تصاعدت حدة التوتر في العلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ اندلاع الحرب مع إيران، ويبدو أن العلاقة وصلت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق في ظل جهود ترمب لإنهاء الأعمال القتالية في إيران ولبنان، بحسب ما ترى المحللة السياسية كسينيا سفيتلوفا.
وقد تعرضت مذكرة التفاهم التي أبرمها ترمب مع إيران لانتقادات واسعة في إسرائيل، واعتُبر نتنياهو، الذي طالما تفاخر بعلاقته المتميزة مع ترمب، مسؤولًا عن ذلك.
وأعقب ذلك إبرام مذكرة تفاهم أخرى بين إسرائيل والولايات المتحدة ولبنان، قوبلت بقدر كبير من الشكوك في إسرائيل، حيث تؤيد غالبية الإسرائيليين مواصلة العمل العسكري ضد حزب الله.
وقبل التوصل إلى الاتفاق، ازداد إحباط الرئيس الأميركي من أن تصرفات إسرائيل في لبنان قد تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران للخطر.
وأكد ترمب تقارير أفادت بأنه وصف نتنياهو خلال مكالمة هاتفية متوترة بأنه «مجنون»، واستخدم بحقه لفظًا نابيًا.
وأشارت كسينيا سفيتلوفا، وهي باحثة زميلة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)، إلى كتاب جديد كشف عن مكالمة غاضبة مماثلة جرت بين ترمب ونتنياهو قبل أيام فقط من الإعلان الرسمي عن اتفاق وقف إطلاق النار لإنهاء حرب غزة.
وتُظهر هذه المعلومات زعيمين لطالما شددا على قوة تحالفهما و«صداقتهما الجميلة»، لكن يبدو أنهما لم يعودا على وفاق كما كانا في السابق.
لكن، هل يعني ذلك أن ترمب مستعد لترجمة استيائه المتزايد من نتنياهو إلى سياسات جديدة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما تأثير ذلك على السياسة الإسرائيلية والانتخابات المقبلة؟وقالت الباحثة سفيتلوفا، في تحليل نشره المعهد، إن بنيامين نتنياهو كان على الأرجح من أكثر السعداء بفوز دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
لكن منذ تلك اللحظة، واجه ترمب ونتنياهو صعوبة في التوصل إلى توافق في الآراء.
فقد استهل ترمب ولايته بخطة لـ«إعادة توطين» الفلسطينيين من قطاع غزة في ليبيا، وتعهد بأن حركة حماس ستواجه «جحيماً لا يُطاق» إذا لم تُطلق سراح المحتجزين.
إلا أنه، بعد أشهر قليلة، طرح خطة سلام من 20 نقطة، وفرض عملياً اتفاقاً لوقف إطلاق النار على حماس وإسرائيل.
وقبل ذلك بأسابيع قليلة، كان نتنياهو قد تعهد بمواصلة الحرب في غزة حتى استعادة جميع المحتجزين والقضاء على حماس، لكنه عاد ليتبنى خطة ترمب للسلام، وكذلك اتفاق تبادل المحتجزين الذي أعقبها.
وأكدت سفيتلوفا أن حرب إيران «قدمت دليلاً قاطعاً على أن نتنياهو وترمب يتبنيان رؤيتين مختلفتين للعالم وأهدافاً جيوسياسية متباينة».
وكان نتنياهو يرغب في مواصلة الضغط العسكري على إيران وحزب الله، رغم الكلفة الباهظة للحرب، «لكن حلمه بأن يمنح ترمب إسرائيل تفويضاً مطلقاً للتحرك في غزة ولبنان وإيران لم يتحقق».
وازداد التباين بين أهداف الرجلين وضوحاً مع توقيع الولايات المتحدة «مذكرة تفاهم هشة» مع إيران، ومطالبتها إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية في لبنان.
ويرجح أن أي انسحاب كبير للقوات الإسرائيلية من لبنان سيكون «خطوة غير شعبية إلى حد كبير لدى الرأي العام الإسرائيلي»، وهو ما سيحرص نتنياهو على تجنبه مع اقتراب موعد الانتخابات.
وفي المقابل، يحتاج ترمب بشدة إلى صمود اتفاق وقف إطلاق النار من أجل تحقيق الاستقرار في إيران.
من المقرر أن يخوض نتنياهو الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وهو في موقف ضعيف نتيجة خلافه مع ترمب، وفي ظل توتر العلاقات الدولية لإسرائيل بسبب حرب غزة.
وأشارت سفيتلوفا إلى استطلاعات رأي في إسرائيل أفادت بأن نتنياهو لا يملك حاليًا القدرة على تشكيل ائتلاف حكومي، حيث تراجع الدعم له «بسبب هجوم السابع من أكتوبر، ونهجه في التعامل مع أزمة المحتجزين التي طال أمدها، وعجزه عن تحقيق نصر حاسم على حماس، فضلًا عن الجدل المرتبط بإصلاحات القضاء وقضايا الفساد».
ومن المبكر معرفة ما إذا كانت مذكرة التفاهم مع لبنان ستؤثر في نتائج استطلاعات الرأي، لكنها لا تبدو حتى الآن قادرة على تغيير المشهد السياسي.
كما يصعب تحديد ما إذا كان الخلاف مع ترمب قد ترك أثرًا ملموسًا حتى الآن.
وفي عام 2015، نجح نتنياهو في استثمار مواجهته مع الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما بشأن الاتفاق النووي مع إيران خلال الانتخابات.
واليوم، بعد 11 عامًا، يبدو أنه سيحاول تكرار النهج نفسه مع ترمب.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من ثلثي الإسرائيليين يعتقدون أن سياسات ترمب تضر بإسرائيل، في حين تصف وسائل إعلام مؤيدة لنتنياهو ترمب بأنه ضعيف ومتردد.
ولم يسحب ترمب دعمه لنتنياهو حتى الآن، وقال إن «من المرجح» أن يؤيده، لكنه أضاف أنه سيتعين عليه أولًا أن يرى «من هم المرشحون الآخرون».
وأثارت الباحثة سؤالًا جوهريًا، مفاده: «هل سيُلقي ترمب في نهاية المطاف بثقله السياسي الكامل خلف نتنياهو، وربما يتوج هذا الدعم بزيارة إلى إسرائيل؟ ».
وقالت إن التاريخ يشير إلى أن مثل هذه الخطوة قد يكون لها تأثير مهم.
غير أن احتضان رئيس أميركي لزعيم إسرائيلي، رغم احتفاظه بوزنه في السياسة الإسرائيلية، لم يعد الورقة الرابحة التي كان يمثلها في السابق.
ومع ذلك، «يظل من المبكر استبعاد تأثير هذا الدعم تمامًا، إذ لا يزال تأييد ترمب يمثل رصيدًا يدرك ناخبو اليمين في إسرائيل قيمته، وإن أصبح أكثر تعقيدًا في ظل الخلافات العلنية والانتقادات المتبادلة».
وأكدت سفيتلوفا أن «قصة ترمب ونتنياهو تتجاوز بكثير مجرد شخصيتين قويتين.
ورغم أن هذه ليست المرة الأولى التي تختلف فيها رؤى وأولويات قادة إسرائيل والولايات المتحدة، فإن ما يميز الوضع الحالي هو أن التوترات لا تبدو مرشحة للتلاشي بسهولة أو للانتهاء برحيل الرجلين».
وتابعت: «قد تجد إسرائيل نفسها مع عدد أقل من الشركاء الدوليين والإقليميين مقارنة بأي وقت مضى، وفي ظل تراجع الدعم الذي تحظى به داخل الولايات المتحدة».
وفي ختام التحليل، قالت إن واحدة من أهم الانتخابات في تاريخ إسرائيل الحديث قد تتمحور حول سؤالين رئيسيين: من المسؤول عما حدث؟ ومن يملك القدرة على إصلاحه؟وأردفت: «أما ما إذا كان ذلك يعني أن الوقت قد حان لرحيل نتنياهو، فلا يزال أمرًا ستكشف الأيام المقبلة عنه».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك