في عمر الـ19 لا يملك المرء سوى أن يسير في الطريق الذي ينير الأضواء له، من يسبق في إنارة الطريق هو من يستحوذ على المارة، كانت ناهد وأسرتها من السكان الجدد في منطقة الطالبية، تلقفتها أسرة القيادي عصام العريان، كانوا أول من أنار لها الطريق، الزوجة تتعثر بها في مسجد المنطقة، والأب يقابلهم في كل طريق، فما من مقاومة تذكر، سرعان ما انغرست الفتاة في عالم الدعوة، وسرعان ما غوتها الأخوات تحت قيادة زوجة العريان بأن هذا الطريق هو المستقبل، لأنه الأقرب إلى الله.
طالبة تدرس الإعلام في عامها الجامعي الأول، من بيت محافظ لأب يعمل مدرس لغة إنجليزية، لكن جذوره الصعيدية تحكم بيته، فالقرآن ضلع، والالتزام ضلع، والصلاة أصل، لا شيء يهم بعد هذا، بدأت العلاقة بتهنئة النجاح في الثانوية العامة، ثم تشعبت إلى كل شيء.
لم يكن الاستقطاب فكرياً فحسب، كان يرتكز أيضاً على وعود مهنية مغرية لصحفية مبتدئة، تروي ناهد إمام تفاصيل الوعود التي تلقتها من القيادي عصام العريان: «قال لي نحن سندربكِ، فلدينا مؤسسات صحفية، ولدينا أشخاص يتبعوننا داخل المؤسسات الكبرى مثل الأهرام والأخبار والجمهورية، ويمكننا مساعدتكِ»، مغريات تجعل العقل يتوقف عن التفكير، فجأة أصبح كل شيء متاحاً، مجتمع ممتلئ بالمعارف والصديقات، رحلات ودروس وحياة كاملة ومفاجآت واهتمام تجعل الفرد ينخرط في الجماعة حباً وارتباطاً، تنظر ناهد إلى هذه النسخة منها وتشفق على ما واجهته في شبابها، تروي: «أخدوني على مشمي.
غمرونا بشريط الكاسيت وشريط الفيديو، وحتى سهرات الأفلام، في بيوتنا كانت عبارة عن تجمّع لمشاهدة تاريخ الإخوان مع تناول الفشار، لم أكن أراهم أشراراً، وبسذاجتي وقتها، كنت أراهم يقولون «قال الله وقال الرسول»، فظننت أنني أخيراً وجدتُ أشخاصاً صالحين في هذا العالم».
وفي ذروة انخراطها، نُقلت «ناهد» إلى الدوائر العليا للقيادة النسائية، حيث تروي لقاءها بزينب الغزالي: اقتادوني إليها في منزلها بمدينة نصر، حيث كانت تقيم لقاءً أسبوعياً.
أن تجلس فتاة في التاسعة عشرة من عمرها مع قيادة بحجم وتاريخ زينب الغزالي كان أمراً كبيراً جداً، ولم تكن لقاءات فردية بل جماعية، وكانوا ينتقون الكوادر بعناية؛ فكانت تحضر معنا ميرال الطحاوي، الأديبة الكبيرة والأستاذة الجامعية الحالية، والتي كانت حينها شابة مثلي من الزقازيق، وهي التي كانت تكتب مقالات الحاجة زينب الغزالي في مجلة الدعوة، أما أنا فقد بدأ مشواري الصحفي من خلال مجلة «لواء الإسلام» التي كانت تصدر من قبرص ولها مقر في الهرم، وكان رئيس تحريرها آنذاك صلاح عبدالمقصود، الذي صار وزيراً للإعلام في عهد مرسي.
في تلك المرحلة التي تُشكل ملامح المستقبل، وجدت «ناهد» نفسها تسير في طريق ممهدٍ بشكل لم تكن تتخيله، طريق لم تكن فيه مجرد طالبة في كلية الإعلام، بل صحفية واعدة تُفتح أمامها الأبواب المغلقة بتوصيات من قيادات التنظيم، كانت تلك «حلاوة البدايات» التي تُعمي الأبصار عن النهايات، حيث امتزج الطموح المهني بالإغراء المادي والمعنوي، ليرسخ داخلها شعوراً بالامتنان والثقة العمياء في ذلك الكيان الذي تبناها.
عصام العريان وضع مخططاً لتجنيد الصحفيين: تدريب بمقابل مادي ونشر في مواقع ومجلات ومصادر مفتوحة للجميع.
و«ناهد» تبتلع الطعمتستعيد «ناهد» تلك الذكريات، واصفةً كيف بدأت خطواتها الأولى في بلاط صاحبة الجلالة تحت رعاية التنظيم: «عصام العريان عرفني على صلاح عبدالمقصود وإحنا في الهرم، وبدأت التدريب وكان فيه مكافأة شهرية مغرية، في وقت كان فيه ناس بتشتغل سنين في جرايد ومش بتاخد أي مقابل».
لم تكن «ناهد» تجد صعوبة في اختراق الأوساط المختلفة، بل كانت تقتحم مجالات اجتماعية وفنية واسعة، مستغلةً صفتها كصحفية شابة في مجلة تابعة للتيار الإسلامي: «عادي بعمل موضوعات اجتماعية فكانت معظم مصادري في هذا الإطار، فبكلم كل المصادر في كل مصر عادي، ووقتها كان بقى الفنانات المعتزلات كمان، فدخلنا بيوتهم، عملنا معاهم حوارات واتصاحبنا عليهم، أنا فاكرة إن أنا عملت حوار مع حنان، مع سهير البابلي، كاميليا العربي، نسرين، ثناء ثروت مرات محمد العربي، شمس البارودي، ياسمين الحصري».
الصحفية الهاربة من قبضة «التنظيم»: زوجوني عضواً خاملاً في «الأهرام»في الثالثة والعشرين من عمرها، وقبل عامٍ واحد من التخرج، وجدت «ناهد» نفسها أمام مسارٍ رُسم لها بدقة داخل أروقة الجماعة، مسار الزواج التنظيمي.
تروي فلسفة الجماعة في تزويج فتياتها، حيث يُنظر للفتاة كـ«طاقة مبذولة وجهد مستثمر» لا يمكن التفريط فيه أو تركه للصدف، فالجماعة تخشى أن تذهب تلك الفتاة، التي أُنفقت سنوات في تشكيل وعيها، إلى رجل «عادي» من خارج التنظيم، قد يفسد عليها انتماءها.
لذا، يسارع التنظيم بـ«التحليق» حول الفتيات اللواتي يتسمن بالإخلاص والصدق والاجتهاد، لتزويجهن من شباب الجماعة؛ ضماناً لبقاء الطرفين داخل الدائرة التنظيمية، وحفاظاً على الشاب الذي قد ينجرف بعيداً إذا سافر أو انخرط في مشاغل الحياة بمفرده.
ضمن هذا المخطط، طُرح على ناهد شابٌ ليكون زوجاً لها وأباً لأولادها لاحقاً؛ كان صحفياً شاباً في جريدة «الأهرام»، في مقتبل حياته المهنية، كان انتماؤه للجماعة سراً لا يعلمه أحد، حيث كان يُعرف بين زملائه والناس كشخص «متدين» فقط، وهو ستارٌ كان يُفرض على الكوادر في المؤسسات الحساسة، لم تكن «ناهد» حينها غائبة عن الحقيقة، بل كانت تعلم يقيناً بهويته الإخوانية «فهو ابتدا يبني لي فكر، ابتدا يخش في العقيدة عندي كمان».
تروي ناهد، بلهجة يمتزج فيها الندم بالذهول من قسوة تلك اللحظة: «كمان بعدوا عن أهلك خوفوكي منهم، بيعتبروهم خلاص بقوا في جاهلية».
في مرحلةٍ كانت فيها الهويةُ تتشكل بين جدران المدرجات وقاعات المحاضرات، خاضت «ناهد» تجربةً لم تكن مجرد رحلة تدين عابرة، بل كانت انغماساً في عالمٍ من الجماعات المتباينة التي تتصارع على صياغة العقول، تروي «ناهد» تفاصيل تلك الحقبة التي سبقت زواجها، حين ارتدت النقاب لعامٍ واحد، كاشفةً عن كواليس انخراطها مع أطياف التيار الإسلامي قائلة: «كان ذلك قبل الزواج، حيث ارتديتُ النقاب لسنة واحدة فقط، لأن ما حدث وقتها كان مثيراً، أنا في الواقع مررتُ على كل الجماعات الإسلامية بالمناسبة، ولم يقتصر أمري على الإخوان المسلمين فقط.
ففي الجامعة، وقبل أن أبدأ التدريب في السنة الأولى، وهي السنة التي تواصل معي فيها عصام، لم يوجهوني مباشرة إلى التدريب الصحفي، فهم لا يتركون المرء هكذا، بل يأخذون فترة تصل لعام مثلاً، يبدأون خلالها بمنحكِ أموراً بسيطة وتدريجية، ويختبرونكِ أيضاً ليروا مدى ولائك وانتمائك».
ناهد تكشف عن المناهج التربوية والتنظيمية التى خضعت لها تحت إشراف قيادات إخوانية بارزةوتكشف ناهد عن المناهج التربوية والتنظيمية التي خضعت لها تحت إشراف قيادات إخوانية بارزة، وكيف تحولت من مَدعوة إلى «داعية» تستقطب الأخريات: «كانت الدروس دائماً تشبهنا بالمسلمين في مكة خلال مرحلة (الدعوة المكية)، كنا ندرس السيرة في دروس خاصة، ونجتمع عند صلاح سلطان -المحبوس حالياً وهو من قيادات الإخوان- وكان وقته أستاذاً في كلية دار العلوم ومسؤولاً عن (الأخوات) في جامعة القاهرة كلها»، كان يقيم لنا درساً أسبوعياً في مسجد المدينة الجامعية، وآخر شهرياً مخصصاً للفتيات اللواتي أصبحن بالفعل «أخوات» وتولين مهمة الاستقطاب في الجامعة».
لم تكن «ناهد» تدرك في البداية الفوارق الجوهرية بين تلك الجماعات، بل كانت الروحُ الظمأى للتعلم هي المحرك، تسترسل في وصف تلك الحالة من التخبط الواعي: «لقد تعمق الموضوع معي كثيراً، لأحضر كل الدروس في الجامعة، لم أكن أعلم حينها أن هناك من يُسمون سلفيين، إلا أن هؤلاء الإخوان هم من عرفوني على طريق الإسلاميين وطريق الدعوة والدروس، فقررتُ أن أحضر لهؤلاء وهؤلاء، وذهبتُ إلى الجميع.
أصبحتُ أحضر مع السلفيين الذين يرتدون السواد والنقاب، ولم أكن أعرف مسمياتهم، وبعد ذلك فقط عرفتُ أن هؤلاء هم السلفيون، وأولئك هم جماعة الجهاد».
تصف «ناهد» مناخ الجامعة في عهد «مبارك» بأنه كان ساحةً مفتوحة لكل التيارات السياسية والدينية، في ظل صمتٍ أو مراقبة من السلطة التي كانت تترك الحبل على الغارب، تقول بمرارة: «وقتنا كان صعباً للغاية في ظل فورة وحرية جماعات الإسلام السياسي، كانت فترة رهيبة، وكل الأطياف كانت موجودة في الجامعة وعلانيةً، والأمن كان يعرفهم ويعرفُ تبعية كل منهم.
في فترة مبارك، كان المبدأ هو: (اترك الكل يلعب ويتسلى)».
لم يكن الزواج بالنسبة لـ«ناهد» نهاية المطاف، بل كان إيذاناً ببدء دورها الوظيفي داخل الجماعة، فمن شابة كانت تخضع للاستقطاب، تحولت هي نفسها إلى «مستقطِبة» في المساجد، ممارسة الأدوار ذاتها التي مُورست عليها سابقاً.
تروى «ناهد» تفاصيل هذا التحول: «بعد الزواج دخلتُ في نظام الأسرة، وبدأتُ أذهبُ إلى المسجد لإلقاء الدروس، ليس للأخوات العضوات فحسب، بل لعموم السيدات، كنتُ أبحث في الوجوه، ومن أتوسم فيها خيراً وأراها صالحة، أبدأ في جذبها واستقطابها تدريجياً، فقد أصبحت الآن زوجة وعلىَّ أن أعمل معهم في ما يسمى (دعوة الإخوان)، هكذا كانوا يطلقون عليها، لا يسمونها جماعة بل (الدعوة)».
ورغم انخراطها في هذا المسار، إلا أن شغفها بالصحافة ظل يراودها، فاعتذرت عن استكمال العمل الدعوي المسجدي لتتفرّغ لمجالها المهني، مستغلة المناخ العام في تلك الفترة: «في الحقيقة لم أكن أحبُّ هذا العمل الدعوي كثيراً، فميولي كانت تتجه نحو الكتابة والصحافة، لذا اعتذرتُ بعد أشهر قليلة وقلتُ لهم إنني سأكمل في طريقي الصحفي.
في ذلك الوقت لم أكن قد عُينت رسمياً، فعملتُ في المجلات الإخوانية، مثل (المختار الإسلامي)، وهي المجلة التي مكنتني لاحقاً من دخول نقابة الصحفيين، فقد كانت تصدر بشكل قانوني وتحت إشراف المجلس الأعلى للصحافة، ولم يكن هناك تضييق في عهد مبارك».
وتكشف «ناهد» عن تغلغل الجماعة في المؤسسات الصحفية والسياسية، مشيرة إلى تدريبها في جريدة «الشعب» وعلاقة الجماعة برموز صحفية وسياسية: «كنتُ أتدربُ في جريدة الشعب، وكان يقودها آنذاك عادل حسين وإبراهيم شكري، وعادل حسين بالمناسبة عقد شراكة مع الإخوان في فترة من الفترات، كما أن إبراهيم عيسى أيضاً كانت له فترة شراكة معهم.
لقد كان الإخوان موجودين في كل مكان، ولم نكن نشعرُ حينها أننا نتعامل مع مجرمين، بل كانوا موجودين بقوة في النقابات المهنية أيضاً».
مقال كان المسمار الأخير في نعش تلك حياة ناهد إمام الزوجيةيُنمي التنظيم شعوراً بالأهمية لدى أعضائه، خصوصاً مع بداية الانفتاح على التنظيم الدولي والتعرّف على تجارب الأعضاء في الخارج، مما جعل من «ناهد» وزوجها يشعران بالأمان حتى حينما غادرا مصر، حيث كان التنظيم بانتظارهما في الخارج.
تروى «ناهد» تجربتها في الكويت: «عندما سافرت إلى الكويت بعد زواجي بسنة، فقد احتضننا إخوان الكويت، وذهبنا إليهم مباشرة، واشتغل زوجي آنذاك في مجلة إخوانية هناك بموجب عقد عمل في مجلة المجتمع الإخوانية».
وتستطرد «ناهد» في وصف التحديات الاجتماعية التي واجهتها، وكيف تشابكت حياتها الخاصة مع هذا المسار الصعب: «في ذلك الوقت، كنت قد أسّست بيتاً وأسرة، وكان زوجي فرداً منهم، فكان السؤال: ماذا سأفعل؟ هل أهدم حياتي بأكملها؟ استمر ذلك حتى استجمعتُ شجاعتي لأترك هذا الشخص الذي كان ينتمي إليهم، هم لديهم قاعدة تُسمى «خبث الدعوة»، حيث يعتبرون أن من ينتقدهم أو يتركهم هو شخص منبوذ.
لقد بدأتُ في تلك الفترة أنتقد وضع المرأة، وتحديداً في مرحلة الثلاثينات من عمري، بعد أن كنت في العشرينات منبهرة تماماً ومنجذبة ومصدّقة لكل ما يُقال.
هذا التمرد لم يظل حبيس الجدران، بل تحول إلى كلمة مكتوبة، وهو ما جلب عليها المتاعب، تروي: «اعتبروني متمردة عندما بدأتُ انتقاد تلك الأوضاع والكتابة عنها، فقد كتبتُ مقالاً بعنوان (الزواج من ملتزم كارثة) في عام 2007، ونُشر في موقع (إسلام أونلاين) الذي كان منصة كبيرة آنذاك بنسختيه العربية والإنجليزية.
كان يعمل معنا حينها الأستاذ عبدالرحيم علي، والباحث الراحل حسام تمام».
وتشير «ناهد» إلى الثمن الذي يدفعه من يقرّر الخروج عن الصف: «حسام تمام كان أول من أشار إلى أوجه الفساد داخل التنظيم، ولذلك لفظوه واتّهموه بالعمل مع الأمن، ففي عرفهم، أي شخص يتركهم يُتهم فوراً بهذا الاتهام، وأنا شخصياً واجهتُ التهمة نفسها».
كان هذا المقال هو المسمار الأخير في نعش تلك الزيجة، فقد خيرها زوجها بين الصمت أو الطلاق، فاختارت هي أن تخرج كلماتها للنور: «لقد بدأتُ أثورُ عليه وعلى الجماعة، ولم أعد أبالي بالعواقب، قال لي زوجي: (لو نُشر هذا المقال فأنتِ طالق)، فنُشر المقال ووقعتُ في الطلاق فعلياً، كنتُ قد وصلتُ إلى ذروة احتمالي بعد سنوات من العنف الجسدي والنفسي، وبعد أن استولى على كل أموالي التي جنيتها من عملي في الكويت، تساءلتُ بمرارة: أين الإسلام؟ وأين الإخوان؟ ولأجل ماذا انضممتُ إليكم؟ ».
فصول الاستغلال المادي التي ترويها «ناهد» تكشف عن وجه آخر للتنظيم، حيث يُستغل مبدأ «السمع والطاعة» لتجريد المرأة من حقوقها المالية: «لقد اشترط عليَّ أثناء عملنا في الكويت ألا أفتح حساباً بنكياً باسمي، وكنتُ أعمل فترتين صباحية ومسائية، وأتقاضى راتبي بالدولار والدينار، وكان يُلزمني بتحويل راتبي إلى حسابه الشخصي، وفي النهاية أنكر كل حقوقي.
حين كنتُ أشتكي لشيوخ الجماعة ودار إفتائها الداخلية، لم أكن أجد سوى (تطييب خاطر صوري) ودعوات بوجوب طاعة الزوج، فأعود بخفي حنين لأدور في ساقية الخضوع والانسحاق، بينما كان الصراع يحرقني من الداخل، فكيف أكتبُ في الصحافة عن تكريم الجماعة للمرأة وأنا أعيشُ أبشع صور الامتهان؟ ».
وتسترسل «ناهد» في وصف المأساة بعد العودة من الغربة، حيث تحولت مدخراتها إلى أملاك مسجّلة باسم الزوج حصراً: «لقد أسسنا حياتنا في مصر من أموالي الموضوعة في حسابه، اشترينا شقة فاخرة على كورنيش المعادي، واشتركنا في نادٍ اجتماعي كبير، وسيارة، وألحقنا أبناءنا بمدارس راقية، وكل ذلك سُجل باسمه وحده، وعندما وقع الطلاق، تدخّلت الجماعة لتبخسني حقي وتجرّدني حتى من (شقة الحضانة)، رغم أن أطفالي كانوا في مراحل دراسية مبكرة، أجبروني عبر (عقد إذعان) كتبه محامي الجماعة (أحمد الغايش)، الذي كان شقيقه قيادياً مسؤولاً عن شئون التنظيم في عهد مرسي، على التنازل عن شقة الحضانة مقابل حريتي.
مضيتُ على ذلك العقد رغبة في الفرار بجلدي من ذلك الرجل ومن تلك الجماعة».
تروي «ناهد» حكايتها بمرارة تطلُّ من أرقام النفقة الهزيلة التي تُصرف لأبنائها، بينما يواصل والدهم، الصحفي بجريدة «الأهرام»، والمنتمي إلى روابط «صحفيون ضد الانقلاب»، حياته داخل التنظيم: «لقد كتبوا لي نفقة هزيلة قدرها 350 جنيهاً كأجر مسكن و900 جنيه للطعام، لأبناء اعتادوا العيش على كورنيش المعادي، وفي الكويت، والجماعة أخرجت أبناءها من شقتهم ولم تبالِ بمصيرهم، هو تزوج فوراً من ابنة قيادي إخواني بالمنصورة، ولا يزال عضواً في التنظيم وفي جريدة «الأهرام»، وإن كان مجمّداً مهنياً الآن، أما أنا، فقد واصلتُ رحلتي وحيدة في تربية أبنائي حتى دخلوا الجامعة، وما زالوا حتى الآن يرفعون قضايا ضده لنيل حقوقهم، فما يفعله هذا الرجل هو الوجه الحقيقي لمن يتاجرون بالشعارات».
ناهد إمام تركتهم في 2008 وبحثوا عنها في 2011لم تكن مغادرة «ناهد» لتنظيم الإخوان المسلمين مجرد انفصال تنظيمي، بل كانت رحلة قاسية نحو استعادة الذات، خلالها «النبذ الممنهج» والبراجماتية التي تصفها بـ«الوقاحة»، تروي «ناهد» فصول ما بعد الخروج، وكيف حاول التنظيم استغلالها مجدداً في لحظات سياسية فارقة: «منذ عام 2008 انقطعت صلتي بهم تماماً، وأصبحوا لا يعرفونني حتى لو التقينا في أروقة نقابة الصحفيين، وأنا كذلك لم أعد أرغب في معرفتهم.
لكنهم هاتفوني فجأة في عام 2011، إبان فترة الاستفتاء على الدستور وشعارات (نعم للشريعة)، زميلة صحفية تُدعى هبة زكريا، وهي الآن خارج مصر، بعد اتهامها أحداث مسجد الفتح، وقالت لي: «ناهد، أنتِ معنا بالطبع، ستعطين صوتكِ لنا.
قولي نعم للدستور فهي كلمة الإخوان».
وعندما تتأمل «ناهد» في وعي الجيل الجديد، تراه صمام الأمان الذي يحميهم من أساليب الاستقطاب المتلونة، قائلة: «أبنائي رأوا التجربة بأنفسهم وعاشوا تفاصيلها، فضلاً عن أن وعي الجيل الحالي (جيل Z) والأجيال التي تليه ليس سهلاً، فهم جيل الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، ومنفتحون على العالم بشكل لا يسمح باستقطابهم في قوالب مغلقة، لستُ قلقة عليهم أبداً، فهم وأصدقاؤهم ليسوا من هؤلاء الذين ينقادون وراء تلك القصص، والحمد لله على ذلك».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك