ما إن أُعلن عن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل قبل نحو أسبوع، حتى تحولت بنوده إلى محور سجال سياسي وقانوني واسع داخل لبنان.
وهو سجال لا يزال قائماً حتى اللحظة بين مؤيد ومعارض، وما بينهما من مواقف رمادية.
وبينما رأى منتقدون أن الوثيقة التي وقع عليها لبنان وإسرائيل تتضمن تنازلات تمس السيادة اللبنانية وتحد من قدرة الدولة على الدفاع عن حقوقها، اعتبرت أوساط دبلوماسية واكبت المفاوضات أن جانباً كبيراً من الانتقادات استند إلى قراءات مجتزأة لبعض البنود، بعيداً من السياق الكامل الذي أُبرم فيه الاتفاق والظروف السياسية والعسكرية التي سبقته.
وتركز الجدل بصورة أساسية على ثلاث قضايا برزت في اتفاق الإطار:أولاً، المادة 13 المتعلقة بالإجراءات القضائية وحق لبنان بمحاسبة إسرائيل في المحافل الدولية.
وقد نصت هذه المادة على" تعهد لبنان وإسرائيل باتخاذ إجراءات بحسن نية تعكس نواياهما الإيجابية، بما في ذلك وقف جميع الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية"، فبرزت قراءات قانونية متباينة حول أثر الاتفاق على حق لبنان في المطالبة بالتعويضات وملاحقة الانتهاكات أمام المحافل الدولية، ثانياً عدم استناد الاتفاق إلى اتفاق الهدنة لعام 1949، وثالثاً آلية الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية مقارنة بما نص عليه اتفاق الـ17 من مايو (أيار) 1983.
وهو ما دفع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى التعليق بالقول إن الاتفاق الحالي أسوأ من اتفاق عام 1983.
مع العلم أن بري كان من أبرز اللاعبين الذين أسقطوا الاتفاق حينها.
اتفاق الهدنة… هل بقي مرجعية أم تجاوزه الواقع؟من أكثر النقاط التي أثارت النقاش غياب أي إحالة مباشرة إلى اتفاق الهدنة الموقع عام 1949.
ويرى منتقدون أن عدم الاستناد إليه يعني التخلي عن مرجعية تاريخية في العلاقة بين لبنان وإسرائيل، فيما تقدم الأوساط الدبلوماسية التي واكبت المفاوضات قراءة مختلفة، معتبرة أن اتفاق الهدنة كان في الأساس اتفاقاً عسكرياً لوقف إطلاق النار بعد حرب 1948، ولم يكن معاهدة سلام أو إطاراً دائماً لتنظيم العلاقات بين البلدين.
وتوضح هذه الأوساط أن الاتفاق لم يُنفذ بصورة كاملة خلال العقود الماضية، سواء لجهة عمل لجان الهدنة أو معالجة الخروقات أو تنفيذ مختلف الترتيبات الأمنية التي نص عليها.
والتطورات التي شهدها لبنان والمنطقة منذ ذلك الحين، من الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان ثم الانسحاب عام 2000، وصدور قرارات مجلس الأمن، لا سيما القرارين 425 و1701، واعتماد الخط الأزرق، واتفاق ترسيم الحدود البحرية، والمفاوضات المتعلقة بالنقاط الحدودية البرية، أدت عملياً إلى نشوء منظومة قانونية وأمنية مختلفة عن تلك التي كانت قائمة عام 1949.
وفي السياق يرى مراقبون أن العودة الحرفية إلى نصوص اتفاق الهدنة لا تعكس الواقع السياسي والعسكري الراهن، لأن الاتفاق صيغ في مرحلة كانت فيها طبيعة الجيوش، وبخاصة الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي، وآليات ضبط الحدود، وحجم التحديات الأمنية مختلفة بصورة جذرية عما هي عليه اليوم.
وبالعودة إلى اتفاق الهدنة نجد أنه تضمّن ترتيبات عسكرية دقيقة تحدد حجم القوة اللبنانية التي يحق لها الانتشار جنوب خط القاسمية–النبطية التحتا–حاصبيا في الجنوب، إذ لم يكن يسمح سوى بانتشار 1500 عسكري، مدعومين بعدد محدود من الأسلحة الثقيلة، بينها 12 دبابة خفيفة، و12 سيارة مصفحة مزودة برشاشات، وأربع قطع مدفعية.
فيما كانت تعكس هذه القيود ظروف ما بعد حرب 1948، حين كانت مهمة تلك القوة تقتصر على مراقبة وقف إطلاق النار ضمن بيئة أمنية تختلف جذرياً عن الواقع الحالي.
في المقابل، وبالنظر إلى الوضع الراهن نجد أن الجيش اللبناني اليوم يضطلع بمهمات أوسع بكثير، تشمل بسط سلطة الدولة على كامل الجنوب، ومراقبة الحدود، وتنفيذ الالتزامات المترتبة على القرار 1701، والتنسيق مع قوات الأمم المتحدة، ومنع أي وجود مسلح خارج إطار المؤسسات الرسمية.
ومن هذا المنطلق، فإن العودة إلى القيود العددية والتسليحية الواردة في اتفاق الهدنة لم تعد تتناسب مع حاجات الجيش اللبناني ولا مع طبيعة المهمات المطلوبة منه أو التحديات الأمنية القائمة.
وبحسب هذه القراءة، فإن عدم اعتماد اتفاق الهدنة كمرجعية مباشرة في الاتفاق الإطاري لا يعني بالضرورة إسقاطه أو إنكار قيمته التاريخية، بل يعكس توجهاً نحو بناء ترتيبات جديدة تستند إلى الواقع الميداني والقانوني الذي تشكل خلال العقود الثمانية الماضية، وإلى القرارات الدولية والآليات التنفيذية التي باتت تحكم الوضع في جنوب لبنان.
وفي المقابل، يبقى هذا التوجه موضع نقاش لدى معارضين يرون أن أي انتقال إلى إطار قانوني جديد يستدعي توضيحاً رسمياً يحدد بدقة العلاقة بين الاتفاق الجديد والمرجعيات السابقة، تفادياً لأي التباس في تفسير الالتزامات والحقوق.
المادة 13… محور السجال القانونيإذا كانت مسألة الهدنة أثارت نقاشاً سياسياً، فإن المادة 13 فتحت نقاشاً قانونياً أكثر تعقيداً، وتحولت إلى أكثر بنود الاتفاق إثارة للجدل، نظراً إلى ما أُثير حول انعكاساتها المحتملة على حق لبنان في ملاحقة إسرائيل أمام المحاكم والهيئات الدولية، وقد قال المنتقدون للاتفاق إن لبنان تخلى بكامل إرادته عن ورقة قوية كان يمتلكها وهي محاسبة إسرائيل على جرائمها في المحافل الدولية.
فقد رأى منتقدون أن صياغة المادة قد تُفسَّر على أنها تحد من قدرة الدولة اللبنانية أو المتضررين اللبنانيين، أفراداً أو جماعات، على الاستمرار في بعض المسارات القضائية، لا سيما تلك المتعلقة بالمطالبة بالتعويضات عن الأضرار التي خلفتها الحروب والاعتداءات الإسرائيلية أو بملاحقة الانتهاكات أمام المحاكم الدولية أو الوطنية ذات الاختصاص.
في المقابل، يقول المدافعون عن الاتفاق إن هذا التفسير لا يعكس المقصود من المادة، وإن النص يتناول تعليق الإجراءات القضائية المتبادلة المرتبطة بالنزاع خلال مرحلة تنفيذ الاتفاق، بهدف منع انتقال الخلاف إلى مسارات قضائية قد تعرقل تنفيذ التفاهمات السياسية والأمنية، وليس التنازل عن الحقوق القانونية أو إسقاطها بصورة نهائية.
إضافة إلى أن أي نزاع قضائي محتمل كان يمكن أن يشمل مطالبات متبادلة بين الطرفين، وهو ما دفع إلى اعتماد صيغة تؤمن هامشاً من الاستقرار القانوني خلال مرحلة التنفيذ، على أن يبقى تفسيرها النهائي مرتبطاً بالنصوص التنفيذية وبالممارسة العملية.
وما بين المنتقدين والمؤيدين، فإن الجدل الدائر يعكس أيضاً غياب تفسير رسمي تفصيلي لبعض المواد، مما فتح الباب أمام قراءات قانونية وسياسية متباينة، بعضها يركز على الأخطار المحتملة، فيما ينطلق البعض الآخر من الغاية التي أرادها المفاوضون من الصياغة.
على وقع جدل داخلي حول هذه المادة، قام نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري بزيارة رسمية إلى جنيف، عقد خلالها سلسلة لقاءات رفيعة المستوى مع المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، ورئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ميرجانا سبولياريتش إيغر.
وخلال لقائه تورك، عرض متري انتهاكات القانون الدولي الإنساني الناجمة عن الاعتداءات الاسرائيلية المستمرة، مشدداً على ضرورة حماية المدنيين وضمان احترام القانون الدولي.
كما تناول اللقاء سبل تعزيز التعاون بين لبنان ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، بما في ذلك دعم فريق التقييم الذي أوفدته المفوضية إلى لبنان لتقييم الأوضاع الميدانية وتوثيق آثار الاعتداءات على المدنيين والبنية التحتية، تمهيداً لتحديد الاحتياجات وتقديم التوصيات اللازمة للمجتمع الدولي.
وقد قرأ كثيرون هذه الزيارة على أنها تأكيد بان لبنان لن يخسر ورقة محاسبة إسرائيل في المحافل الدولية.
في خضم الجدل الحاصل والمستمر، قدم رئيس الجمهورية جوزاف عون القراءة الرسمية للدولة اللبنانية للاتفاق، وأكد أن الدولة اللبنانية خاضت المفاوضات بقرار سيادي مستقل، ومن دون أن تسمح لأي جهة بالتفاوض نيابة عنها، معتبراً أن خيار التفاوض جاء بعد تجارب طويلة أثبتت فيها الحروب محدودية قدرتها على تحقيق نتائج مستدامة.
وأوضح أن المادة 13 لا تسقط حق لبنان في الملاحقة القانونية، بل تتعلق، بحسب تفسيره، بتعليق الإجراءات القضائية المتبادلة خلال مرحلة تنفيذ الاتفاق، نافياً أن يكون الاتفاق قد تضمن اعترافاً بالاحتلال أو تنازلاً عن الأراضي اللبنانية.
وأشار إلى أن أهداف الاتفاق، وفق القراءة الرسمية، تشمل إنهاء الاحتلال، وتأمين انسحاب القوات الإسرائيلية، وإعادة النازحين، واستعادة الأسرى، وحشد الدعم الدولي لإعادة الإعمار.
وشدد على أن الاتفاق الإطاري ليس تسوية نهائية، وإنما إطار عام ستليه تفاهمات تنفيذية أكثر تفصيلاً، معتبراً أن السياسة تقوم على تحقيق أفضل الممكن في ضوء الظروف القائمة.
وفي ملف حصرية السلاح، أكد أن احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم التزام دستوري قائم، وليس بنداً مستحدثاً فرضه الاتفاق.
ودعا إلى منح الدولة فرصة لاستكمال هذا المسار قبل إصدار الأحكام النهائية عليه، مؤكداً أن الاختلاف السياسي مشروع، لكنه شدد على رفض تحويله إلى فتنة داخلية أو إلى مساس بالسلم الأهلي، معتبراً أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي يمثل أولوية.
مقارنة مع اتفاق الـ17 من مايوومن النقاط التي طُرحت أيضاً، عدم النص على انسحاب إسرائيلي شامل وفوري على غرار ما ورد في اتفاق الـ17 من مايو 1983.
المقارنة هنا بين الاتفاقين تستوجب الأخذ في الاعتبار اختلاف الظروف التي أحاطت بكل منهما، سواء من الناحية السياسية أو العسكرية أو الإقليمية.
فالاتفاق الموقع عام 1983 جاء في ظل الاجتياح الإسرائيلي للبنان وربط الانسحاب بجملة ترتيبات أمنية وسياسية لم تدخل حيز التنفيذ نتيجة التطورات الداخلية والإقليمية التي أعقبت توقيعه.
أما الاتفاق الإطاري الحالي، فهو يقوم على مقاربة مختلفة، تعتمد التنفيذ التدرجي والمتزامن، بحيث يرتبط كل تقدم في الانسحاب الإسرائيلي بخطوات مقابلة تتعلق بانتشار الجيش اللبناني واستكمال الترتيبات الأمنية وآليات المراقبة، بما يهدف إلى توفير ضمانات عملية لتنفيذ الالتزامات من الجانبين.
وترى هذه القراءة أن الاتفاق الحالي لا ينطلق من فرضية إنهاء جميع الملفات دفعة واحدة، بل من إدارة مرحلة انتقالية تتدرج من تثبيت الاستقرار الأمني إلى معالجة الملفات العالقة، وهو ما يفسر اختلاف الصياغة عن اتفاق الـ17 من مايو، الذي جاء في ظروف سياسية وعسكرية مختلفة بصورة كاملة.
وتشير هذه الأوساط إلى أن نجاح أي اتفاق لا يقاس فقط بما يتضمنه من نصوص، بل أيضاً بقدرته على الصمود في مرحلة التنفيذ، ومدى التزام الأطراف بالآليات التي يتضمنها، وهو ما سيشكل المعيار الأساس للحكم على الاتفاق في المستقبل.
الصياغة تحتاج إلى تفسير رسميوبالعودة إلى المادة 13 من الاتفاق الموقع بين لبنان وإسرائيل، يقدم المحامي والنائب السابق والمقرر السابق للجنة حقوق الإنسان النيابية غسان مخيبر قراءة من منظور قانوني بحت.
فهو يرى أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في وجود النص بحد ذاته، وإنما في الصياغة التي قد تحتمل تفسيرات تمس، من وجهة نظره، بحقوق تكفلها قواعد القانون الدولي للدولة اللبنانية وللضحايا.
ويعتبر أن أي تفسير يؤدي إلى وقف أو الامتناع عن مباشرة أو متابعة الإجراءات القضائية الدولية قد يمس بحقوق اللجوء إلى العدالة، مشيراً إلى أن هذه الحقوق تشمل، متى توافرت شروطها القانونية، إمكان متابعة المسارات أمام الهيئات الدولية المختصة، والاستمرار في استخدام الآليات المتاحة داخل منظومة الأمم المتحدة.
ويؤكد أن الدولة اللبنانية، بحكم التزاماتها القانونية، مطالبة باستخدام الوسائل القضائية والدبلوماسية المتاحة لمواجهة الانتهاكات، ويرى أن عدداً من الدعاوى التي باشرها متضررون لبنانيون أمام محاكم أجنبية قد يستمر بصورة مستقلة عن أي تفاهمات سياسية.
ويلفت أيضاً إلى أن الجمع بين ملفات المحتجزين اللبنانيين ورفات الجنود الإسرائيليين يثير، برأيه، إشكالات قانونية وإنسانية، داعياً إلى إصدار تفسير رسمي يحدد المقصود بالمادة 13 بصورة لا تترك مجالاً للتأويل.
في المقابل، يقدم المتخصص الدستوري سعيد مالك تفسيراً مختلفاً، معتبراً أن الاتفاق الإطاري لا يشكل، في حد ذاته، إسقاطاً لحق لبنان في المطالبة بالتعويضات أو في ملاحقة الانتهاكات المنسوبة إلى إسرائيل.
ويقول إن الاتفاق يرسم إطاراً لمعالجة ملفات محددة تتعلق بالأرض والحدود والأسرى والترتيبات الأمنية، من دون أن يتناول بصورة مباشرة المسؤولية القانونية عن الانتهاكات أو يغلق ملف المحاسبة.
ويضيف أن أي تنازل عن حقوق الدولة أو عن حقها في المطالبة بالتعويضات يحتاج، من الناحية القانونية، إلى نص واضح وصريح، وهو ما لا يرى أنه متوافر في الاتفاق الحالي، معتبراً أن الدولة اللبنانية تبقى صاحبة الحق في اللجوء إلى الآليات القانونية الدولية إذا قررت ذلك.
بدوره قدم النائب ملحم خلف، وهو نقيب المحامين السابق في لبنان، مقاربة ثالثة، وقال في حديث إعلامي إن الوفد اللبناني المفاوض والوفد الإسرائيلي المفاوض وقعا، في 26 يونيو (حزيران) 2026، وبحضور ممثل أميركا، اتفاقاً إطارياً لا يزال بصيغة مشروع، إلى حين إدخاله حز التنفيذ وفق الأصول القانونية المعمول بها في كل من لبنان وإسرائيل، مؤكداً أنه" في انتظار دخول الاتفاق الإطاري حيز التنفيذ، لا بد للبنان من التعامل مع نتائج العدوان الذي تعرض له بالوسائل التي يتيحها القانون الدولي العام، ومن خلال المحافل الدوليّة.
وهذا تحديدًا ما يقوم به نائب رئيس مجلس الوزراء، طارق متري، في جنيف".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك