(CNN) -- في المياه الوعرة غرب غانا، يرفع صيّاد مخلوقًا غريبًا ومسطّح الشكل من شباكه: نصف قرش ونصف سمكة راي.
إنّها سمكة الغيتارفيش، وهي" أحفورة حية"، ذلك أنّ أسلافها سبحت في محيطات العصر الجوراسي مع الديناصورات.
واليوم تُعد من أكثر أسماك البحر المهدّدة بالانقراض، بسبب بيع زعانفها بمئات الدولارات في الأسواق الآسيوية لصناعة حساء فاخر.
يقيس الصيّاد السمكة، ويُسجّل مكان صيدها، ثم يُعيدها إلى البحر من دون أن يؤذيها.
ويأتي هذا التصرّف البسيط نتيجة عمل يقوده عالم الأحياء البحرية الدكتور عيسى سيدو منذ عشرة أعوام، لا سيما أنّ أبحاثه ساهمت في ما تعرفه غانا عن أسماك القرش والشفنينيات.
وقال لـCNN، إنّ هذه الأنواع" تختفي بصمت من دون أن يلاحظها أحد"، موضحًا أنّ الأنواع الأربعة من الغيتارفيش في البلاد مهددة بالانقراض الوشيك.
واليوم، بصفته محاضرًا جامعيًا ومؤسّس منظمة AquaLife Conservancy، يعمل سيدو وفريقه على توعية المجتمعات، وتحويل مئات الصيادين إلى حماة لهذه الأنواع عوض صيدها، وهو عمل نال عنه جائزة Whitley الدولية.
وأسماك الغيتارفيش لا تنتمي إلى نوع أسماك القرش بل إلى مجموعة تُعرف باسم" الشفانين وحيد القرن"، التي تضم 68 نوعًا حول العالم، يواجه نحو 75% منها خطر الانقراض.
وفي غانا، يُعتقد أنّ الأنواع الأكبر من هذه المجموعة، مثل سمك المنشار وسمك الوتد ذي الشكل المميز، قد انقرضت محليًا.
أما الأنواع المتبقية فهي أربعة من الغيتارفيش: الشائع، والأبيض المرقط، والأسود الذقن، وذو الأشواك الخلفية، التي تُشكّل محور عمل سيدو، الذي قال: " لا نريد لأسماك الغيتارفيش أن تواجه المصير نفسه".
تعيش أسماك الغيتارفيش في المياه الضحلة ما يعرضها لخطر كبير من الصيد الجائر، وتنمو ببطء، وتُنتج أعدادًا قليلة من الصغار.
وبصفتها مفترسات في وسط السلسلة الغذائية، يشرح سيدو أنها تلعب دورًا أساسيًا في توازن النظام البيئي البحري، إذ تتحكّم بأعداد الكائنات التي تقع تحتها في السلسلة الغذائية، وفي الوقت عينه تُعد غذاءً للأسماك الكبيرة مثل أسماك القرش.
ويؤدي اختفاؤها إلى تهديد كامل المنظومة البيئية، من الأسماك الصغيرة التي يعتمد عليها الإنسان في غذائه، وصولًا إلى صحة المحيط نفسه.
وكانت هذه الأسماك وفيرة في السابق وتُصطاد كمصدر غذاء، لكنها اليوم أصبحت تُستهدف بشكل متزايد من قبل الصيادين للحصول على زعانفها، وكذلك بسبب تناقص المخزون السمكي منها في المحيط.
على مدى أجيال طويلة، عاشت المجتمعات الساحلية على صيد أسماك السردين الصغير (الساردينيلا)، والأنشوفة، والماكريل، باستخدام طرق تقليدية.
لكن في العقود الأخيرة، بدأت أساطيل الصيد الصناعي (الترالرز) العمل في مناطق الصيد الغنية بغرب إفريقيا.
وغالبًا ما تستخدم هذه السفن شباكًا محظورة تلتقط أيضًا الأسماك الصغيرة قبل وصولها إلى مرحلة التكاثر، ما جعلها تنافس الصيادين الصغار وتدفع مخزون الأسماك الساحلية نحو الانقراض.
ولا تنحصر أرباح هذه العمليات في غانا في الغالب.
فقد وجدت مؤسسة Environmental Justice Foundation غير الربحية أن 90% من هذه السفن مملوكة لشركات صينية، ضمن ما يُعرف بـ" أسطول الظل" الذي يعمل تحت الأعلام الغانية لتجنب الرسوم والغرامات.
ويهدف قانون غاني صدر عام 2025، إلى دفع سفن الصيد الصناعي إلى مناطق أبعد في البحر، لكن فعاليته ستعتمد على مدى صرامة تطبيقه.
تشارك بعض سفن الصيد الصناعي أيضًا في تجارة غير قانونية يطلق عليها السكان المحليون اسم" سايكو"، حيث يتم، تحت جنح الظلام، نقل أطنان من الأسماك المجمدة، وغالبًا ما تكون من الأسماك الصغيرة أو الأنواع الأساسية التي يعتمد عليها الصيادون الحرفيون، إلى قوارب أصغر متخصصة، تقوم ببيعها مجددًا بأسعار زهيدة إلى المجتمعات المحلية عينها.
وكثير من المشاركين في هذه العملية صيادون سابقون وجدوا في" سايكو" أرباحًا أعلى من صيدهم التقليدي الذي يتراجع باستمرار.
ومع اختفاء الأسماك الصغيرة، اتجه العديد من الصيادين إلى أي صيد له قيمة، ضمنًا أسماك الغيتارفيش، حتى أن بعضهم لجأ إلى استخدام الديناميت والمواد الكيميائية في الصيد لتأمين قوتهم اليومي.
في مختلف أنحاء غانا، لا يُستهلك من سمك الغيتارفيش سوى اللحم والذيل، بينما تُجفف زعانفه وتُباع للتجار في أنحاء غرب إفريقيا.
وقال سيدو: " إذا ذهبت إلى سوق الزعانف ستجد بطاقة سعر لكل نوع من هذه الأنواع".
وتصل معظم الزعانف إلى مراكز تجارة في الصين، حيث يُباع بعضها على أنها زعانف قرش، بينما تُصنف الأنواع الأكبر والأندر ضمن فئة عالية القيمة، وتُباع بمئات الدولارات للكيلوغرام الواحد نظرًا للقوام الذي تضيفه إلى حساء زعانف القرش.
وتغذي هذه الوجبة الفاخرة تجارة عالمية بمليارات الدولارات، تنتج عن قتل نحو 100 مليون قرش سنويًا، من بينها أعداد كبيرة من أسماك الغيتارفيش.
بخلاف" سايكو"، فإنّ تجارة أسماك الغيتارفيش قانونية لكنها خاضعة للتنظيم ضمن الملحق الثاني من اتفاقية CITES لحماية الأنواع المهددة بالانقراض، وهو ما جاء جزئيًا نتيجة عمل سيدو ودعمه لإدراجها ضمن الحماية.
لكن بالنسبة للأنواع الأكثر هشاشة، ما تزال مستويات التجارة مرتفعة.
ولفت إلى أنه" في المستقبل نهدف إلى نقلها إلى الملحق الأول، الذي يمنع عمليًا استغلال هذه الأنواع بالكامل".
وإلى ذلك الحين، يركز خطته على كسر سلسلة الإمداد من لحظة صيد أسماك الغيتارفيش.
كان سيدو صيادًا سابقًا، ويعرف أنّ سبل عيش الصيادين تعتمد على ذات الكائن الذي يسعى لحمايته.
وفي العام 2018، بدأ بمحاولة كسب دعمهم.
وقال: " إذا أردت إقناعهم، لا يمكنك طلب التوقف عن صيد هذه الأسماك منهم من دون تقديم بديل"، مضيفًا أن الأمر استغرق ستة أشهر حتى تمكن من إقناع بعض الصيادين العمل معه، بسبب خوفهم من خسارة دخلهم، لكن إجابة سيدو كانت أن يبدأ أولًا باستخدام معارفهم وخبراتهم، وهو ما يسميه" نموذج عالم الأحياء الصياد".
بدل التعامل مع الصيادين باعتبارهم المشكلة، تعمل منظمة AquaLife على تدريبهم كشركاء، عبر تعليمهم تقنيات إطلاق آمن لأسماك الغيتارفيش التي تُصطاد خطأ في شباكهم، وكذلك مساعدتهم على جمع البيانات ورسم خرائط عبر نظام تحديد المواقع (GPS) لمناطق التكاثر والحضانات البحرية الضرورية لبقاء هذه الأسماك.
وستُستخدم هذا البيانات لرسم ما يأمل سيدو أن يصبح أول منطقة بحرية تُدار محليًا في غانا، وهي محمية مجتمعية تتيح لأسماك الغيتارفيش وغيرها من الكائنات، من أسماك القرش إلى السلاحف البحرية، فرصة للتعافي.
ويُعتبر شعب الفانتي في غانا من أمهر الصيادين في القارة، إذ يتنقلون عبر سواحل غرب إفريقيا ويستهدفون غالبًا صيدًا كبيرًا مثل الغيتارفيش.
ومن خلال تدريب هؤلاء الصيادين المهاجرين، وهم فئة غالبًا ما يتم تجاهلها في خطط الحماية البيئية، يأمل سيدو أن يمتد هذا التأثير إلى ما وراء حدود غانا.
على المدى الطويل، تشجع المبادرة على إيجاد مصادر دخل بديلة، من صناعة الصابون إلى تربية القواقع الصالحة للأكل، حتى يصبح اعتماد الصيادين تدريجيًا أقل على البحر الهش كمصدر للرزق، وبات بعضهم يُحقّق دخلًا أعلى مما كان يجنيه من الصيد.
وحتى اليوم، عدل 200 صياد عن اصطياد الغيتارفيش أو الاحتفاظ به كصيد عرضي، بحسب سيدو، مضيفًا أن مجتمعين محليين قررا أيضًا حظر تقنيات صيد مدمّرة مثل استخدام الديناميت، والسموم، والشباك الصغيرة التي تلتقط كل ما في طريقها.
وقال في خطاب قبوله جائزة" Whitley": " المجتمعات المحلية ليست مجرد مستفيدين من جهود الحماية البيئية، بل هم شركاء، وصانعو قرار، وعنصر أساسي في نجاحنا".
بالنسبة لسيدو، فإنّ إنقاذ الغيتارفيش يعتمد أيضًا على جذب الانتباه والتمويل لهذا الكائن البحري غير المعروف نسبيًا.
وقال: " رغم كونه من أكثر الأنواع البحرية المهددة بالانقراض في العالم، إلا أن الغيتارفيش لا يزال شبه غائب عن الأبحاث والسياسات والوعي العام".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك