قراءة في «خواطر سبعيني» لمحمد همام فكري ( 2-2).
كتاب الإجازة الصيفية: ذاكرة المقيم حين تكتب المكانيمكن أن يُقرأ كتاب «خواطر سبعيني.
ذكريات مقيم في قطر»، «منجّمًا» أو «متسلسلًا»، فالمؤلف لا يبني سلطته من التسلسل، بل من التراكم؛ وكل خاطرة وإن بدت مستقلة، تضيف طبقة جديدة إلى صورة المقيم والمكان.
وهذا ينسجم مع الرحلة نفسها، إذ لم تكن يومًا خطًا مستقيمًا، بل انتقال بين عوالم متشابكة في أزمنة متراكبة صاغت «قطر السبعيني»: الجامعة، السوق، الصحافة، البيئة، البر، رمضان، المجالس، دار الكتب، والمتاحف.
أمانة الشاهد وجدتني أمام محمد همام يفتح دفترًا ثالثًا يقع بين السيرة والشهادة، بين المذكرات والتوثيق، وبين أدب المكان وأدب الرحلة، منذ الصفحات الأولى يضع الكاتب قارئه أمام طبيعة هذا العمل حين يقول: «هذه الصفحات شهادة للتاريخ، واعتراف للذاكرة»، وهي عبارة تكاد تصلح مفتاحًا للكتاب كله؛ إذ لا تنفصل فيه الذاكرة عن التاريخ، ولا تنفصل المشاهدة عن المحبة.
وقد برع الكاتب في التوثيق بمنأى عن قسوة الحكم، يسجل المشاهد، الأسماء، الأماكن، التحوّلات، لكنه غالبًا لا يتعالى على موضوعه ولا يحاكمه.
لسنا بصدد تاريخ مجرد، بل رواية للتاريخ ليشكّل إضافة وتكملة لما نجده في الكتب أو المتاحف أو المواقع الإلكترونية: فالمتحف يعطيك الصورة، لكن الكاتب يعطيك الشعور الذي كان حول الصورة، والإنترنت يعطيك المعلومة، لكن الذاكرة تعطيك الرائحة، والحرارة، والخوف، والدهشة، والوجوه.
ومن لطائف الكتاب أن يصير الكاتب جزءًا من المشهد لا راوية أو حكمًا، كما لا يدّعي البطولة في ذلك المشهد، إذ حفل أسلوبه بالتواضع والصدق.
حيث إن قوة الكتاب ليست في أن يسرد فيقول «حدث كذا»، بل في أنه يكشف أين كان الكاتب من الحدث، وكيف تأثّر به، وكيف تغيّر داخله.
ولك أن تتخيّل محمد همام يراوح بين شخصية المؤرخ يسعى إلى إخفاء ذاته، ومحمد همام «الخواطرجي» الضيف خفيف الظلّ ينقل القارئ بين الشخصيات والأحداث كمن يضطلع بتعريفك وتقديمك لهم.
ولعلي سأستخدم استعارته حين صعد خشبة مسرح قطر الوطني ليحدّث الناس حول الشيخ المؤسس جاسم بن محمد بن ثاني، فيقول: «شعرت حينها أنني صرت جزءًا من هذا المسرح الذي رافقني لسنوات».
محبة لا تلغي الحنين أوغل الكاتب حين تحدث عن قطر بعاطفية ورومانسية، فيقول: «أرى قطر بعين المحب لا بعين الباحث»، لأنها تختصر تحوّل زاوية النظر من الموضوعية الباردة إلى المعايشة الوجدانية، لترافق في نفسه مصر ويكتب علاقة وجدانية مزدوجة.
تتداخل فيها المشاعر والهويات والروابط، مصر التي صاغته وحياة قطر التي صاغها، ليغدو مفهوم المقيم عنده ثريًا فاعلًا، فالمقيم وإن لم يمتلك المكان، لا يبقى خارجه.
«ذلك الكرم الهادئ هو ما جعلني أحب أهل قطر» في خاطرته عن «رمضان زمان» تحدّث عن الكرم بوصفه ممارسة يومية هادئة لا شعارًا عامًا، فالكتاب لا يحتفي بالقيم من خلال الوعظ، بل من خلال المشهد.
ولا يطلب من القارئ أن يصدّق أن أهل قطر كرماء؛ بل يرى الكرم في الموقف، والدعوة، والمجلس، والإفطار، والعلاقة الإنسانية.
وهو ما استدعاه في ذكريات الحج حين أنظره الحاج إرحمة الكواري إلى حين ميسرة.
حين تستعيد الأماكن وجوهها ومن الملاحظات الأساسية في الكتاب - برأيي - أنه يعج بالأسماء وأسماء الأماكن وربط المكان بالإنسان.
لا أراها تفصيلة شكلية؛ بل هي تقنية سردية وتوثيقية، يوظّفها الكاتب فلا يذكر الأماكن بوصفها خرائط، بل بوصفها علاقات.
شارع، سوق، نادٍ، مقهى، مطار، جامعة، مجلس، دار كتب؛ كلها تظهر مرتبطة بوجوه ومواقف.
فتلك الدوحة «لم تعد كما كانت» كما يقول بأكثر من صيغة، وعليه فإن الكتاب لا يحفظ المكان فقط، بل يحفظ صورته السابقة، ومعه مخيال الكاتب.
إنه يلتقط طبقة من الدوحة قد تختفي من الذاكرة البصرية للأجيال الجديدة.
أحداث لم تنتهِ بعد محمد همام عايش وصاغ الكثير من أحداث خواطره مع شخصيات في عوالم متوازية داخل قطر، ولكن مما استرعى انتباهي تنقّله الواعي بين «رحمه الله» و»شفاه الله» ليقرّر -ضمنًا - أن الكتاب لا يتعامل مع الماضي بوصفه ماضيًا مغلقًا تمامًا، فالشخصيات ما زالت حاضرة تعرف ما يحلّ بها، وأن الحدث لم يصبح أرشيفًا باردًا فيؤقّت الكتاب لنفسه بزمن خاص: ليس ماضيًا خالصًا، وليس حاضرًا خالصًا، بل زمن الذاكرة الحية.
حين تقلّب الصفحة الثمانين بعد المائتين وأنت تقرأ خاطرة «حالول مقهى الصيادين» فتتابع تفاصيل اللحظات التي حرص فيها الأمير الوالد الشيخ حمد - حفظه الله - على أن تبقى في ذاكرة المكان، تجد - فجأة دون سابق إنذار - أن الكاتب تركك هناك أمام رصيف البحر دون وداع.
ولعل من جميل ما في الكتاب - برأيي - أنه لا ينتهي كما تنتهي الكتب عادة؛ فلا خاتمة تغلق المعنى، ولا عبارة أخيرة تطوي التجربة.
كأن الكاتب، وقد سمّى نصه خواطر، أراد أن يترك الذاكرة مفتوحة: فصولها لم تنتهِ، والمقيم لا يزال يكتب، والقارئ مدعوّ لأن يضيف خواطره إلى خواطر السبعيني.
«خواطر سبعيني» الطبعة الأولى التي صحبنا بها محمد همام فكري في دفاتر الذاكرة ليست مكتملة لغزارة ما عايش وجرّب المؤلف، ولذا فإن الخواطر التي ما زالت بقلم الرصاص حان أوان تحبيرها.
ثم، إن من حسن صناعة الكتاب في طبعته القادمة أن يخرج محمولا في راحة اليد أصغر حجمًا وأقل وزنًا وورق غير صقيل، فهذا الكتاب رفيق المقهى والطائرة والأريكة، جماليته في أن يضاف لخفة ظل كاتبه خفة في صناعة الكتاب نفسه.
ولأن الكاتب وإن لم يقصد إلى التوثيق سبيلا فقد وثّق وأرّخ، ولذلك وجدتني أبحث عن ثبت لأسماء الأماكن والأعلام في نهايته يعينني على تذكر من عشت معهم في صفحات هذا الكتاب.
كتابك في الصيف مقيماً أو مسافراً أسلوب القصص والحكاية الذي برع فيه الكاتب يحملك في قراءة خفيفة بمعلومات لا بد منها، لا يضيرك أن تتوقف في مكان وأن تبدأ في غيره، أما الطبعة الإلكترونية فتحمد عليها وزارة الثقافة أن وفرتها مفتوحة المصدر.
الخاطرة في هذا الكتاب تجربة، والتجربة قصة، والقصة عنوان، والعنوان في النهاية قطر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك