يُمثِّل نجاح المستشفى السُّلطاني ومستشفى خولة والمركز العُماني لتنظيم التبرع بالأعضاء والأنسجة البشريَّة في إنقاذ حياة أربعة مرضى عبر الاستفادة من أعضاء شخص تم الإعلان عن وفاته دماغيًّا، إنجازًا طبيًّا وإنسانيًّا تُرفع له القبعات.
لقد أسهم هذا النجاح في تسليط الضوء على الحاجة إلى توسيع الوعي بأهميَّة التبرع بالأعضاء، سواء أثناء الحياة أو بعد الممات، وذلك لِمَا له من دور في إنقاذ حياة الكثير من المرضى الذين يوجد أمل في استمتاعهم بالحياة في حال العثور على متبرع بما يحتاجون من عضو يؤدي وظيفة مهمَّة في جسم الإنسان وتتعقد الحياة بدونه.
وبما أن التبرع بالأعضاء ليس أمرًا مستحدثًا في المُجتمعات الإنسانيَّة، غير أن المثير للاهتمام في المُجتمعات العربيَّة هو التبرُّع بأعضاء الإنسان «بعد وفاته»، لذلك فإنَّ توسيع دائرة الوعي حول هذا الموضوع إجمالًا يمكنه تدريجيًّا ترسيخ ثقافة التبرع بالأعضاء «بعد الوفاة» لِتصبحَ قيمة مكتسبة مقبولة مُجتمعيًّا، حتى يصبحَ من المألوف إقبال الإنسان، وهو حي، على التبرع المسبق بأعضائه لِيتمَّ التنفيذ بمجرد إثبات وفاته، وذلك بدلًا من ترك قرار التبرع بعد الوفاة لذوي المتوَفَّى، بينما يمكن للإنسان حسم هذا الأمر بنفسه وهو على قيد الحياة.
يمكن أن تترسخ هذه القناعة لدى الإنسان وهو حي باعتبار أن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة ليس فقدانًا لشيء يحتاجه الإنسان بعد رحيله، بل هو منح حياة جديدة لإنسان آخر؛ حيث قد يستطيع قلب أن يعيد النبض إلى مريض، أو كليَّة تنهي سنوات من الغسيل الكلوي لشخص آخر، أو كبد ينقذ حياة مريض ينتظر دوره على قائمة الزراعة، فضلًا عن أن الإنسان الحي الذي يؤكد رغبته في التبرع بأعضائه بعد موته سيترك أثرًا أخلاقيًّا يُذكر به بعد مماته، أمَّا ثوابه فهو متروك لمن هو أكرم منه، وهو الخالق ـ عزَّ وجلَّ.
هذه القناعة ـ إن ترسخت ـ ستُسهم في كسر الكثير من الحواجز النفسيَّة المتعلقة بالتبرع بأعضاء مَن يُتوَفَّى دماغيًّا؛ كون الأُسر في لحظات الفقد عادةً تكون مثقلة بمشاعر الحزن على المُتوَفّى، وهي أيضًا أمام رغبة أخلاقيَّة منها باتخاذ قرار مصيري خلال وقت قصير بشأن أعضاء فقيدها المُتوَفَّى.
وما يبعث بالأمل حول قابليَّة التفاعل الإيجابي للمُجتمع مع هذه الثقافة هو أن سلطنة عُمان قد وفَّرت القواعد القانونيَّة لهذا السلوك الإيجابي عبر قانون تنظيم نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشريَّة، الصادر بالمرسوم السُّلطاني رقم: (44/2025)م، لذلك ربما يكون الوقت قد حان للتفكير في كيفيَّة ترسيخ ثقافة تبرع «الأحياء بأعضائهم عند وفاتهم»؛ إذ من الممكن إتاحة خيار رسمي لكل مواطن أو مقيم بالغ عبر تطبيقات الخدمات الإلكترونيَّة الحكوميَّة يتيح له تسجيل رغبته في التبرع بأعضائه الصالحة بعد الوفاة، وهو أمر اختياري وليس إجباريًّا، كما يمكن أيضًا اعتماد وصيَّة موثَّقة يحدِّد فيها الشخص إرادته بشكل واضح قبل وفاته، بحيث تكون مرجعًا للجهات المختصَّة، مع الالتزام الكامل بجميع الضوابط الشرعيَّة والقانونيَّة والأخلاقيَّة والطبيَّة المعمول بها.
مثل هذه الخطوة سوف تُعزِّز فرص إنقاذ المرضى الذين ينتظرون زراعة الأعضاء، كما ستُسهم في توسيع خبرات الكوادر الطبيَّة بالجراحات الدقيقة، وتقليل الحاجة إلى العلاج خارج البلاد، علاوةً على دعم البحوث العلميَّة بمجالات الأنسجة البشريَّة وطِب زراعة الأعضاء، بما يفتح آفاقًا جديدة للابتكار الطبي والتعليم والتدريب.
وعليه، فإن نجاح أي مبادرة من هذا النوع يظل مرهونًا بالالتزام الصارم بالمعايير القانونيَّة والعلميَّة، وبإشراف الجهات المختصَّة، بما يحفظ كرامة الإنسان وحقوقه في جميع المراحل.
والمؤكد حقًّا أن سلطنة عُمان، من خلال النجاحات المتتالية لبرنامج التبرع وزراعة الأعضاء، وإصدارها للقانون المنظِّم لذلك، قد أثبتت امتلاكها منظومة وطنيَّة متقدمة وكفاءات قادرة على تحقيق نتائج تضاهي أفضل الممارسات العالميَّة؛ لذلك يبقى العنصر الأهم هو اتساع دائرة المتبرعين المحتملين «بعد الوفاة»؛ لأن نجاح أيِّ برنامج لزراعة الأعضاء لا يعتمد على مهارة الجراحين وحدها، بل يبدأ بقرار إنساني يتخذه شخص نبيل ليترك أثرًا لا ينقطع، ليؤكد أن هذا النوع من التبرع قيمة ربما تكون من ضمن أجمل ما يمكن أن يورثه الإنسان لغيره بعد وفاته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك