تشهد محاور القتال الرئيسة الثلاثة في حرب السودان، دارفور وكردفان والنيل الأزرق، تصعيداً عسكرياً برياً وجوياً متسارعاً، وبحسب مصادر عسكرية، دارت معارك عنيفة بين الجيش والقوات المشتركة وقوات" الدعم السريع" على تخوم مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، بالتزامن مع شن الجيش هجوماً واسعاً على مدينة الكرمك الحدودية بإقليم النيل الأزرق سيطر خلالها على جبل الكرمك وبات على أسوار المدينة، حيث يسيطر تحالف" الدعم السريع" والحركة الشعبية - شمال بقيادة جوزيف توكا منذ مارس (آذار) الماضي.
وفي محور دارفور أعلنت القوات المشتركة السيطرة على منطقة أبو زرقة الريفية الواقعة على الطريق الشرقي المؤدي مباشرة إلى الجنينة لتكمل بذلك سيطرتها على حزام المناطق التي تشكل مفاتيح الدخول إلى المدينة وتطويقها بالكامل.
وكان الجيش والقوات المشتركة ضيقا الخناق على المدينة عقب سيطرتهما قبل يومين على منطقة جبل أوم شمال مدينة الجنينة وقبلها على منطقة جبل مون.
وعقب سيطرته عليها الإثنين الماضي نشر الجيش وحلفاؤه قواتهما في محيط شرق مدينة كلبس قرب الحدود التشادية التي تمثل البوابة الرئيسة للوصول إلى مدينة الجنينة، في الوقت الذي وصلت فيه تعزيزات عسكرية إضافية لـ" الدعم السريع" من جنوب دارفور وغرب كردفان، بغرض وقف تقدم الجيش والقوات المشتركة المتسارع نحو استعادة السيطرة على الجنينة عاصمة غرب دارفور.
ومنذ أسبوعين تتصاعد وتيرة المعارك وتحتدم المواجهات في المناطق الحدودية المحاذية لدولة تشاد في إقليم دارفور، التي تشكل خطوط إمداد للأطراف المتحاربة وممرات لوجيستية مهمة للطرفين.
وأوضحت المصادر أن الطيران الحربي للجيش تابع استهداف طرق وقوافل إمدادات" الدعم السريع" عبر صحراء دارفور، ودمر قافلة تضم 17 شاحنة محملة بالإمدادات العسكرية والمواد التموينية بمنطقة وادي هور بشمال دارفور.
في الأثناء كشفت مصادر محلية عن أن" الدعم السريع" شنت هجمات عنيفة على قرى عدة، بشمال وغرب دارفور ضمن النطاق الجغرافي لقبيلة الزغاوة ذات الأصول الأفريقية في ما يعرف بـ" دار زغاوة"، وارتكبت اعتداءات على أساس إثني في حق سكان قرى مناطق أب ليحا، قوروبورا، كوربيا، وفوراوية، مخلفة وراءها قتلاً ودماراً.
وتحدثت المصادر عن تعمد الجماعة استهداف المدنيين على أساس عرقي بعمليات حرق واسعة للمنازل والمرافق الخدمية، مما تسبب في موجات فرار ونزوح جماعي للأهالي.
في المقابل قالت" الدعم السريع" إن قواتها تمكنت من دحر القوات المشتركة في منطقة كلبس وطاردتها في صحراء شمال دارفور عبر مناطق أمبرو وفوراوية وواداي هور، وباتت تقترب من السيطرة على الطينة على الحدود السودانية - التشادية.
في شمال كردفان تشهد العاصمة الولائية الأبيض انتشاراً مكثفاً للقوات الأمنية، ويتابع الجيش عمليات تمشيط واسعة في محيط المدينة على مسافات بعيدة بخلق منطقة عازلة تصل إلى مئات الكيلومترات لتأمينها من أي تهديدات محتملة.
وأوضحت مصادر محلية أن المدينة تشهد انفراجاً تدريجاً في أزمة مياه الشرب نتيجة جهود حكومة الولاية بالتعاون مع قيادة الجيش والتدخلات الإسعافية بإعادة ترميم المرافق الخدمية التي تعرضت لقصف المسيرات.
وعلى رغم تحذيرات الأمم المتحدة وتقارير المنظمات الدولية، أكدت مصادر عسكرية أن المدينة محصنة بالكامل وجاهزة لصد أي محاولات هجومية محتملة، معتبرة الحديث عن هجوم وشيك أو حصار للمدينة بأنه نوع من الحرب النفسية والدعاية الحربية.
وأوضحت المصادر أن المسيرات الاستراتيجية هي الخطر الوحيد الذي تواجهه المدينة وهناك ترتيبات جارية للتخلص من هذا التهديد خلال الأيام المقبلة.
وشنت مقاتلات الجيش الحربية غارة جوية استهدفت تجمعاً لـ" الدعم السريع" في منطقة أم قرفة بريفي مدينة بارا، 250 كيلومتراً جنوب غربي العاصمة الخرطوم.
في محور النيل الأزرق، ووفقاً لمصادر عسكرية، شنّ الجيش السوداني هجوماً عنيفاً بالطائرات المسيرة والمدفعية الثقيلة مستهدفاً خطوط الدفاع المتقدمة للجماعة والحركة الشعبية - شمال المتمركزة داخل مدينة الكرمك الحدودية مع إثيوبيا.
وأفادت مصادر إقليمية بأن الهجوم كبَّد تلك القوات خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد وأجبرها على التراجع من مواقعها لصالح تقدم الجيش إلى جبل الكرمك المطل مباشرة على المدينة ليصبح على بعد خطوات من استعادة السيطرة عليها.
ومنذ أشهر عدة يشهد إقليم النيل الأزرق مواجهات ومعارك ضارية تسببت في تضاعف أعداد النازحين داخل الإقليم بأكثر من نسبة 20 بالمئة عن الأشهر السابقة، حيث تجاوز وفق منظمة الهجرة الدولية 60 ألف شخص منذ بداية العام الحالي وحتى نهاية مايو (أيار) الماضي.
أممياً، أكد المفوض الأممي لحقوق الإنسان فولكر تورك مسؤولية" الدعم السريع" عن ارتكاب جرائم حرب وضد الإنسانية في السودان، محذراً من وجود مؤشرات واضحة تنذر بوقوع كارثة إنسانية جديدة في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان.
ودعا المفوض السامي، خلال جلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، المجتمع الدولي إلى ممارسة مزيد من الضغوط على الجماعة لوقف استهداف المدنيين، وإقرار هدنة إنسانية في مدينة الأبيض، والعمل على وقف تدفق الأسلحة إلى السودان.
وقال المفوض الأممي إن المدنيين داخل المدينة يواجهون منذ نحو 18 شهراً أوضاعاً أشبه بالحصار، بالتزامن مع استمرار هجمات المسيرات، بينما بلغ النقص في المياه النظيفة بالمدينة مستويات حرجة، تزيد من تدهور الأوضاع الإنسانية.
وأوضح أن مكتبه وثّق أنماطاً من عمليات الإعدام بإجراءات موجزة، وحالات عنف جنسي في مناطق متفرقة من إقليم كردفان، مطالباً المجتمع الدولي بعدم السماح بتكرار المأساة الإنسانية والفظائع ذاتها التي شهدتها منطقتا معسكر زمزم ومدينة الفاشر مرة أخرى في مدينة الأبيض.
في الأثناء، أوضحت لجنة تقصي الحقائق في شأن السودان، خلال الجلسة، أن" الدعم السريع" تكرر في الأبيض السيناريو ذاته الذي شهدته مدينة الفاشر، مشيرة إلى تلقى اللجنة إفادات من سكان عبروا عن مخاوفهم من هجوم وشيك، عقب نشر الجماعة مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر التعزيزات العسكرية لقواتها حول المدينة استعداداً لمهاجمتها.
ونقلت اللجنة إلى مجلس حقوق الإنسان الأممي مناشدة نحو نصف مليون من سكان الأبيض، إضافة إلى أكثر من 100 ألف نازح لجأوا إليها فراراً من مدن وقرى دمرتها الحرب، التدخل العاجل لحمايتهم.
من جانبها، أكدت الحكومة السودانية استعدادها للانخراط في المبادرات المتسقة مع خارطة الطريق الرامية التي تقدمت بها من أجل إنهاء الحرب، مطالبة بالإسراع في تصنيف" الدعم السريع" ميليشيا إرهابية.
ودعا وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم في كلمته أمام الجلسة الدول التي تقدمت بطلب عقد الجلسة الخاصة لمجلس حقوق الإنسان حول تطورات الأوضاع بمدينة الأبيض، إلى اتخاذ موقف أكثر مباشرة وفاعلية، عبر توجيه رسالة قوية وعاجلة إلى الدولة الراعية لـ" الدعم السريع" بالكف فوراً عن إمدادها بالعتاد العسكري المتطور والمسيّرات الاستراتيجية التي تُستخدم في قصف المدن والمرافق المدنية.
وشدد سالم على أن ما جرى في الفاشر يبرهن بوضوح أن القرارات والبيانات وحدها لا تعني شيئاً" لميليشيا إجرامية تتباهى بازدراء قرارات المجتمع الدولي وتضرب بها عرض الحائط، وأن الهجمات المتواصلة التي تشنها على مدينة الأبيض وما حولها، واستهدافها المرافق المدنية والخدمية والبنى التحتية، تمثل امتداداً مباشراً للحرب المفتوحة التي تشنها ضد الدولة والشعب منذ فشلها في الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح".
وأكد وزير الخارجية انفتاح حكومة السودان واستعدادها للانخراط الإيجابي مع كل المبادرات الصادقة الرامية إلى وقف هذه الحرب بالوكالة، تمهيداً للدخول في ترتيبات أمنية، بما في ذلك وقف إطلاق النار، وعملية سياسية سودانية - سودانية بملكية وطنية، مع الترحيب بأي دعم وإسناد من الأمم المتحدة والشركاء الدوليين والإقليميين.
دولياً، دعت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إلى إنهاء العنف في السودان وحذرت من أن مدينة الأبيض لا يمكن أن تصبح مسرحاً لمأساة تالية لا معنى لها، مناشدة المجتمع الدولي أن يعمل بوحدة وتصميم لوقف المأساة المحتملة.
وذكَّرت الوزيرة البريطانية قبيل انطلاق جلسة مجلس حقوق الإنسان بخذلان العالم، العام الماضي، شعب الفاشر، حيث كانت هناك فظائع مروعة، منوهة إلى أنه لا يمكن السماح بأن تكون مدينة الأبيض مسرحاً للمأساة ذاتها مرة أخرى.
ونوهت كوبر بتعرض المدينة للقصف بعشرات الطائرات المسيرة خلال الأسابيع الماضية، مستهدفة عمال وشاحنات الإغاثة، مما أسفر عن مقتل مدنيين وعرقلة الوصول إلى الخدمات الأساسية الأمر الذي لا يمكن للمجتمع الدولي أن يتجاهله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك