- يوثق التحقيق كيف يعيش الأسرى الفلسطينيون المحررون في القاهرة، عبر شهادات متقاطعة تكشف عن استمرار تنكيل إسرائيل وعجز السلطة وقيود مالية وقانونية تحول دون اندماجهم في المجتمع أو إعانة أسرهم المحرومين من لقائها.
يقطن الأسير الفلسطيني المحرر باسل عاطف مخلوف، في شقة مشتركة بالقاهرة مع رفيقيه جاسر المنتمي مثله إلى حركة الجهاد الإسلامي وأسامة عضو حركة فتح، في محاولة لتقاسم النفقات الشاقة، لذا يتشاركون في تكلفة الإيجار البالغة 25 ألف جنيه مصري (نحو 500 دولار أميركي)، إلى جانب قيمة فواتير الكهرباء والمياه وغيرها من أساسيات المعيشة، ومع هذا تصل حصة كل منهم إلى نحو 300 دولار شهرياً على الأقل.
" مبلغ ضخم بالنسبة للإمكانيات المادية المتوفرة"، يقول مخلوف، إن اختيارهم وقع على منطقة المعادي الهادئة لحساسية وضعهم، وإن جاء الأمر على حساب ارتفاع القيمة الإيجارية، فالحي الواقع جنوبي العاصمة المصرية، يعتبر من بين الأكثر أماناً لانتشار السفارات والمدارس الدولية، وكثافة الدوريات الشرطية، بيد أن حياة الأسرى الثلاثة تحت سقف واحد بعد مكابدة متشابهة في سجون الاحتلال، لم تعن لدى السلطة الوطنية الفلسطينية مساواتهم في الحقوق المالية والقانونية، إذ يتلقى أسامة بدل سكن بقيمة 500 دولار من هيئة شؤون الأسرى والمحررين الحكومية، تقدمها إلى المنتمين لمنظمة التحرير الفلسطينية، مستبعدة نظراءهم من بقية الفصائل، في مقابل 250 دولاراً لكل من باسل وجاسر يحصلان عليها من حركة حماس، نظراً لأن تنظيمهما يعاني تعثراً مالياً في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ولذا تتكفل الحركة الخضراء بمنتسبيها وبعدد من محرري حركة الجهاد.
وثمة من لا يتلقى أي إعانات من أي تنظيم فيعتمدون على دعم عائلاتهم فقط، مثل محمود العارضة، أحد قادة عملية الهروب من سجن جلبوع، والذي قال لـ" العربي الجديد"، منذ الإفراج عني في منتصف أكتوبر 2025 ضمن صفقات التبادل، أعتمد كلياً على تحويلات ترسلها العائلة بعد معاناة عبر الوسطاء، بسبب الحصار المالي والقيود التي يفرضها الاحتلال على الأسرى وذويهم.
في أقل من شهر، تدهورت الأوضاع المالية لعائلة مخلوف وفقدت كل ما تملك، فما إن أفرجت عنه سلطات الاحتلال، ضمن الدفعة الثانية من صفقات تبادل الأسرى في يناير/كانون الثاني 2025، حتى اعتقلت نجله وزوج ابنته في الضفة الغربية بما يعنيه الأمر من أعباء مالية، قبل أن توقف السلطة الفلسطينية من ناحية أخرى راتبه، بعدما شكّل لسنوات مصدر الدخل الأساسي للأسرة.
ومع تراكم الديون، اضطرت زوجته إلى بيع منزل العائلة لسداد بعض ما أمكن، فيما يجد مخلوف نفسه اليوم عاجزاً عن المساهمة في علاج حفيديه اللذين يحتاجان إلى رعاية طبية يومية في أحد مستشفيات الضفة الغربية، تكلف نحو ألف شيكل (334 دولاراً).
تحاصر ضائقات مالية وقيود قانونية الأسرى المحررينمأساة مخلوف لا تتوقف عند حدود قصته الشخصية، فاستناداً إلى ثماني شهادات لأسرى منفيين في القاهرة، وثق" العربي الجديد" إفاداتهم يتضح أن مرحلة الإبعاد القسري لم تقتصر على آلام الغربة بعد أعوام الحرمان من الوطن، بل امتدت إلى ضائقة مالية وقيود قانونية غيبت إمكانية الاندماج والعمل والدراسة ولمّ الشمل وممارسة الحياة الطبيعية عموماً.
واللافت ما تؤكده الشهادات المتنوعة، التي راعت تمثيل أسرى من حركات فتح وحماس والجهاد الإسلامي، لتفاوت في الإعانات التي تصرفها هيئة شؤون الأسرى والمحررين تحت بند" إعانة السكن" عقب وقف رواتب الأسرى بعد إصدار الرئيس محمود عباس مرسوماً رئاسياً في فبراير/شباط 2025، أوقف بموجبه صرف رواتب الأسرى والجرحى ومخصصات عائلات الشهداء وإحالة المسؤولية عن الأمر من هيئة شؤون الأسرى والمحررين إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي" تمكين"، التي أعلنت عن صرف المساعدات وفق نظام" البحث الاجتماعي بناء على الحاجة الاقتصادية والاجتماعية، وليس وفقاً لصفة الأسير أو المحرر، وهو ما رفع مظلة الحماية الاجتماعية الموحدة للأسرى، في تحريف لملفهم ليغدو وكأنه مساعدات اجتماعية وإغاثية، بدلا من حقوق مرتبطة بالقضية الوطنية والنضالية، كما يقول صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني" حشد".
استأنفت السلطة الفلسطينية إرسال نصف الراتب إلى بعض الأسرى المبعدين المنتمين لمنظمة التحرير، لكنها" أوصتهم بإخفاء الأمر لأنه لم يشمل جميع أبنائها، وبالطبع باقي الفصائل" كما يقول العارضة نقلا عن رفاقه، وهو ما أكده أسيران من حركة فتح طلبوا عدم ذكر اسمهم منعا لإثارة الحساسية.
يستنكر عبد العاطي، ذلك الوضع، بينما يرد رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين، الوزير رائد أبو الحمص، غير منكر في في حديثه لـ" العربي الجديد" هذا التفاوت، مرجعاً إياه إلى ضغوط إسرائيلية ودولية، فضلا عن مواقف بعض الدول العربية التي قال إنها امتنعت عن وعود استقبال الأسرى المبعدين، كما كان مقرراً، مما أدى إلى بقاء معظمهم في مصر، موضحاً أن الهيئة" تعمل حالياً على ترتيب الأوضاع الإدارية لأسرى منظمة التحرير"، قبل أن يقر بوجود" ضغوط وإشكاليات" تحول دون تسوية أوضاع الأسرى المنتمين إلى حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
يقيناً يرفض مخلوف المبررات الحكومية ووقف الراتب معتبراً ما يجري، " امتثالاً لسردية الاحتلال الذي يصف المقاومين بالمخربين"، فإلى جانب مرارة عدم تمكنه من لقاء أهله منذ الإفراج عنه، واحتضان أحفاده، وقلقه على نجله وزوج ابنته المعتقلان، يواجه ألم عجزه عن كفالتهم وهو" مٌبعد" خصوصاً زوجته الغارمة جراء تراكم الالتزامات بسبب أقساط منزلهم، الذي اضطروا إلى بيعه في النهاية.
ومن هنا يرى عبد العاطي، أن السلطة الفلسطينية كان عليها ألا تتخلى عن مسؤوليتها بتوفير الحماية المالية والاجتماعية والقانونية للأسرى، باعتبارها الجهة المنوط بها الأمر وفقاً للقوانين الفلسطينية، قائلاً" إنها حقوقهم الأساسية، ولا سيما أصحاب الأحكام العالية والمؤبدات، ومن غير المقبول أن يتحول الأسير الذي ضحى بحريته إلى ضحية للخلافات والانقسامات الداخلية"، مشيراً إلى ضرورة ملاحقة السلطة للاحتلال قضائياً على جريمة الإبعاد وما ترتب عليها من أضرار إنسانية واجتماعية وقانونية.
عقب الوصول إلى مصر حصل الأسرى على إقامة قانونية لمدة شهر واحد، وفق تصور بأن وجودهم مؤقت، غير أنها انتهت ولم تجدد، لأن معظمهم لا يحملون سوى جوازات سفر فلسطينية غير مختومة، وهي وثائق تُسلّم للأسرى المبعدين من دون وضع أختام دخول أو خروج أو إقامة عليها من قبل السلطات المختصة، ما يقيدهم بوضع قانوني هش يحول دون اندماجهم في الحياة اليومية، ويحرمهم العمل أو استئجار مسكن أو الحصول على خدمات أساسية.
وبسبب ذلك لم تفلح محاولة مخلوف للعمل عبر أحد تطبيقات النقل الذكي في القاهرة في محاولة لإعالة أسرته وسداد دين زوجته، فضلاً عن عجزه عن شراء شريحة هاتف محمول، بعدما اشترطت شركة الاتصالات تقديم جواز سفر مختوم أو إقامة رسمية.
يعتمد بعض الأسرى على إعانات عائلية بعد وقف السلطة مخصصاتهملم يتوقف الأمر على ذلك، بل لم يتمكن باسل من تقديم شكوى قانونية إثر تعرضه للنصب وضياع مبلغ 3500 دولار، بعدما استغل أحد الأشخاص رغبته في العمل، فاستولى على ماله بدعوى مشاركته في تجارة الرخام.
أما محمود العارضة فلا يزال يتنقل بورقة مؤقتة حصل عليها من السفارة الفلسطينية تفيد بتسليم جواز سفره، منذ ثلاثة أشهر لاستكمال إجراءات ختمه، التي لم تنته حتى الآن، قائلاً: " لا تكفي هذه الورقة لإثبات الهوية في كثير من المعاملات"، وتشير هذه الشهادات إلى أن المشكلة تتجاوز الحالات الفردية، كما يقول المتحدث باسم اللجنة العليا للأسرى المحررين المبعدين، العميد أحمد عبد القادر إبراهيم سليم، لافتاً إلى أن نحو 200 أسير من أصل 265 مبعداً يقيمون في مصر ولا يحملون جوازات سفر مختومة، فيما اقتصرت الأختام على الدفعة الأولى من صفقة التبادل، من دون أن تُبلغ السفارة الفلسطينية أسرى الدفعات اللاحقة سبب اختلاف الإجراءات، وهو ما سعى" العربي الجديد" إلى الحصول على تفسير له عبر التواصل مع السفير دياب اللوح ومستشار الشؤون الثقافية، ناجي الناجي كونهما المخولين بالحديث للإعلام من دون تلقي رد.
وبحسب عبد القادر، غادر 65 أسيراً مصر إلى تركيا، و15 إلى ماليزيا، وأسيران إلى إسبانيا، فيما لا يزال معظم المبعدين يواجهون تعقيدات قانونية وإدارية تحول دون استقرار أوضاعهم، ومع هذا يؤكد عبد القادر أن مصر وفّرت للمبعدين حاضنة أمنية وشعبية، وما استطاعت من تسهيلات، وأن مؤسساتها" تتعامل بروح القانون لا بنصه"، متجاوزة في كثير من الأحيان إشكالية إدارية، بما أتاح لبعض الأسرى ممن لديهم إقامة قانونية معادلة شهاداتهم الجامعية، أو إطلاق مشروعات صغيرة ساعدتهم على الاستقرار النسبي.
أمضى عبدالقادر 23 عاماً في سجون الاحتلال قبل الإفراج عنه ضمن الدفعة الأولى من صفقة تبادل الأسرى، وطوال هذه الفترة كان يتقاضى، وفقاً لمنصبه في أجهزة السلطة، راتباً شهرياً يبلغ نحو ثمانية آلاف شيكل (2677 دولاراً)، قبل أن يتوقف صرفه بالكامل في يونيو/حزيران 2025، فلم يتبق له اليوم سوى" بدل السكن"، غير المنتظم أو الكافي لتغطية الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، مبرراً استثناء بعض أسرى فتح من الإعانة بوجود مصادر دخل بديلة لديهم، قبل أن يضيف: " إذا قورن أبناء فتح بأبناء حماس والجهاد، فإن وضعهم المادي هو الأسوأ".
قبل نحو شهر ونصف، خضع الأسير المحرر فواز بعارة، المنتمي إلى حركة فتح، لعملية قسطرة في القلب وتركيب ثلاث دعامات.
ومنذ ذلك الحين، يحتاج إلى علاج شهري تبلغ كلفته نحو 1200 جنيه مصري (25 دولاراً)، إلا أن ضيق ذات اليد دفعه إلى التوقف عن تناول الدواء منذ أسبوعين، قائلا: " لا أملك ثمنه".
ولا تقف معاناته عند ذلك الحد، إذ فقد معظم أسنانه خلال سنوات اعتقاله، ورغم حصوله على موافقات من جهات عدة لاستكمال العلاج وتركيب بدائل اصطناعية، فإن التكلفة المالية لا تزال تحول دون ذلك.
وتخضع الرعاية الصحية للأسرى المبعدين لبروتوكول تعاون بين السلطة الفلسطينية ومشفيي فلسطين وفاطمة الزهراء في القاهرة، ومن أجل العلاج، على الأسير استخراج تحويلة طبية من رام الله، واعتمادها من السفارة الفلسطينية، قبل التطبيب وتلقي الدواء.
وهي إجراءات، إلى جانب محدودية خياراتها، تجعل الوصول إلى الخدمة الصحية معقداً، خصوصاً في الحالات التي تتطلب تدخلاً سريعاً أو متقدماً في مقابل ضعف الإمكانات المتاحة.
والأنكى كما يقول بعارة أن امتلاكه جواز سفر مختوماً أو إقامة قانونية كان سيمنحه فرصة اللجوء إلى مشاف أخرى على نفقته الخاصة، بدلاً من انتظار التحويلات والإجراءات الإدارية البيروقراطية، وبالطبع، يكمل أن هذا الوضع المتردي حال بينه وبين إمكانية استئجار مسكن أو إجراء تحويلات مالية عبر البنوك وشركات الصرافة، أو استقبالها من عائلته في الضفة الغربية، ما دفعه إلى الاعتماد على وسطاء كغيره من الأسرى.
ويتكرر في الشهادات التي وثقها تحقيق" العربي الجديد" تلقي الأسرى منذ إبعادهم وعوداً من ممثلي الرئاسة الفلسطينية وقيادات في حركة فتح، الذين كثيراً ما تحدثوا معهم عن تسوية أوضاعهم القانونية والإدارية، وإعادة دمجهم في قوة مؤسسات السلطة ومن ثم صرف مستحقاتهم، ويبدو أن انتظار تحقق تلك الوعود دفع عدداً ممن حاولنا التحدث معهم إلى الاعتذار خوفاً من أن يؤثر ذلك على اتخاذ قرار بشأنهم، لكن بعارة يرد عليهم: " إن هذه الوعود نتلقاها منذ سنة و8 أشهر لكن شيئاً من ذلك لم يتحقق".
لهذا يرى بعارة في مشهد الأسير نديم عودة مفترشاً الأرض انعكاساً لمدى تدهور أوضاع مجتمع الأسرى المبعدين بأكمله، مضيفاً: " ما يقدم لنا مجرد مسكنات، بينما واقعنا مأساوي جداً، ويحتاج إلى حلول جذرية".
يمتد أثر وقف مخصصات الأسرى المبعدين في مصر إلى عائلاتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكثير منها فقد مصدر دخله الوحيد، في وقت تواصل فيه قوات الاحتلال الإسرائيلية ملاحقة أي دعم مالي قد يصل إليهم، إلى درجة مصادرة أموال عائلة الأسير وسرقة ممتلكاتها الثمينة، كما حدث مع عائلة عمار الزبن، أول أسير فلسطيني يهرب" نطفة" خارج سجون الاحتلال والمنتمي إلى حركة حماس، إذ داهمت قوات الاحتلال منزله في نابلس ولم تكتف بترويع زوجته وأطفاله الأربعة وسرقة مصوغاتهم الذهبية، بل حذرتهم من تلقى أو إرسال أي تحويلات مالية إليه، وهددتهم بهدم المنزل إذا ثبت ذلك.
على الرغم من ذلك، " معظمنا يحاول توفير كل دولار ممكن لإرساله إلى عائلته التي فقدت مصدر دخلها"، يقول الزبن الذي قضى ثلاثين عاماً في سجون الاحتلال، وكان محكوماً بـ27 مؤبداً، مشيراً إلى أن الأسرى تجنبوا الحديث عن أزمة المخصصات لأشهر، احتراماً لرمزية قضيتهم، ولما يعيشه قطاع غزة من أوضاع كارثية.
لكن اليوم يعيش الزبن ظروفاً مادية قاسية، إذ لا تكفي إعانة السكن التي تقدمها له حركة حماس، أي الـ250 دولاراً، إعاشته في القاهرة، وإعالة أسرته في نابلس، " وبينما تواصل سلطات الاحتلال تقييد أي مصادر دعم للأسير أو لعائلته وتطاردهم، زادت السلطة الفلسطينية الطين بلة بقطع المخصصات" على حد قوله.
وكان الأسرى المبعدون قد تلقوا بمجرد وصولهم إلى مصر منحة بقيمة 1500 دولار لمرة واحدة من هيئة شئون الأسرى والمحررين، وفقاً للزبن، كما قدمت حركة حماس لجميع الأسرى إعانات في الأشهر الثمانية الأولى، لكنها توقفت عن ذلك منذ أكثر منذ تسعة أشهر واكتفت بإعانة السكن لمن يخرج من الفندق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك