي بعد أربعة أسابيع، لكننا نتمنى أن يظل باب المقهى مفتوحاً كما هو".

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك