على امتداد أكثر من خمسين عاماً، شكّلت اللجان الدائمة العمود الفقري للعمل التشريعي داخل مجلس الشعب السوري، إذ أنيط بها نظرياً إعداد مشاريع القوانين ودراستها ومراقبة أداء الحكومة ضمن اختصاص كل لجنة، قبل رفع تقاريرها إلى الجلسة العامة للتصويت.
إلا أن الدور الذي رسمه الدستور والنظام الداخلي لهذه اللجان ظل، في ظل حكم نظام حافظ الأسد ثم ابنه بشار، محكوماً ببنية سياسية هيمن فيها حزب" البعث" والسلطة التنفيذية على الحياة البرلمانية، ما جعل اللجان تمارس اختصاصاتها في إطار محدود، بعيداً عن الدور الرقابي المستقل الذي تؤديه اللجان البرلمانية في الأنظمة الديمقراطية.
اللجان: القلب الحقيقي للعمل البرلمانيفي معظم البرلمانات حول العالم، تشكل اللجان الدائمة المكان الذي يجري فيه الجزء الأكبر من العمل التشريعي، إذ يصعب على مئات النواب دراسة جميع مشاريع القوانين بالتفصيل داخل الجلسات العامة.
ولذلك تُحال مشاريع القوانين إلى لجان متخصصة تضم عدداً محدوداً من الأعضاء يمتلكون خبرات أو اهتمامات في المجال المعني، فتقوم بدراستها، واستضافة الوزراء والخبراء، واقتراح التعديلات، ثم ترفع تقريراً يتضمن توصياتها إلى المجلس.
ويستند النظام البرلماني السوري إلى الفكرة نفسها من الناحية النظرية، إذ ينص النظام الداخلي لمجلس الشعب على تشكيل لجان دائمة تتوزع عليها اختصاصات المجلس المختلفة، بحيث تصبح كل لجنة مسؤولة عن دراسة مشاريع القوانين والاتفاقيات الدولية والموضوعات المرتبطة بقطاع معين، إضافة إلى متابعة أداء الوزارات والمؤسسات العامة الداخلة ضمن اختصاصها.
كما يجيز النظام الداخلي للمجلس تشكيل لجان مؤقتة أو لجان تحقيق خاصة لدراسة قضايا محددة، إلا أن استخدامها خلال العقود الماضية بقي محدوداً مقارنة باللجان الدائمة.
مع إقرار دستور عام 1973، الذي جاء بعد ثلاثة أعوام من وصول حافظ الأسد إلى السلطة، استعاد مجلس الشعب عمله بعد انقطاع دام اثني عشر عاماً منذ حل البرلمان السابق في عهد الانفصال، ونص الدستور على أن يضع المجلس نظامه الداخلي بنفسه، وهو النظام الذي حدد لاحقاً آلية تشكيل اللجان واختصاصاتها وعدد أعضائها.
وبحسب النظام الداخلي، تُشكَّل اللجان في بداية كل دورة تشريعية من بين أعضاء المجلس، مع مراعاة رغبات الأعضاء واختصاصاتهم قدر الإمكان، ثم تنتخب كل لجنة رئيساً ونائباً للرئيس ومقرراً يتولى إعداد جداول الأعمال وصياغة التقارير.
كما حدد النظام سقفاً لعضوية اللجان، بحيث لا يجوز للنائب الانضمام إلى أكثر من لجنتين دائمتين في الوقت نفسه، في محاولة لضمان توزيع الأعضاء على مختلف الاختصاصات، ومنع احتكار عدد محدود من النواب للعمل البرلماني.
طوال القسم الأكبر من عهد نظام حافظ الأسد، وحتى السنوات الأولى من حكم نظام بشار الأسد، استقر النظام الداخلي على اثنتي عشرة لجنة دائمة، وتوزعت اختصاصاتها بين الجوانب التشريعية والمالية والسياسية والخدمية، وضمت هذه اللجان:لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، المختصة بدراسة دستورية مشاريع القوانين وصياغتها القانونية.
لجنة الموازنة والحسابات، المسؤولة عن مناقشة مشروع الموازنة العامة وقطع الحساب.
لجنة القوانين المالية، التي درست التشريعات الضريبية والمالية والجمركية.
لجنة الشؤون العربية والخارجية، المختصة بالاتفاقيات الدولية والسياسة الخارجية.
لجنة التوجيه والإرشاد، التي تابعت قضايا الإعلام والثقافة والسياسات الإعلامية.
لجنة التخطيط والإنتاج، المعنية بالاقتصاد والخطط التنموية والإنتاج.
لجنة الخدمات، التي ناقشت ملفات الصحة والنقل والإسكان والخدمات العامة.
لجنة الأمن القومي، المختصة بقضايا الدفاع والأمن الوطني.
لجنة الداخلية والإدارة المحلية، التي تابعت شؤون المحافظات والإدارة المحلية.
لجنة الشكاوى والعرائض، المكلفة باستقبال شكاوى المواطنين ودراستها.
لجنة الزراعة والري، المختصة بالقطاع الزراعي والموارد المائية.
لجنة البيئة والنشاط السكاني، التي تابعت قضايا البيئة والتنمية السكانية.
وكانت هذه اللجان تشكل الإطار الأساسي الذي تمر عبره معظم مشاريع القوانين قبل وصولها إلى القاعة العامة.
من الناحية الإجرائية، كانت الحكومة أو رئاسة المجلس تحيل مشروع القانون إلى اللجنة المختصة، فتقوم الأخيرة بدراسة مواده بنداً بنداً، وقد تستدعي الوزير المختص أو ممثلي الجهات الحكومية للاستماع إلى آرائهم، ثم ترفع تقريراً يتضمن توصياتها وتعديلاتها المقترحة.
وعند وصول المشروع إلى الجلسة العامة، يبدأ النقاش عادة استناداً إلى تقرير اللجنة، ثم يصوت المجلس على المواد، سواء كما وردت في التقرير أو بعد إدخال تعديلات إضافية.
وفي القضايا المالية، كانت لجنة الموازنة والحسابات تؤدي دوراً محورياً، إذ تناقش مشروع الموازنة العامة للدولة قبل عرضه على المجلس، كما تراجع حسابات الدولة الختامية (قطع الحساب)، وهو اختصاص يعد من أهم أدوات الرقابة البرلمانية في الأنظمة الديمقراطية.
أما لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، فكانت تمثل المرجعية القانونية للمجلس، إذ تراجع مشاريع القوانين من الناحية الدستورية، وتبدي الرأي في مدى توافقها مع أحكام الدستور، إضافة إلى دراسة طلبات رفع الحصانة عن النواب، وتفسير بعض نصوص النظام الداخلي.
تعديلات متكررة وتوسع في الاختصاصاترغم استقرار الهيكل العام للجان لسنوات طويلة، شهد النظام الداخلي تعديلات متفرقة، كان أبرزها التعديل الواسع الذي أقره مجلس الشعب عام 2017، في ظل الحرب السورية.
فقد أعيدت هيكلة عدد من اللجان، واستحدثت تسميات جديدة، وأُعيد توزيع بعض الاختصاصات بما يتماشى مع المتغيرات السياسية والإدارية التي شهدتها البلاد.
وشملت أبرز التعديلات تحويل لجنة الشؤون الاقتصادية إلى لجنة الشؤون الاقتصادية والطاقة، وإضافة ملف المغتربين إلى لجنة الشؤون العربية والخارجية، وتغيير لجنة الإدارة المحلية والأشغال العامة إلى لجنة الإدارة المحلية والتنمية العمرانية.
كما استحدثت لجان جديدة مثل لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان، ولجنة المصالحة الوطنية، ولجنة الشهداء وضحايا الحرب، في انعكاس مباشر لأولويات نظام الأسد خلال سنوات الحرب.
كما تغيرت بعض المسميات الأخرى، مثل تحويل لجنة الشكاوى والعرائض إلى لجنة الشكاوى والرقابة، وتوسيع اختصاص لجنة التربية لتصبح لجنة التربية والتعليم والبحث العلمي.
لجنة الموازنة: النشاط الأكبرمن بين جميع اللجان، بدت لجنة الموازنة والحسابات الأكثر نشاطاً من الناحية الإجرائية، بحكم مناقشتها السنوية لمشروع الموازنة العامة للدولة.
وكانت اللجنة تعقد اجتماعات مع وزير المالية وعدد من الوزراء والمسؤولين، وتناقش تقديرات الإنفاق والإيرادات، ثم ترفع تقريراً إلى المجلس يتضمن ملاحظاتها.
ورغم أن هذه الاجتماعات كانت تمتد أحياناً لأسابيع، فإن المجلس لم يشهد طوال عقود حكم الأسد رفضاً فعلياً لمشروع موازنة حكومية أو إعادة صياغته بصورة جذرية، إذ كانت الموازنات تعتمد في نهاية المطاف بأغلبية مريحة.
كما كانت اللجنة تراجع ما يعرف بـ" قطع الحساب"، أي الحسابات الختامية للدولة، وهو أحد أهم أدوات الرقابة المالية في الأنظمة البرلمانية، إلا أن هذه الرقابة بقيت محدودة الأثر، ولم تتحول إلى وسيلة حقيقية لمحاسبة الحكومات أو كشف أوجه القصور في الإنفاق العام.
لجنة الشؤون الدستورية: رقابة شكليةرغم أن النظام الداخلي لمجلس الشعب منح لجانه صلاحيات واسعة، شملت دراسة مشاريع القوانين، ومراقبة أداء الحكومة، وتشكيل لجان تحقيق، ومراجعة دستورية التشريعات، إلا أن هذه الصلاحيات بقيت طوال عقود حكم الأسدين أقرب إلى نصوص قانونية منها إلى أدوات تمارس فعلياً.
ففي القضايا الدستورية، كانت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية تراجع مشاريع القوانين وتناقش تعديلات النظام الداخلي وطلبات رفع الحصانة عن النواب، لكنها لم تُعرف بمعارضة مشروع قانون حكومي على أساس دستوري، ولم تدخل في مواجهة مع السلطة التنفيذية بشأن التشريعات الكبرى.
وحتى التعديلات الدستورية المفصلية، مثل دستور عام 2012، جاءت بمبادرة من الرئاسة، بينما اقتصر دور اللجنة والمجلس على مناقشة النصوص ضمن الحدود التي رسمتها السلطة التنفيذية.
أيضاً، منح النظام الداخلي اللجان حق استدعاء الوزراء ومتابعة أداء المؤسسات العامة، كما أجاز تشكيل لجان تحقيق في القضايا التي تمس المصلحة العامة، إلا أن هذه الصلاحيات بقيت محدودة الاستخدام.
ولم تعرف سوريا، خلال العقود الماضية، لجان تحقيق برلمانية واسعة في ملفات الفساد الكبرى أو الانتهاكات الأمنية أو مساءلة كبار المسؤولين، كما انتهت معظم اجتماعات اللجان مع الوزراء إلى توصيات عامة غير ملزمة، من دون أدوات دستورية تتيح فرض التغيير أو محاسبة السلطة التنفيذية.
كيف حُيدت لجان مجلس الشعب؟خلال العقود الماضية، شهدت اللجان البرلمانية تعديلات متكررة، عكست تغير أولويات السلطة أكثر مما عكست تطوراً في استقلال المؤسسة التشريعية.
ففي مرحلة الاقتصاد الموجه، ثم بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، أعيدت هيكلة بعض اللجان بما ينسجم مع التحول الرسمي نحو ما أطلق عليه في تلك المرحلة اسم" اقتصاد السوق الاجتماعي".
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011 وما تبعها من حرب شنها نظام الأسد على السوريين، استحدث المجلس لجاناً جديدة مثل" المصالحة الوطنية"، و" الشهداء وضحايا الحرب"، و" الحريات العامة وحقوق الإنسان".
إلا أن هذه اللجان لم تعكس تحولاً في طبيعة المؤسسة التشريعية، بقدر ما عكست أولويات النظام وسعيه إلى إضفاء غطاء مؤسساتي على سياساته، في وقت كانت فيه الانتهاكات الواسعة وعمليات القتل والاعتقال والتهجير مستمرة على الأرض.
وعلى الرغم من تبدل أسماء اللجان وتوسيع اختصاصاتها، بقي دورها محصوراً في مناقشة ما يُحال إليها من السلطة التنفيذية، من دون أن تتحول إلى مؤسسات مستقلة قادرة على مساءلة الحكومة أو التأثير في مسار القرار العام.
ولم يكن هذا الواقع نتيجة قصور إداري، بل كان انعكاساً مباشراً لطبيعة النظام الذي بناه حافظ الأسد ورسخه بشار الأسد، حيث احتكر مركز السلطة القرار السياسي، وجعل من مجلس الشعب ولجانه مؤسسات شكلية تمنح قرارات السلطة التنفيذية مظهراً تشريعياً، أكثر من كونها تمارس دوراً رقابياً أو تشريعياً حقيقياً.
وأبقى ذلك لجان مجلس الشعب جزءاً من منظومة حكم صممت لتكريس هيمنة السلطة، لا لمحاسبتها أو الحد من نفوذها، لتتحول وظيفة المجلس عملياً إلى المصادقة على قرارات اتخذت مسبقاً خارج قبته، لا إلى مناقشتها أو التأثير فيها.
وعلى امتداد أكثر من خمسين عاماً، امتلك مجلس الشعب السوري جميع المقومات الشكلية للمؤسسة التشريعية، من لجان متخصصة ونظام داخلي وجلسات وتقارير، إلا أنه عمل ضمن نظام احتكر فيه نظام الأسدين القرار السياسي، ما جعل دوره يقتصر، على منح القرارات التي تُصنع خارج المجلس غطاءً تشريعياً، بدلاً من المشاركة الفعلية في صياغتها أو الرقابة عليها.
ونتيجة لذلك، تراجعت ثقة السوريين بالمجلس ولجانه، بعدما ارتبطت صورته بالموافقة شبه التلقائية على مشاريع القوانين والقرارات الحكومية، من دون نقاشات مؤثرة أو مساءلة حقيقية للسلطة التنفيذية، وبات مجلس الشعب مؤسسة شكلية وتحصيلاً حاصلاً لخيارات النظام، بينما ظل القرار السياسي الحقيقي يُتخذ خارج قبته، في مؤسسات الرئاسة والأجهزة الأمنية والقيادة الحزبية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك