لا يبدو التفاهم مع واشنطن باباً لإنقاذ طهران بقدر ما يبدو هدنةً موقتة داخل معركة بقاء مفتوحة…أثار إعلان مذكرة التفاهم الأولوية بين الولايات المتحدة وإيران الإسلامية أسئلة كثيرة حول دلالاتها السياسية، وما إذا كانت تمثّل بداية مسار جديد أو مجرّد هدنة موقتة داخل أزمة أعمق.
غير أن القراءة المتأنية لهذا التطوّر تُظهر أن ما أُعلن ليس اتفاقاً نهائياً يعالج أسباب صراع بل تفاهماً أولياً فرضه ميزان قوى معقد، دفع الطرفين إلى وقف المواجهة العسكرية من دون أن يحقّق أي منهما أهدافه الأساسية.
فالولايات المتحدة لم تصل إلى النتيجة التي كانت تسعى إليها سواء بسبب التداعيات الإقتصادية للحرب، أو للمخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، أو الحسابات السياسية الداخلية والإقليمية.
في المقابل لم يقبل النظام الإيراني بهذه المذكرة من موقع قوة، كما تحاول دعايته أن توحي، بل لأنه وجد نفسه أمام مخاطر متزايدة تهدّد بقاءه فاختار موقفاً موقتاً للمواجهة بدل الانزلاق إلى مسار قد يفتح عليه أبواباً أكثر خطورةً.
من هنا تبدو محاولات طهران تصوير التفاهم على أنه انتصار سياسي بعيدة عن الواقع فالنظام يمر اليوم بواحدة من أضعف مراحله منذ تأسيسه، ولم يعد همه الأول توسيع نفوذه أو فرض شروطه، بل الحفاظ على بقائه في مواجهة أزمات داخلية متراكمة وضغوط خارجية متزايدة.
لقد انتقل عملياً من مرحلة الهجوم إلى مرحلة الدفاع عن الوجود.
والأهم أن هذا التفاهم لم يُعالج أياً من القضايا التي كانت سبباً في اندلاع المواجهة.
فالملف النووي وبرنامج الصواريخ والتدخلات الإقليمية وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة كلها بقيت معلّقة من دون حلول نهائية.
وهذا يعني أن جذور الأزمة ما زالت قائمة، وأن احتمالات تجدّد التوتر أو العودة إلى المواجهة تبقى واردة ما دام النظام متمسكاً بالسياسات نفسها التي أنتجت الأزمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك