الناشط الاجتماعي: لقب يمنَح بلا استحقاقفي زمن تكاثرت فيه الألقاب كما تتكاثر النجوم في السماء، صار لقب «الناشط الاجتماعي» و«الناشطة الاجتماعية» أرخص بضاعة تُباع في سوق الشهرة الرقمية.
يُطلَق على كل من هتف في ميدان، أو كتب تغريدة غاضبة، أو رفع لافتة في مظاهرة، فيُصفق له ويُنعت بالبطل، ويُمنح وسام «المدافع عن الحقوق»، وهو في الحقيقة لا يفقه من القيم الاجتماعية إلا هتافها، ولا يدري من أيديولوجيا المجتمع إلا صوتها الصاخب.
إن الناشط الحقيقي هو من جمع بين علم وخلق، بين فقه الواقع وفقه الشرع، بين فهم النفس البشرية وفهم السنن الإلهية.
أما من يركب موجة الغضب دون بوصلة، فهو كراكب زورق في بحر هائج بغير شراع ولا دفة، يظن أنه يقود السفينة وهو في الحقيقة يُقاد بها إلى التهلكة.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾لكن النصر الحقيقي ليس بالصوت العالي، بل بالعلم النافع والعمل الصالح.
إن الانتفاض للحق دون أدوات العلم كالذي يحارب بعدسات مكسورة؛ يرى العدو عملاقًا، وهو في حقيقته قزم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«مَن رأى منكم مُنكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
لكن تغيير المنكر لا يكون بتأجيج العواطف، بل يحتاج إلى علم ودراسة، فكم من منكر ظُنَّ معروفًا بسبب ناشط جاهل، وكم من معروف ظُنَّ مُنكرًا بسبب هتاف أجوف!إن علم الاجتماع ليس مجرد إحصائيات واستبيانات، بل هو فقه السنن الكبرى التي وضعها الله في خلقه.
وفن العلاقات الإنسانية ليس ابتسامة مصطنعة أمام الكاميرا، بل هو صدق المشاعر وصفاء السريرة.
وأساسيات الخدمة الاجتماعية ليست في رفع الشعارات، بل في إصلاح ذات البين، وتفريج الكربات، وستر العورات، وكفالة اليتيم، وإغاثة الملهوف.
أيها القارئ الكريم، الناشط الحقيقي هو من إذا تكلم أنصت له العقلاء، وإذا سكت خشيه الجهلاء، وإذا عمل بارك الله في عمله.
أما الذي يبيع الوهم بثمن الشهرة، فهو كالتاجر الذي يبيع زجاجًا مكسورًا على أنه ماس، يضحك على الناس ساعة، ثم يكشفه الزمن فيُصبح أضحوكة.
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه:«مَنْ تَكَلَّمَ فِي غَيْرِ فَنِّهِ أَتَى بِالْعَجَائِبِ»، أي: أتى بالأخطاء الفادحة والكوارث المُضحكة المُخجلة التي يتعجب منها العقلاء ويستهزئ بها السفهاء، فكيف بمن تجرأ على إصلاح أمة وهو جاهل بأبسط أدوات الإصلاح؟ !فيا أيها الشباب، نصيحة.
إذا أردتم أن تكونوا نشطاء حقًا، فابدأوا بالعلم قبل الصراخ، والخلق قبل الشهرة، والصبر قبل النتيجة؛ فإن الإصلاح ليس تغريدة، بل هو تربية أجيال، وبناء أوطان، وإحياء قلوب.
ويا أيها المجتمع، لا تُعطوا الألقاب جزافًا، فإن اللقب تكليف قبل أن يكون تشريفًا.
ومن أعطى لقبًا لمن لا يستحقه فقد شارك في تضليل الأمة.
نسأل الله أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك