" ليبانون ديبايت" -فادي عيدلوقت طويل ستتواصل الترددات والأصداء الإيجابية والسلبية للساعات التي أمضاها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في بيروت، والتي اختلفت عن كل ما سبقها من زيارات بعد سقوط نظام بشار الأسد.
فهي لم تعكس التحوّل السياسي العميق في طبيعة العلاقة مع الجارة فحسب، بل كانت حافلة بالصور واللوحات التي ارتسمت أمام اللبنانيين، أولاً في المقرّات الرئاسية، وثانياً عند الأحزاب، وثالثاً في الإستقبال الشعبي للزائر السوري في طرابلس.
والإنطباع الأول غداة هذه الزيارة لدى مصدر نيابي مسيحي، هو أن القول اليوم أن شريحة واسعة من اللبنانيين تعادي سوريا هو توصيف غير حقيقي، كون الإعتراض الذي استمر لعقود لم يكن موجهاً إلى سوريا كدولة أو إلى الشعب السوري، الذي دفع بدوره ثمن الإستبداد، بل إلى النظام الذي احتلّ لبنان وصادر قراره السيادي، وتعامل معه باعتباره امتداداً لنفوذه الإقليمي، لا دولة مستقلة ذات سيادة.
من هنا، يقول المصدر، تكتسب زيارة الشيباني رمزيتها، فهي تمثل بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، فرصة لطي صفحة العلاقة التي قامت على الوصاية، وفتح صفحة جديدة بين دولتين مستقلتين تقوم على الإحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والإعتراف الكامل بسيادة كل منهما، لذلك، يرحّب الكثير من اللبنانيين بمسؤول سوري يمثل دولة تسعى إلى بناء علاقة طبيعية مع لبنان، بعدما كان الإعتراض في السابق على نظام جعل من لبنان ساحة نفوذ لا شريكاً في العلاقات بين الدول.
وهنا، تبرز المقارنة مع إيران، بحسب المصدر، فكما لم تكن المشكلة مع سوريا كدولة، ليست المشكلة اليوم مع إيران كدولة أو مع الشعب الإيراني الذي يمتلك تاريخاً وحضارة وثقافة تستحق الإحترام، إنما المشكلة في طبيعة المشروع السياسي الذي تبنّاه النظام الإيراني منذ عام 1979، والقائم على تصدير الثورة وتوسيع النفوذ خارج الحدود، وفي الحالة اللبنانية، لم يقتصر هذا المشروع على النفوذ السياسي، بل تجسّد في إنشاء قوة عسكرية خارج إطار الدولة، امتلكت قرار الحرب والسلم، وربطت لبنان بمحاور إقليمية لا تعكس دائماً مصلحته الوطنية، بحيث أصبح من الصعب الفصل بين تعطيل المؤسّسات الدستورية، وتآكل الدولة، وبين استمرار واقع السلاح الخارج عن سلطة الشرعية، فالفارق الأساسي بين الحالتين أن سوريا دخلت بعد سقوط النظام السابق، مرحلة تسمح بإعادة بناء العلاقة مع لبنان على أسس جديدة، فيما لا تزال إيران، تعتمد المقاربة نفسها التي تجعل من لبنان جزءاً من مشروعها الإقليمي، لا دولة مستقلة ذات سيادة كاملة.
ويردف المصدر النيابي المسيحي، أن التغيير في دمشق لم يكن مجرد تبدّل في السلطة، بل أدّى إلى إقفال غالبية المعابر التي استخدمت طوال سنوات لنقل السلاح، وتعزيز النفوذ الإيراني في لبنان والمنطقة، ما شكّل ضربة لإحدى الركائز الأساسية لهذا المشروع، فالسياسة لا تبنى على الخصومات مع الشعوب ولا على العداء للدول، بل على طبيعة الأنظمة وسلوكها تجاه سيادة الآخرين.
بالأمس كانت المشكلة مع النظام السوري، ولذلك عارضه اللبنانيون الذين تمسكوا بسيادة دولتهم، واليوم، بعد تغيّر المشهد السوري، يصبح من الطبيعي السعي إلى أفضل العلاقات مع دمشق الجديدة، أما مع إيران، فإن مستقبل العلاقة يبقى مرتبطًا بمدى استعداد نظامها للتخلّي عن سياسة التدخل في شؤون الدول العربية واحترام سيادة لبنان بصورة كاملة، وعندما تصبح العلاقة بين الدول قائمة على الندية والإحترام المتبادل، لن يبقى ما يمنع قيام علاقات طبيعية ومتوازنة بين بيروت وطهران.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك