وسط المساحات الخضراء الممتدة داخل الحديقة النباتية بأسوان، حيث تمتزج الطبيعة الساحرة بنسيم النيل الهادئ، تقف شجرة فريدة من نوعها شاهدة على مرور أكثر من قرن من الزمن، حاملة بين جذورها وساقها الغريب حكايات الطبيعة وأسرارها المدهشة، إنها شجرة الكوريزيا، أو كما يعرفها كثيرون باسم مهرش الفيل، إحدى أندر الأشجار المعمرة التى تحتضنها جزيرة النباتات بأسوان، والتى أصبحت محط أنظار الزوار والباحثين وعشاق الطبيعة من مختلف أنحاء العالم.
هذه الشجرة لا تلفت الأنظار فقط بسبب عمرها الطويل الذى يتجاوز 100 عام، لكن بسبب شكلها الاستثنائى الذى يجعلها أقرب إلى تحفة فنية صنعتها الطبيعة بعناية، وجذعها الضخم المنتفخ من الأسفل، والمتدرج إلى الأعلى فى هيئة أكثر نحافة، يمنحها مظهرًا غير مألوف بين الأشجار التقليدية، لتصبح واحدة من أكثر المعالم النباتية إثارة للفضول داخل الحديقة.
ويروى الدكتور عمرو محمود، مدير عام الحديقة النباتية بأسوان، لـ" اليوم السابع"، قصة الاسم الذى ارتبط بالشجرة عبر العقود، موضحًا أن تسمية مهرش الفيل جاءت من طبيعة الحياة فى الغابات الاستوائية، حيث اعتادت الأفيال - بحسب الروايات المتداولة - على الاحتكاك بجذوع هذه الأشجار بعد خروجها من الأنهار، مستفيدة من البروزات الموجودة على الساق فى حك أجسامها، وهو ما منح الشجرة هذا الاسم اللافت والغريب فى الوقت نفسه.
ويؤكد، أن مثل هذه القصص تضيف بُعدًا تراثيًا وثقافيًا للنباتات النادرة، فلا تقتصر قيمتها على كونها كائنات حية فحسب، لكن تتحول إلى جزء من ذاكرة المكان وسردياته التاريخية.
ولا تتوقف غرابة شجرة الكوريزيا عند اسمها فقط، لكن تمتد إلى بنيتها الداخلية الفريدة، إذ تتميز بساق مجوف يتحول مع مرور الزمن إلى ما يشبه خزانًا طبيعيًا للمياه، الأمر الذى يساعدها على التكيف مع البيئات الحارة والجافة ولهذا السبب تُعرف أيضًا باسم شجرة القارورة، فى إشارة إلى شكلها الذى يشبه الزجاجة أو القارورة المنتفخة.
ويعكس التكوين البيولوجى المميز، قدرة النباتات على تطوير وسائل مذهلة للبقاء، خصوصًا فى البيئات القاسية التى تتطلب تخزين المياه لفترات طويلة.
جمال استثنائى وزهور ورديةورغم ضخامة جذعها، تحتفظ الكوريزيا بجمال رقيق يظهر بوضوح فى أزهارها ذات اللون الوردى الزاهى، والتى تنشر رائحة عطرة تضفى على المكان سحرًا خاصًا، لذلك تُستخدم الشجرة كعينة فردية فى المسطحات الخضراء، بحيث تمنح المشهد قيمة جمالية وبصرية استثنائية.
ويطلق البعض عليها اسم كوريزيا بمبة نسبة إلى لون أزهارها الوردى المميز، لتجمع الشجرة بين الغرابة والجمال فى آن واحد، وهو ما يجعلها واحدة من أبرز الكنوز النباتية داخل الجزيرة.
ولا يمكن الحديث عن شجرة الكوريزيا بمعزل عن الحاضنة الكبرى التى تحتضنها، وهى الحديقة النباتية بأسوان، التى تحولت عبر العقود إلى متحف نباتى عالمى مفتوح على أرض عاصمة أفريقيا، فالحديقة لا تخدم الجانب السياحى فقط، لكن تمثل مؤسسة علمية وبحثية مهمة يقصدها الباحثون والمهتمون بالنباتات من دول عديدة.
وتضم الحديقة نحو 800 نوع نباتى متنوع، تشمل نباتات طبية وعطرية، وأشجارًا خشبية، وأصنافًا من الفاكهة الاستوائية، موزعة على مساحة تصل إلى 18 فدانًا، ما يجعل الجزيرة أشبه بجنة خضراء وسط مياه النيل.
ويُشار إلى أن هذه الشجرة النادرة تمثل نموذجًا حيًا لما تختزنه الحديقة النباتية من كنوز طبيعية لا تُقدّر بثمن، حيث لا تروى الكوريزيا فقط قصة شجرة عتيقة، لكن تحكى أيضًا قصة مكان استطاع أن يحافظ على إرث نباتى فريد، ليبقى شاهدًا على جمال الطبيعة وتنوعها عبر الأجيال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك