تستضيف العاصمة التركية أنقرة، قمة قادة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، في 7 و8 يوليو الجاري، وسط واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ التحالف الممتد منذ عام 1949، في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بسبب حرب إيران، واستمرار الضغوط الأميركية لإعادة توزيع أعباء الدفاع داخل الحلف.
وقبيل انعقاد القمة بأيام، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لهجته تجاه الحلف، واصفاً العلاقة الحالية بين واشنطن والناتو بأنها «أحادية الجانب» و»غير متبادلة».
وكتب عبر منصة «تروث سوشيال»، أن الولايات المتحدة تنفق مليارات الدولارات لحماية دول الحلف «دون أن تحصل على أي فائدة»، مضيفاً: «لم يكونوا موجودين من أجلنا».
وجاءت تصريحات ترمب على خلفية استيائه من موقف عدد من الدول الأوروبية خلال العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران، إذ فرضت بعض الدول قيوداً على استخدام قواعدها العسكرية أو مجالها الجوي، وهو ما اعتبرته الإدارة الأميركية «تقاعساً من الحلفاء في دعم العمليات الأميركية».
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إن الرئيس الأميركي يشعر بخيبة أمل من أداء بعض أعضاء الناتو، مشيراً إلى أن هذه الخلافات ستكون على رأس جدول أعمال القمة، واصفاً الاجتماع بأنه «من بين أهم قمم الناتو خلال 77 عاماً».
جهود أوروبية لاحتواء التوترفي المقابل، يسعى أمين عام الناتو، مارك روته، إلى إظهار تماسك الحلف رغم الخلافات، مشيراً إلى أن الدول الأوروبية وكندا، بدأت بالفعل تحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن القارة، استجابة للمطالب الأميركية المتكررة.
وقال روته إن القمة ستركز على تحويل الزيادات في الإنفاق الدفاعي إلى قدرات عسكرية فعلية، مع الإعلان عن صفقات تسليح بمليارات الدولارات، إلى جانب توسيع الصناعات الدفاعية الأوروبية.
كما كشف أن إنفاق الدول الأوروبية وكندا، على الدفاع ارتفع خلال عام 2025 بنحو 90 مليار دولار، ليصل إلى أكثر من 570 مليار دولار.
وكان قادة الناتو قد اتفقوا في القمة السابقة على رفع الإنفاق الدفاعي تدريجياً إلى ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، تتوزع بين 3.
5% للإنفاق العسكري المباشر، بما يشمل القوات والأسلحة، و1.
5% للاستثمارات المرتبطة بالدفاع، مثل الأمن السيبراني والبنية التحتية العسكرية.
وتأمل العواصم الأوروبية في أن يساهم هذا الالتزام، في تهدئة انتقادات ترمب، الذي يعتبر أن الولايات المتحدة تحملت لعقود الجزء الأكبر من أعباء الدفاع عن أوروبا.
ومن المتوقع أن يجدد قادة الحلف التزامهم بمواصلة تمويل وتسليح أوكرانيا في حرب روسيا، فيما يشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في عشاء رسمي يستضيفه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي سيعقد كذلك لقاء ثنائياً مع ترمب على هامش القمة.
ويقول مسؤولو الناتو، إن أحد أهدافهم الرئيسية هو الحفاظ على الوحدة والتزام الولايات المتحدة بالمادة الخامسة من الحلف، التي تنص على أن أي هجوم على أحد أعضائه يُعد هجوماً على جميع أعضائه.
وصف الرئيس الأميركي الحلف بأنه «نمر من ورق» وقال إنه يدرس الانسحاب من الناتو.
فيما سعى الأمين العام للحلف، مارك روته، إلى تهدئة التوترات، مستخدماً مزيجاً من الإطراء والبيانات لإقناع ترمب بأن أعضاء الناتو الأوروبيين يوفون بوعودهم.
ولا تقتصر التوترات داخل الحلف على الملف الإيراني، إذ شهد العام الماضي خلافات متصاعدة بين واشنطن وحلفائها، بعدما لوّح ترمب بإمكانية ضم جرينلاند، التابعة لمملكة الدنمارك، كما أعلنت الولايات المتحدة تقليص وجودها العسكري في أوروبا، وسحب بعض القدرات المخصصة لخطط دفاع الناتو، بما في ذلك حاملة طائرات وطائرات مقاتلة وطائرات للتزود بالوقود وطائرات مسيّرة، إضافة إلى مراجعة شاملة لانتشار القوات الأمريكية في القارة.
ويرى دبلوماسيون أوروبيون، أن الحلف «لا يزال حياً وقادراً على العمل، لكنه خرج مثقلاً بالخلافات»، محذرين من أن أي تصعيد جديد في المواجهة مع إيران أو هجوم سياسي من ترمب على الحلفاء قد يطغى على القمة.
وتعوّل العواصم الأوروبية على العلاقة الجيدة التي تجمع ترمب بكل من الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والأمين العام للحلف، مارك روته، لإنجاح القمة وتجنب صدام علني بين ضفتي الأطلسي.
ورغم حالة القلق، يأمل مسؤولو الناتو، أن تخرج قمة أنقرة برسالة وحدة تؤكد استمرار الالتزام بالدفاع الجماعي، مع إعادة صياغة توازن المسؤوليات داخل الحلف بما يرضي واشنطن ويحافظ في الوقت نفسه على تماسك التحالف العسكري الأكبر في العالم.
ويقول مسؤولو حلف شمال الأطلسي أيضاً إن الغالبية العظمى من الحلفاء أوفت بالتزاماتها بالسماح للولايات المتحدة باستخدام مجالها الجوي وقواعد على أراضيها، على الرغم من أن الحرب لم تحظ بشعبية على الإطلاق في أوروبا وأن العديد من القادة هناك لم يؤيدوها.
من المتوقع أن يؤكد قادة الناتو المجتمعون في أنقرة مجدداً، أن روسيا تشكل تهديداً طويل الأمد للأمن الأوروبي الأطلسي.
بينما يقول مسؤولو الحلف إن روسيا تعاني من مشكلات اقتصادية كبيرة، وأن أوكرانيا عززت موقفها، إذ حذر روتّه من أن ما يقرب من نصف ميزانية الدولة الروسية مخصصة الآن للدفاع، وأن الحلف لا يمكنه التغاضي عن موسكو.
وتُعد الولايات المتحدة أكبر عضو في الناتو، كما تمتلك أقوى جيش بين الدول الـ32 الأعضاء.
وينتشر ما لا يقل عن 70 ألف جندي أميركي في أوروبا حالياً في إطار مهام الردع ضد روسيا وخصوم آخرين، فيما تشكل الترسانة النووية الأميركية مظلة أمنية قوية للقارة.
ومنذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض في عام 2025، سعى بعض الحلفاء إلى تقليل اعتمادهم على الدعم العسكري الأميركي.
وتحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن حاجة أوروبا إلى «الاستقلال الاستراتيجي» في الدفاع، كما عبّر مسؤولون في الاتحاد الأوروبي عن مواقف مماثلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك