في الصحراء، أحيانا يختبئ الماء بين حبيبات التربة، أو يظهر كطبقة رطوبة عابرة لا يلتفت إليها الإنسان؛ لكن بعض الكائنات التي تعيش في هذه البيئات القاسية طورت طرقا مدهشة لالتقاط هذا القدر الضئيل من الماء ونقله إلى أفواهها.
من بينها سحلية قرنية صغيرة ذات مظهر شوكي تعيش في صحارى أمريكا الشمالية، تعرف باسم" سحلية الصحراء ذات القرون".
هذه السحلية لا تشرب بالطريقة المعتادة فقط؛ فعندما يلامس الماء جلدها، سواء من المطر أو من تربة رطبة، تتحرك القطرات عبر قنوات دقيقة بين الحراشف، كما لو أن جسمها كله شبكة صغيرة لنقل المياه نحو الفم.
لكن السؤال الذي ظل يحير العلماء: بعد أن يصل الماء إلى منطقة الفك، كيف تدخله السحلية فعليا إلى فمها؟تقدم دراسة جديدة نشرتها دورية" بروسيدنغز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز" (Proceedings of the National Academy of Sciences) إجابة على هذا السؤال، إذ راقب باحثون سلوك الشرب لدى سحالي من نوع" سحلية الصحراء ذات القرون" " فرينوسوما بلاتيرينوس"، باستخدام تصوير عالي السرعة، ووجدوا أن السر لا يكمن في الجلد وحده، بل في حركة الفك نفسها.
فالسحلية لا تفتح فمها وتبتلع الماء مباشرة، بل تستخدم حركة دقيقة وغير متوازنة بين فتح الفك وإغلاقه لتحويل الماء من سطح الجلد إلى داخل الفم.
يشرح المؤلف الرئيسي للدراسة، هو-يونغ كيم، أستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة سول الوطنية: " عندما بدأ الماء يتجمع قرب الفم، لم تفتح السحلية فكيها بسرعة، بل كانت تفتح الفك ببطء شديد، ثم تغلقه بسرعة.
وفي الدورة الواحدة، كان الفتح يستغرق جزءا من الثانية بسرعة منخفضة، بينما يكون الإغلاق أسرع بكثير.
وبحسب القياسات، بلغ متوسط سرعة فتح الفك نحو 3.
2 مليمتر في الثانية، في حين وصلت سرعة الإغلاق إلى نحو 26 مليمترا في الثانية".
ويضيف في تصريح للجزيرة نت: " هذه الحركة غير المتوازنة ليست مصادفة.
فعند فتح الفك ببطء، يتحرك الماء كغشاء رقيق نحو زوايا الفم بدل أن يضيع كطبقة عالقة على السطح.
وعند الإغلاق السريع، تنثني الأنسجة عند الزوايا وتدفع الماء إلى داخل الفم.
ويعني ذلك أن السحلية تستخدم فكها كمضخة شعرية صغيرة، أي مضخة تعتمد على حركة السوائل داخل الفراغات الدقيقة، لا على قوة شفط كبيرة أو ابتلاع مباشر لكل قطرة".
ولفهم هذه الحيلة، صنع الباحثون نموذجا مبسطا يحاكي فك السحلية من لوحين زجاجيين، يتحرك أحدهما بطريقة تشبه حركة الفك.
وأظهرت التجارب أن الفتح البطيء يقلل كمية السائل المفقودة على اللوحين.
فعند سرعة فتح منخفضة، بقي نحو 15% فقط من السائل كطبقة متبقية، بينما ارتفعت النسبة إلى نحو 68% عند الفتح السريع.
وهذا يفسر لماذا لا تتعجل السحلية في فتح فمها؛ فالبطء هنا ليس ضعفا، بل جزء من آلية دقيقة للحفاظ على الماء، وفقا للمؤلف الرئيسي للدراسة.
من جلد السحلية إلى جهاز صناعيبعد فهم الحركة، حاول الفريق نقل الفكرة من جسم السحلية إلى جهاز صناعي؛ بحيث صمم الباحثون نظاما صغيرا يستخدم إسفنجة تمتص الماء من وسط يحاكي التربة الرطبة، ثم تنقل الماء إلى قنوات دقيقة، قبل أن تجمعه حركة لوحين تشبه حركة الفك.
وفي التجربة، استخدم الفريق خرزا زجاجيا مبللا بدل التربة الطبيعية، لإثبات الفكرة في ظروف يمكن التحكم بها.
ولم يكتف الباحثون بجمع الماء فقط، وإنما غطوا الإسفنجة بمادة تعرف باسم" نافيون" (Nafion)، وهي مادة قادرة على تبادل الأيونات، لاختبار قدرة النظام على تنقية الماء من معادن ثقيلة خطرة مثل الرصاص والكادميوم والزرنيخ والكروم.
وأظهرت النتائج أن النظام أزال نحو 95% من هذه المعادن من محاليل بتركيز يقارب 10 أجزاء في المليون، سواء كانت المعادن منفردة أو في خليط.
تفتح هذه النتيجة بابا لتطوير أجهزة صغيرة ومحمولة يمكنها جمع الماء من التربة الرطبة في المناطق الجافة، مع تنقيته في الوقت نفسه.
وقد تكون الفكرة مفيدة في بيئات لا يتوفر فيها ماء سائل واضح، لكن التربة تحتفظ ببعض الرطوبة.
لكن الجهاز في صورته الحالية، لا يزال أقرب إلى إثبات مبدأ علمي منه إلى تقنية جاهزة للاستخدام في الصحراء.
رغم أهمية النتائج، يشير الباحثون إلى أن للدراسة حدودا، إذ أجريت التجارب على عدد محدود من السحالي داخل المختبر لا في بيئتها الطبيعية، كما اختبر الجهاز باستخدام خرز زجاجي مشبع بالماء بدلا من تربة حقيقية معقدة تحتوي على أملاح ومواد عضوية وملوثات.
كذلك جرت التجارب في غرفة ذات رطوبة مرتفعة لتقليل التبخر، وهو شرط قد لا يتوفر في الصحراء، حيث قد تؤدي الحرارة وجفاف الهواء إلى فقدان الماء سريعا قبل جمعه.
أقر الفريق بعدم وجود تضارب مصالح، وأن الدراسة مولت من المؤسسة الوطنية الكورية للبحوث عبر معهد أبحاث الهندسة بجامعة سول الوطنية؛ كما تلقى أحد الباحثين دعما جزئيا من برنامج بحثي بجامعة سول الوطنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك