ضمن سياق عام يحاول فيه الإنسان السوري إعادة التوازن لبلد ظلّ عرضة لزلزال اجتاح كل ما فيه قرابة ستين عاماً، استبيحت فيها الفنون والآداب والثقافة والقيم والعلوم، يحاول المسرح السوري إنعاش ذاته منذ سقوط نظام الأسد، عبر أعمال تتوالى بتواتر معقول نسبياً كمّاً ونوعاً، إن وضعنا الانهيار العام في كل شيء حتى الهواء بعين الاعتبار.
وفي هذا الامتداد انطلق عرض مسرحية بروفة يوم الحساب بعد عدة أعمال مسرحية راوحت بين الاستعراض المبهر كوردة إشبيلية للمخرج أحمد زهير، والمحاولات الفردية لمسرح ناشئ كمسرحية اللاجئان من تأليف وتمثيل وإخراج الأخوين ملص.
بروفة يوم الحساب نص للكاتب فارس الذهبي، وإخراج ماهر صليبي، وأداء يارا صبري، روبين عيسى، وجابر جوخدار.
ولعل أسماء الكاتب والمخرج والبطلة (يارا صبري) بحدّ ذاتها تحمل دلالة ليست هيّنة بالعودة للعرض على مسارح سوريا، ومن إنتاج وزارة الثقافة السورية، بعد عقد ونصف من المواجهة المفتوحة مع النظام السوري المخلوع، وهي دلالة تحمل من بين ما تحمل إشارة حاسمة المعنى لنصر لا مجال لأي" لكن" فيه.
يحكي العمل ساعتين أو ثلاث من حياة سيدتين هما: سما (تؤدي دورها يارا صبري) وثريا (تودي دورها روبين عيسى) كانتا معتقلتين في سجون الأسد وتعرضتا للتعذيب الجسدي والنفسي، وهما تعملان الآن في مشغل خاص بهما للخياطة.
تسير حياتهما ببطء وهدوء مع إغلاقهما نوافذ الذاكرة الجريحة حتى تحضر" ثريا" رجلاً مخدراً إلى الورشة، لتقول إنه فؤاد (يؤدي دوره جابر جوخدار) الوحش الذي كان مسؤولاً عن تعذيبهما في المعتقل.
ويبدأ الصراع الذاتي من جهة، وبين الشخصيتين من جهة للتأكد إن كان الرجل هو غريمهما فعلاً، وحول ما يجب فعله بالعدو المشدود الوثاق، إن صح أنه العدو، ومع تصاعد الصراع النفسي، تقترح" ثريا" إقامة محكمة صورية للمجرم الذي كان يستمتع بتعذيبهما مع سيدات أخريات على مقطع محدد من أغنية أم كلثوم ثورة الشك.
(اختيار الأغنية سيكون موضع تساؤل كبير بالنسبة لي، وسأبحثه لاحقاً) ولكن ما نحتاج لتثبيته ودون مواربة على حرج الفكرة هو أن فكرة محاكمة الضحية السياسية وهي امرأة لرجل كان سجاناً يعتدي عليها على أنغام موسيقا بعينها بعد أن مكنتها الصدفة المحضة منه، هي فكرة أكثر من متقاطعة مع عمل أيقوني هو" الموت والعذراء" للتشيلي آربيل دورفمان.
وبعيداً عن هذا التقاطع في النص، يمكن البحث في العمل مشهدياً وعلى مستوى الحكاية تفصيلاً ودلالات، وكذلك البحث في الشخصيات وتكوينها ومنابتها ومآلاتها، وتطور الحكاية المسرحية، والبيئة العميقة للعمل وكيفية تقديمها عبر حكايات شخوصه، وحوارات الشخوص، وتعامل هذه الشخوص مع الفضاء المسرحي ومكوناته.
على المستوى البصري المكاني، جرت أحداث العمل كلها في قبو هو ورشة الخياطة التي أسستها البطلتان، ولم يتكن هناك استحضار حتى على مستوى الخيال والتذكر لأماكن أخرى بصرياً أو سمعياً (لا أصوات للسوق الذي وجدت ثريا فيه فؤاد، أو أصوات للمعتقل والتعذيب مثلاً)، فالذكريات تروى في المكان نفسه دون الانتقال لمكان الذاكرة، في ترميز واضح وعميق الدلالة لمركزية المكان في الحدث، واستقرار البطلتين نفسياً فيه، بل إنها عالقة فيه، في بحثها عن السلام الذاتي، ولو كان فيه الكثير من الاستسلام.
اختيار" ورشة خياطة" لتكون مكن الحدث، يحمل إشارة لإمكانية النجاة عبر العمل المنتج، والبحث عن أدوات مقاومة المحيط القاسي: القبو الغارق في العتمة، والجيران المتربصين بكل نفس، ما جعلهم شكلاً اجتماعياً من أجهزة القمع.
وساهم بناء ورشة الخياطة البصري في تعزيز المركزية والثبات، آلة الخياطة التي تشكل مركز المكان، التناظر في نوافذ الخلفية و" مانيكانات" الخياطة حول المركز، مركزية لم تهتز إلا عبر دلو الماء والمغسلة في ركن الورشة، ولاحقاً بالكرسيّ الذي شد وثاق فؤاد عليه، وهذا الكسر الواضح للتناظر المركزي، باستخدام الكرسي والمجرم المقيد عليه، أعطى دلالة بارعة على الزلزال النفسي الذي اجتاح سلام الورشة وشخوصها.
وكذلك على هشاشة هذا السلام، فكرسي بسيط كافِ لتغير المكان وتوازنه وانحراف مركزيته.
ولا يغيب عن بصريّة المكان، اكتظاظ" المانيكانات" على طرفي الورشة مقسومة لكتلتين ملونة، وبيضاء، جسدت لاحقاً بشكل واضح عبر الحوارات ضحايا أخريات، منهن من لم تنجً، اكتظاظ يشير إلى عدم قبول البطلتين باحتمال إضافة ضحية جديدة.
بدت شخصيات العمل عامّة الملامح، بل شديدة العمومية، بحيث يمكن أن تكون" جزءاً" من أي شخصية سورية، وفي هذا قصدية واضحة لتعميم الحدث والشخوص، وهو تقنية أجاد المخرج صليبي استخدامها، لترسيخ هذه الفكرة.
• سما: سيدة أربعينية الملامح، رافقها" مانطو" و" حجاب" أخبرا عن بيئتها بوضوح، وأظهر ارتباكها اللغوي، وتكرارها للكلمات حالة عصابية تشير لضعفها وترددها وعدم ثقتها بذاتها، هذا التردد الذي تلاشى عدة مرات في حالات الخطابة التي ظهرت في مشاهد تلقينية عن أهمية العدالة وماهية البلد الذي تريده، وحصار العار والعيب، ورغم تناقض المفردات المستخدمة في هذه الخطابات مع بناء الشخصية المقدمة، إلا أن التغيير من التردد والتكرار، إلى الثبات والحسم، كان أداة أتقن المخرج استخدامها وأتقنت الممثلة يارا صبري تنفيذها على الخشبة.
• ثريا: سيدة كانت تدرس الطب، أقوى وأكثر ثقافة، قادرة على السخرية، وفرض رؤيتها على الحدث، بل حتى على استعمال شيء من التلاعب لإثبات وجهة نظرها حين اقترحت فكرة المحكمة، ولعبت دور القاضي فيها.
• فؤاد: الشخصية التي وجدتها أكثر الشخصيات إشكالية وطرحاً لعلامات الاستفهام، وهذه الإشكالية شديدة الانتشار في الفنون الدرامية في سوريا.
من هو فؤاد؟ من أين ينحدر؟ ماذا كان يعمل والده؟ أين يسكن وما هو نمط حياته قبل سقوط النظام، واختباءه في سوق الخضار؟ كيف تكون كل هذا الشر في داخله وكيف تعايش معه؟تسود حالة تقديم شخصيات عناصر الأمن المتوحشة بشكل غائم فاقد للهوية وإعطاءه لهجة دمشق البيضاء تفاصيل ترسم الشخصية ليكون في الغالب شيئاً مسطحاً بلا ملامح، في الفن السوريّ.
بينما يعرف كل من احتك بهذه الطبقة الشيطانية، ودون أي لبس، أي ملامح وأنماط سلوكية تنتشر في بيئتها المتوحشة.
وبالعموم، لم يكن انتقال الملامح والصوت من حالة ادعاء البراءة والبساطة والفقر، إلى حالة التوحش الأمنيّ، لم يكن مقنعاً كما يجب.
في بحث الحكاية تعود التقاطعات مع مسرحية" الموت والعذراء" لتفرض أسئلة يصعب تجنبها بقدر ما تصعب الإجابة عنها.
وسنتركها ربما لفرصة حوار مباشر مع صناع العمل.
الحكاية في" بروفة يوم الحساب" لا تندرج ضمن المعنى التقليدي من حيث التصاعد والذروة والحل، فعلى مستوى السرد الدرامي تحقق التوتر في أقصاه لحظة إحضار فؤاد إلى الورشة، واستمرت الحكاية بعد هذه اللحظة في خطوط أفقية لا تصاعد فيها، حتى أن لحظة إطلاق سراحه لم تكن لحظة درامية منفجرة بالمعنى الكلاسيكي، بل أقرب لتحصيل حاصل.
وفقدان" الحكاية" لا يعيب العمل بطبيعة الحال، فهو عمل أسئلة وومضات وذاكرة، أسئلة كانت إجاباتها سهلة، بل وحتى خطابية تقريرية في حالات انعدام الفعل أو التنظير لمستقبل مفرط في الرومانسية والمثالية، فمعالجة احتمال ألا يكون الشخص المقيّد إلى الكرسي هو فؤاد" الكلب" كما وصفته البطلتان، كانت سهلة للغاية: علينا أن نتركه يذهب، ويلي القرار جمل تلقينية لا تتناسب مع طبيعة شخصية" سما" التي حاضرت بشكل منتظم في الجمهور عن البلد الذي نريده، وكان من اللافت أن الجمهور تفاعل معها في شراكة عميقة الدلالة في الحلم الرومانسي.
لكن الأسئلة التي تقارب الواقع والحقيقة الصادمة كانت تصطم أيضاً بانعدام يقين الإجابات.
ماذا لو كان هو؟ ماذا سنفعل به؟ كانت" ثريا" تسأل وتجيب" سما" في كل مرة: " ربما ليس هو.
" هروب واضح، مبرر ومفهوم، ولكنه غير متسق مع الحتميات التي تطلقها" سما" حول شكل الدولة والعدالة والقضايا الكبرى، بينما لا تملك إجابة عن قصة واحدة شخصية من ملايين القصص.
في حين كان تشبث" ثريا" بحقها وحتمية استرداده، صرخة أقرب لإنسانية الضحية، وعادت الحكاية عادت لتثبت صحة وجهة نظر" ثريا"، وكذلك لتضعها مجدداً في موضع الضحية، وسط دهشة الجمهور من بشاعة الواقع!أرهقت المونولوجات الطويلة غير المبررة ضمن السياق وحالة العمل ككل، وكان من الممكن أن تكون أرشق بكثير وأقرب لواقعية المكان والحدث، ولكنها من جهة أخرى حملت استعراضاً ممتعاً لقدرات البطلتين على الخشبة، وربما أوحت في بعض اللحظات بنفاد الحلول الإخراجية، رغم توفر فضاء هائل متخم بالأدوات التي كان من الممكن تحويلها لنقاط ارتكاز صارخة الإبداع لتطوير آلية السرد المسرحي: المانيكانات، الدلو، آلة الخياطة، نوافذ القبو، ومشجب الملابس.
كانت فرصة عظيمة للتنويع الحركي والبصري، بحيث يسيل الحوار ماءاً في رمقٍ عطش، بدل أن يكون درساًَ في دورة سلم أهلي.
وبالعموم، حمل الحوار مفردات لا تتسق مع البيئة ولا الحدث ولا الشخصيات.
فكلها أبسط من المفردات المستخدمة.
وأؤكد أن الحديث هنا عن المفردات، أما الأفكار التي حملها الحوار عن العدالة وضرورتها، عن المأساة وقسوتها، عن الجراح وعمقها، فهي أفكار تكاد توحّد الضمير السوري العام، في مشهد مرعب لأمة تبكي من فرط الأسى العالق في الذاكرة.
البيئة الاجتماعية للعمل كما رسمها النص، وأقرّها الإخراج بتعزيزها بصرياً وبالإداء، بيئة شديدة العدائية، عديمة التعاطف، قاسية حتى التوحش، بل إنها خالية تماماً من أي نافذة على روح إنسانية.
الكل حول البطلتين ذئاب متوحشة.
وربما يكون هذا مبرراً مفهوماً لإغراق الشخصية المترددة، فاقدة الثقة بالذات، سما، في مثالية شاسعة الابتعاد عن الواقع، بل إنها مثالية تسببت في النهاية بإطلاق سراح المجرم وتعريض صديقتها" ثريا" لخطر تكرار المأساة، لولا صحوة واقعية من" سما" وتدخلها بشكل عنيف لإنقاذ صديقتها.
يعبر في النص عبر ذاكرة البطلتين بضعة رجال، وكذلك يحضر الرجل" فؤاد" على الخشبة، الرجال في العمل جاحدون قساة، ومنهم المجرم الأشد وحشية، ولا مكان للحب أو الشهامة أو الوقوف كما يجب سنداً لشريكات حياتهم.
وهذا التوجه في رواية سيرة الرجل الشرقي توجه سائد، معروف الأسباب، والمصدر، والبيئات، واللوبيات، والكتل الاجتماعية التي تنتجه.
ولعل تفاوت الذاكرة بين الناس، وكذلك التجارب والحيوات الفردية، تفسر وجود هذا الخطاب الأحادي الرؤية في العمل.
أما أنا فكان صوت الرجل الحلبي الملقى على الطريق بين مجموعة من المخلوقات الهمجية التي تفاوضه على حياته مقابل أن يرشدهم إلى مكان زوجته، وهو يقول لهم: " هي بنت عمي تاج راسي.
" هو الصوت المسيطر على نبضي في كل مرة تروي فيها البطلتان مقدار الخذلان والنذالة التي تصرف بها الأب والزوج الغائبين عن الخشبة، والحاضرين في رواية الطرف الواحد.
ولعل من المؤشرات العميقة على ماهية علاقة البطلتين بالبيئة المحيطة، هي عدم استنجادهما بأي إنسان، ورغم الخطابات المكررة عن العدالة، لم تمشِ صاحبة الخطاب خطوة واحدة باتجاهها، تاركة المشاهد في حيرة: زمن العمل المفترض بعد التحرير، لماذا لم تبلغ الفتاتان عن السجان المغتصب؟ لماذا لم تستنجدان بالجيران، منذ اللحظة الأولى، وتقديم الرواية عن الاعتقال، والعنف، وردّات فعل الجوار في حالات كهذه هي في الغالب اندفاع أعمى للدفاع عن المرأة.
لعله تكريس مجدد لشيطنة الرجل الشرقي، ولعلّ فيه رؤية أخرى لم أستطع إدراكها.
الأغنية التي اختارها العمل لتكون رفيقة التعذيب كانت من أرقى ما قدمه الغناء العربي في تاريخه – وهنا تحضر أفكار" الموت والعذراء" مجدداً – كلمات الأمير السعودي عبد الله الفيصل التي تفيض رقة وإنسانية وعشقاً عزّ نظيرها، وألحان سيد ملحني القصيدة الكلاسيكية العبقري رياض السنباطي، وصوت أم كلثوم الجبار المعقد التقنيات حتى الإعجاز.
تقول التجربة الشخصية، ومئات الشهادات من المروية والمكتوبة من الناجين والناجيات من تجارب الاعتقال المرعبة إن السائد هو مناخ بدائي همجيّ، إن ما كان يُسمع أواخر الليل من هواتف السجانين المحمولة في سمرهم الوحشي كان في عالم آخر، عالم علي الديك ووفيق حبيب، وفي أعلى تجلياته ربما يكون جورج وسوف.
أما أن يكون الخيار قصيدة كلاسيكية بصوت أم كلثوم، أغنية من ذرى التعقيد اللغوي والموسيقي، فقد كان خياراً غرائبياً حتى العجائبية، لنموذج سجان متفرغ للتعذيب في سوريا الأسد، نموذج يحمل كل ما في الهمجية من معانٍ ودلالات.
بالمجمل، " بروفة يوم الحساب" خطوة في طريق استعادة المسرح، وبناء علاقة بين الجمهور والخشبة، وهي علاقة طالما كانت خاضعة للجمهور في بلادنا، الجمهور هنا يعني السلطة والناس معاً في تواطؤهما الغريب على مسخ المسرح، سواء في ماهية العروض التي تدعمها السلطة، أو العروض التي يصفق لها الناس.
وتحت ثقل هذا التاريخ المرّ، يحاول المسرح السوريّ اليوم الوقوف مجدداً ليعود إلى الجمهور في مزاج أكثر تحضراً وأعلى قيماً من نفاق مسرح" فرقة تشرين" و" فرقة المهندسين المتحدين" أو عروض المسرح القومي القادمة من عوالم فضائية بالنسبة لجمهور الشقاء السوري.
عمل بأداء مسرحي متقن، يحترم عقل الجمهور، وبأدوات إخراجية ناضجة عالية التقنية، لا تستطيع إلا أن تحترمها وإن اختلفت معها، فهي – برأيي- الأهم في مرحلة إعادة التأسيس الراهنة، ريثما نستعيد تعافينا ونصبح قادرين على القول والرؤية والحلم من جديد.
أختم فأقول، نحتاج مسرحاً من الجميع وللجميع، ونحتاج إلى قراءته وحضوره والحوار، حتى الجدال بل والصراع معه، نتبادل الأدوار في الطرح والاستماع، والتعلم.
فهو فضاء لانهائي المدى، فضاء بالغ المتعة والشجاعة.
وحتى ربما يكون وسيلة الترفيه الأقرب للإنسانية في عالم بات مصنّعاً حتى في دمعه وابتسامته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك