" ليبانون ديبايت" ـ المحرر السياسيالفكرة القادمة من باريس بنشر قوة إيطالية ـ فرنسية مشتركة في الجنوب مع اقتراب انتهاء ولاية قوات اليونيفيل نهاية العام الحالي، تنقل الوجود الدولي من مرحلة إلى أخرى، سيّما وأن العبور إلى مشهد دولي جديد يمرّ حكماً بفترة إنتقالية تتولاها الولايات المتحدة التي ترعى تفاهم الإطار بين لبنان وإسرائيل وتستعد لتطبيقه عملياً في الأيام المقبلة.
وبينما تتكثف النقاشات الدولية حول مستقبل الوجود الأممي جنوباً وآلية مواكبة تنفيذ القرارات الدولية، يكشف المستشار القانوني في المفوضية الأوروبية الدكتور محيي الدين شحيمي، عن أن الطروحات المتداولة اليوم ليست جديدة، بل تعود إلى مرحلة التجديد الأخير لولاية اليونيفيل في مجلس الأمن، حيث برزت خلافات دولية، حالت دون تمرير القرار بسلاسة، لتفتح الباب أمام البحث في بدائل أو صيغ جديدة للوجود الدولي في الجنوب.
ويؤكد الدكتور شحيمي لـ" ليبانون ديبايت"، أن باريس طرحت نشر قوة أوروبية في الجنوب خلال العام الماضي، حين واجه قرار التمديد لليونيفيل، عراقيل وصعوبات وضعتها واشنطن، أدت إلى إنهاء ولاية اليونيفيل بصيغتها الحالية بعد توسيع صلاحياتها خلال عامها الأخير.
ومن المعلوم أن تطبيق القرارات الدولية يفرض استمرار وجود قوة دولية في الجنوب، باعتبار أن المهمة الأساسية لليونيفيل تتمثل في حفظ السلام، والمراقبة، وإعداد التقارير، ومساعدة الدولة اللبنانية على تنفيذ القرار 1701، وفق ما يوضح شحيمي، الذي يلفت إلى أن لبنان لم يُظهر التزاماً كافياً بتطبيق القرارات الدولية خلال السنوات الماضية.
وفي الوقت نفسه، لا يُخفي شحيمي أن اليونيفيل كانت طوال السنوات السابقة ضحية ضغوط متقابلة، بين إسرائيل من جهة، و" حزب الله" من جهة أخرى، الأمر الذي حدّ من قدرتها على أداء مهامها بالشكل المطلوب.
وبالحديث عن واقع الجنوب في العام 2027 المقبل وما إذا كانت باريس ستنجح في إقناع الرئيس دونالد ترامب بعدم ترك الجنوب للفراغ، يكشف شحيمي عن ثلاثة سيناريوهات يجري التداول بها على المستوى الدولي، الأول يتمثل في تمديد ولاية اليونيفيل الحالية، وهو احتمال ضعيف لكنه يبقى قائماً، خصوصاً إذا غيّر الرئيس ترامب موقفه، في ظل عدم إمكانية التنبؤ بسياساته.
وفي هذه الحالة، يعتبر شحيمي أن ما هو مطروح في الكواليس الأممية، هو أن تستمر اليونيفيل في الجنوب إلى حين انتهاء مهمة الآلية الأميركية للإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، باعتبار أن جوهر الحل لا يرتبط بوجود القوات الدولية بحد ذاته، وإنما بالآلية الأميركية التي تقود تنفيذ اتفاق الإطار.
وفي تقدير شحيمي، فإن اليونيفيل أصبحت اليوم جزءاً مكملاً لمسار الحل، لا العنصر الأساسي فيه، في ظل إجماع عربي ودولي على ضرورة عدم إفراغ الجنوب من الوجود الدولي، لما يمثله ذلك من ضمانة لإبقاء المنطقة تحت الرقابة الدولية، ومنع تحولها إلى ساحة مفتوحة للفوضى، سواء بفعل الإعتداءات الإسرائيلية أو من خلال تحركات" حزب الله".
ويجد شحيمي أن الطرفين لا يرغبان عملياً في بسط الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة على الجنوب، ما يجعل استمرار الوجود الدولي، حاجةً دولية للإشراف على المرحلة التي تسبق أي اتفاق نهائي ينهي حالة الحرب.
أما السيناريو الثاني، فيقضي بتشكيل قوة أممية أوروبية جديدة تضم خمس أو ست دول أوروبية، ولكن من دون قيادة فرنسية أو إسبانية.
ويعزو شحيمي ذلك إلى التوتر القائم بين فرنسا وإسرائيل منذ نحو ثلاث سنوات، وإلى فقدان الإسرائيليين الثقة بالدور الفرنسي، لاعتبارهم أن باريس لم تعد وسيطاً محايداً، ولا سيّما بعد حرب غزة والتقارب الفرنسي - السعودي بشأن" حل الدولتين".
وفي السياق، يوضح شحيمي أن هذه القوة ستكون أوسع من اليونيفيل من حيث الصلاحيات وحرية الحركة على الأرض، مع احتمال توسيع نطاق انتشارها ليشمل مناطق خارج جنوب الليطاني نتيجة تمدد الإحتلال الإسرائيلي، على أن تشكل الركيزة الأساسية لما يُعرف بـ" المناطق التجريبية"، مع ارتباط مباشر بحلف شمال الأطلسي أو الناتو، ما قد يدفع بإدارة ترامب إلى قبول نسبي بهذا السيناريو، نظراً إلى العلاقة الوثيقة بين هذه القوة والحلف الأطلسي، وبالتالي تقديره أنه" يستطيع الإمساك بهذه القوة عن طريق الناتو".
أما السيناريو الثالث، كما يتابع شحيمي، فيتمثل في إنشاء قوة دولية تضم إلى جانب القوات الأوروبية وحدات من بعض الجيوش العربية، من دون أن تكون هوية الدول العربية المشاركة قد حُسمت حتى الآن، على أن تكون هذه القوة أيضاً على تنسيق مباشر مع قوات الناتو، في إطار صيغة دولية جديدة لإدارة المرحلة المقبلة في جنوب لبنان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك