بعد أشهر من الحرب التي طاولت جنوب لبنان والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية، وبعد توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في واشنطن نهاية يونيو/حزيران 2026، لم تدخل أزمة النزوح اللبنانية مرحلة الحل بعد، بل انتقلت إلى طور أكثر تعقيداً: اختبار قدرة الدولة والمجتمع الدولي على تحويل وقف إطلاق نار هش إلى استقرار إنساني واقتصادي مستدام.
فبينما تتصدر العناوين السياسية والعسكرية النشرات، يبقى البُعد الاقتصادي-الإنساني هو الحلقة الأكثر تحديداً لمصير أكثر من مليون إنسان.
تكشف الإحصاءات حجماً غير مسبوق من الخسائر.
فمنذ مارس/ آذار 2026 وحتى نهاية يونيو/حزيران، سجّلت وزارة الصحة أكثر من 4,247 شهيداً ونحو 12,195 إصابة.
لكن هذه الأرقام لا تروي سوى جزء من القصة، إذ يمتد الأثر إلى ملايين لم يُصابوا مباشرة لكنّهم فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم واستقرارهم.
في القطاع السكني، تضرّر أو دُمّر أكثر من 61 ألف وحدة سكنية حتى 8 مايو/أيار 2026 بحسب المجلس الوطني للبحوث العلمية، ما يعني أن أي حديث عن عودة النازحين يبقى نظرياً ما لم يترافق مع خطة واقعية لإعادة البناء.
ويسبق ذلك تحدٍّ آخر هو إزالة الردم، الذي تصل كمياته إلى نحو 8.
5 ملايين متر مكعب (12.
5 مليون طن)، بكلفة تقديرية تبلغ 250 مليون دولار، وهو عبء مستقل يفوق قدرة معظم البلديات المتضررة.
إلى جانب المنازل والردم، تُضاف كلفة إعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والطرقات المنهارة في الجنوب، وهي بنى تتطلب تمويلاً مركزياً لا يمكن لأي عائلة أو بلدية تأمينه بمفردها.
في القطاع السكني، تضرّر أو دُمّر أكثر من 61 ألف وحدة سكنية حتى 8 مايو 2026 ما يعني أن أي حديث عن عودة النازحين يبقى نظرياً ما لم يترافق مع خطة واقعية لإعادة البناءوغياب هذا التمويل يعني أنه حتى المنازل المُعاد بناؤها ستبقى في بيئة غير صالحة للحياة الطبيعية.
رغم اتّساع الكارثة، تبقى الاستجابة التمويلية الدولية محدودة جداً مقارنة بالاحتياجات، وهو نمط متكرر عالمياً يتراجع فيه التمويل بعد المراحل الأولى من الطوارئ.
لكن لبنان يفتقر، خلافاً لدول أخرى، إلى أي هامش مالي احتياطي يعوّض هذا النقص.
والأخطر أن الجهود لا تزال محصورة بالإغاثة الطارئة قصيرة الأمد، من دون الانتقال إلى إعادة الإعمار البنيوي طويل الأمد الذي يعيد الناس فعلياً إلى منازلهم.
كما ربط الاتفاق الإطاري إعادة الإعمار والدعم الدولي، خصوصاً الأميركي، بالتزامات أمنية مرحلية تشمل بسط سلطة الدولة ونزع سلاح الجماعات المسلحة ومنع استفادتها من أموال الإعمار.
هذا الربط يُدخل عنصر عدم يقين إلى صميم المعادلة الاقتصادية، ويجعل من الصعب وضع جدول زمني موثوق لإعادة الإعمار.
تحمل الأزمة أيضاً تداعيات اقتصادية أوسع: تراجعت القوة الشرائية والأنشطة الزراعية والتجارية في الجنوب والبقاع، وقد يصعب استعادة المهارات والشبكات الإنتاجية الزراعية حتى بعد عودة الاستقرار.
كذلك تضغط أزمة النزوح على سوق العمل في مناطق الاستقبال وعلى القطاعَين الصحي والتعليمي العامَّين، ما ينعكس تراجعاً في جودة الخدمات للجميع.
وتزداد العقبات تعقيداً مع فقدان كثير من أصحاب العقارات وثائق الملكية، بسبب تدمير المنازل أو النزوح المتكرر، ما يُبطئ صرف أي تعويضات حتى مع توفر التمويل.
لذا؛ تبرز الحاجة إلى آلية مركزية موحدة لإدارة التعويضات وإعادة الإعمار، بدل تشتت الجهود بين جهات محلية ودولية من دون تنسيق كافٍ.
ربط الاتفاق الإطاري إعادة الإعمار والدعم الدولي بالتزامات أمنية مرحلية تشمل بسط سلطة الدولة ونزع سلاح الجماعات المسلحة ومنع استفادتها من أموال الإعمارومن أكثر الجوانب إغفالاً في النقاش، تراجع مصادر الدخل التقليدية القائمة على الزراعة الموسمية والتجارة الصغيرة والعمل غير الرسمي، والتي شكّلت شبكة أمان حقيقية للعائلات الريفية.
ومع طول أمد النزوح، فقدت هذه العائلات أصولها الإنتاجية: الأراضي المهملة، والمواشي التي نفقت أو بيعت اضطرارياً، والمحال المُغلقة أو المُدمَّرة.
وهذا النوع من الخسائر يتطلب برامج تعافٍ اقتصادية طويلة الأمد، لا مساعدات إغاثية مؤقتة، وإلا ازداد خطر أن تصبح العودة خياراً غير جذاب اقتصادياً حتى مع توفر الظروف الأمنية.
وفي ظل كل هذه المعطيات، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد" هل ستُموَّل إعادة الإعمار؟ " بل من سيتحمل كلفة الانتظار إلى حين توفر هذا التمويل؟ فكل شهر إضافي من التأخير يعني مزيداً من العائلات التي تفقد الأمل في العودة، ومزيداً من الأراضي الزراعية التي تتحول من أصول منتجة إلى أعباء مهملة، ومزيداً من الأجيال الشابة التي تبني حياتها بعيداً عن قراها الأصلية بشكل يصعب معه التراجع لاحقاً.
فهل تملك الدولة اللبنانية، بمؤسساتها المنهكة أصلاً، الوقت الكافي لانتظار تسوية سياسية شاملة قبل أن تتحول أزمة النزوح المؤقتة إلى واقع ديمغرافي واقتصادي دائم يصعب عكسه؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك