تتركب رواية «أصدقائي» للكاتب الليبي هشام مطر (ترجمة زوينة آل تويه، دار الشروق، 2026) من مواقف متشظية لشخصيات تتمرَّن على العيش وسط اجتياح هائل لذاكرة مثقلة بالاغتيالات، وعمليات الخطف، والمدن التي سُوِّيت بالأرض، وانعدام الثقة، وحكم المليشيات خلال ثلاثين عاماً من تاريخ ليبيا، لكنها تراقب أيضاً تحولات المنفى من مسافة حميمة، حين يكتشف الأصدقاء الثلاثة أنهم أمضوا حياتهم كلها في وداعٍ لم يكتمل.
في أوائل ثمانينيات القرن العشرين يظهر ميدان سانت جيمس، مثل كثير من الأماكن العائمة في لندن، من دون نزاعات أو صخب يشتت الانتباه.
يكفي هناك أن تختار المشي عبر شارع جانبي، لتكتشف في إحدى زواياه الهادئة مكتبة لندن، التي أسسها عام 1841 الكاتب الاسكتلندي توماس كارلايل، وكان يشتكي من أن مكتبة المتحف البريطاني تسبب له" صداع المتاحف".
لكن الميدان أيضاً كان موقعاً للسفارة الليبية أو «مكتب الشعب الليبي» كما أُعيدت تسميته بعد «الثورة الشعبية» التي قادها العقيد معمر القذافي.
في صباح 17 إبريل/نيسان 1984 تجمّع حشد من المتظاهرين المناهضين للقذافي في الجهة المقابلة للسفارة، حين أُطلقت النار من نوافذها، وأُصيب أحد عشر متظاهراً، وقُتلت شرطية تُدعى إيفون فليتشر، كانت في الخدمة ذلك الصباح برفقة خطيبها الشرطي.
أُخلي الميدان وحوصرت السفارة من قبل الشرطة البريطانية المسلحة، إلى أن سمحت الحكومة للمسؤولين الليبيين المتبقين بمغادرة البلاد.
في ذلك اليوم من إبريل، بدأت اللحظة الفارقة في حياة الكثيرين من شباب الشعب الليبي الموسومين بلعنة" الأب المجنون" و" نواة جراحنا" كما يقول مطر في روايته.
وهي اللحظة الحاسمة أيضاً في حياة خالد، وهو الراوي، وصديقيه حسام ومصطفى.
أصيب خالد برصاصة في رئته اليمنى، ثم خرج من المستشفى بعد أسابيع ليحمل اسماً مستعاراً يرافق طلبه اللجوء السياسي في لندن.
البنية النفسية بين الإنسان والسلطةفي الرواية الفائزة بجائزة جورج أورويل والتي دخلت اللائحة الطويلة للبوكر العالمية عام 2024، لا تنفصل صورة" الأب القائد" أو" الديكتاتور الأبدي" في بعض التجارب العربية، عن البنية النفسية بين الإنسان والسلطة، حيث يتحول الحاكم إلى بؤرة رمزيّة تبتلع الدولة وتعيد إنتاجها على هيئة امتداد وحشي لشخصه.
الحاكم المجرم بحق شعبه، ليس مجرد طاغية سياسي يسقط بسقوط حكمه، بل يتحول إلى ظلّ نفسي يرافق الإنسان، ليصبح المنفى القسري امتداداً للشعور بالتهديد، ويبقى الانتماء سؤالاً معلّقاً بين الذاكرة والاقتلاع.
تُكتشف كثافة الرواية عبر استعادة الأحداث في اللحظات القصوىما استقر في صدر خالد أثناء تظاهره من أجل الحرية والعدالة، لم يكن الرصاص وحده، بل فراغ لا حدود له لم تتمكن مساحات العالم من ردمه.
تلك الرصاصة جعلت من عودته إلى ليبيا مستحيلة، كما حلم مع صديقه حسام" أن نطأ الأرض القديمة معاً في اللحظة نفسها".
هذا الجرح لم يكن إلا بداية انقسام أوسع بين الأصدقاء في صيغ محتملة.
ينقسم المنفى ليس عبر ثلاثية الشخصيات الرئيسية في الرواية فحسب، وإنما من خلال ثلاثية القرار، وثلاثية الزمن الضائع بين الأمكنة.
يقرر مصطفى العودة إلى الوطن كفعل أخلاقي لا يحتمل التردد، كأن التاريخ يمكن استعادته إذا ما أُمسك به من جديد؛ بينما ينفتح حسام على جهة غير مرئية تقريبا، جهة مستقبل يتخيل فيه حياته العائلية في فلوريدا، تحت شمس أخرى، وأحلامه التي بدأت تتسع لسؤال: " كيف تفوح هناك رائحة أشجار الخشب الأحمر؟ " أما خالد" المتردد" فيبقى في حالة غياب، لكنه ليس غيابا تاما، بل حالة تزدحم فيها الشكوك وتتكثف، حتى تغدو أقرب إلى التنفُّس، ويظلُّ الألم في صدره" كضباب بارد يتمدَّد داخل الرئة".
لندن كما يقول، لا تعترف إلا باليقين والتصنيف، فهي ترسم الخط بين الشارع والرصيف وكأنه حقيقة علمية لا تقبل الجدل.
هناك يحتكُّ خالد بأشباحه اليومية عبر مدينة" صُنعت للظلال" لتتخذ روحه المعلّقة شكلها الأشد قسوة.
الكتابة بالفقد والحواس الداخليةصرَّح الكاتب هشام مطر في إحدى حواراته أنه يكتب ليتخلص من المادة الأولية لما كتبه حتى الآن، والتي هي حياته، لعله يتفرغ حينها للرواية التي ينتظر كتابتها.
ربما لهذا نجد أنه يؤلف سرداً منقسماً على نفسه لا يحاول أن يبرر فيه الحقائق المتناقضة، مثل" صديقه الحقيقي الوحيد" الذي اكتشف أنه من عائلة تلعنها وتنسبها إليها جميع الأطراف المتحاربة.
يكتب ليتخلص من المادة الأولية، وهي حياته، ليتفرغ حينها للروايةيكتب هشام مطر فقداً أبدياً، ومع ذلك تسحره تحولات المدن، والوجوه التي لا تفسير لها.
عبر شروخنا المشتركة يتلمَّس اللغة، وكأن هشاشتها هي الشكل الأكثر قابلية للتذكر.
من هنا، حين يكتب عن عودة خالد إلى بيت العائلة في بنغازي، البيت الذي صار ركاما، فإنه يستعيده بحواس لا يمكن استنفادها، ليتضح أمامه البيت المهدم في حضور حي.
رائحة البرتقال، وصوت إذاعة الـBBC العربية، وقصة صديقه حسام: تلك القصة المروعة عن قط يفترس بهدوء أطراف صاحبه ويترك له الجذع والرأس.
كل تلك الأطياف تحوم حول رأس الكاتب من الماضي الليبي الذي" كالجاذبية" لا يمكن الهرب منه، تلتئم مع الصوت المشوش لحركة الزمن، الصوت الذي يملأ قلبه بالرعب والفضول، في لندن، المدينة التي يُخيَّل للمرء أن الضوء فيها لا يهبط من السماء، بل يصعد من الأرض في أشعةٍ يتلاشى وهجها الوردي بين الغيوم، هي، بطريقة ما، " المكان الذي جاء إليه الكتّاب العرب ليموتوا".
لا تُكتشف كثافة هذا العمل الروائي من خلال قراءة مصير الشخصيات، فالكاتب أعلن، منذ الصفحة الأولى، أن الأصدقاء اجتمعوا في لقاء أخير، لكن عملية استعادة الأحداث في اللحظات القصوى، هي ما يجعل الكتابة فعل اختراق وألفة تكسر الحدود، كما يرى موريس بلانشو: " الكتاب لا يُكتب ليُنجز، بل ليبقى مفتوحاً على غيابه".
تلك هي ميزة الروح المعلَّقة في كتابات هشام مطر أيضاً، روح لا مكان لها، لكنها تتراقص عبر شكوكنا المضاءة.
حين يتبدَّد احتمال الوطن، وتنتهي صداقات على نحو لا يمكن اختزاله، يبقى الغياب صاخباً ومحتدماً كأنه قدم للتو، أو كأنه لا يكفُّ عن الولادة، كما يعبر الكاتب في مفتتح الفصل الأول" لا أحد أكثر قدرة على اختلاق الأوهام، ولا أكثر احتياجاً إليها، من أولئك الذين يتمنون ألّا يفترقوا أبداً".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك