هناك فارق شاسع بين أن تُشيِّد دولة مبنى جديدًا، وبين أن تُقيم شاهدًا على مرحلة كاملة من تاريخها.
فالأبنية، مهما بلغت ضخامتها، قد تتحول مع الزمن إلى كتل من الخرسانة، أما حين تتحول العمارة إلى لغة، ويصبح الحجر حاملًا لفكرة، فإنها تكتسب قدرة نادرة على مخاطبة الأجيال القادمة قبل أن تخاطب المعاصرين، وهذه هي الفلسفة التي يعمل بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ توليه حكم مصر، متمثلةً في بناء دولة قوية آمنة مستقرة، قادرة على حماية نفسها، مواكبة للتطور، وفي الوقت نفسه متمسكة بحضارتها وتاريخها.
من هنا، لا يمكن النظر إلى مقر القيادة الاستراتيجية (الأوكتاجون) في العاصمة الإدارية الجديدة باعتباره مجرد إضافة إلى خريطة العمران المصري، أو إنجازًا هندسيًا فحسب، بل بوصفه تعبيرًا عن رؤية دولة اختارت أن تكتب حاضرها بلغة المستقبل، دون أن تتخلى عن الأبجدية الأولى التي كتبت بها تاريخها.
ولعل هذا ما يمنح فلسفة التصميم في مقر القيادة الاستراتيجية معناها الحقيقي.
فاختيار الشكل المتوازن متعدد الأضلاع لا يبدو مجرد معالجة جمالية، وإنما يحمل دلالة تتجاوز حدود العمارة.
إنه تصميم يوحي بأن القوة ليست ضلعًا منفردًا، وإنما شبكة متماسكة من العناصر التي يكتمل بعضها ببعض، وأن الدولة الحديثة لا تقوم على مؤسسة واحدة، بل على منظومة تتكامل فيها المعرفة مع القرار، والتخطيط مع التنفيذ، والإرادة مع القدرة، وهذا هو نهج الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ توليه قيادة مصر.
فلم تكن عظمة مصر في كثرة جيوشها وحدها، ولا في اتساع حدودها فقط، ولا في مدى تقدمها واستقرارها، ولا في أمنها ووحدة شعبها فقط، وإنما في قدرتها الدائمة على بناء دولة تسابق عصرها، وتحافظ على توازنها في عالم لا يكف عن التغير.
واليوم، بينما تتسارع التحولات الإقليمية والدولية، وتتشابك التحديات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، يبدو واضحًا أن مفهوم القوة ذاته قد تغيّر.
فلم تعد القوة مجرد ما يُرى من سلاح، بل أصبحت أيضًا ما لا يُرى من أنظمة إدارة، ومراكز معلومات، وقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، واستعداد دائم لكل الاحتمالات.
ومن هنا تأتي قيمة هذا الصرح؛ فهو لا يختزل معنى القوة في صلابتها، بل في عقلها.
ولا يحتفي بضخامة البناء بقدر ما يحتفي بفلسفة التنظيم التي تقف خلفه.
فالدول التي تريد مستقبلًا آمنًا لا تنتظر الأزمات حتى تستعد لها، بل تبني مؤسساتها على أساس أن الاستقرار لا يُترك للمصادفة، وإنما يُصنع بالتخطيط، والعلم، والانضباط.
إن الأمم الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها كثيرًا.
يكفي أن تبني.
فالبناء هو اللغة الأكثر صدقًا في التعبير عن الإرادة.
وكل مشروع كبير يضيف صفحة جديدة إلى كتاب الوطن، وكل مؤسسة حديثة تقول للأجيال القادمة إن من سبقوكم لم يكتفوا بالحديث عن المستقبل، بل وضعوا أحجاره الأولى بأيديهم.
وفي هذا المعنى، تبدو العاصمة الإدارية الجديدة كلها امتدادًا لفكرة مصر القديمة، لا قطيعة معها.
فالحضارات لا تُقاس بتشابه المباني، وإنما باستمرار الفلسفة التي تنتجها.
وإذا كان المصري القديم قد واجه قسوة الطبيعة بالعمران، فإن المصري المعاصر يواجه تعقيدات العصر ببناء مؤسسات حديثة تستند إلى العلم والتكنولوجيا، لكنها لا تنسى أنها تنتمي إلى أقدم مدرسة في بناء الدولة عرفها التاريخ.
لقد اعتادت مصر أن تترك بصمتها على الأرض كلما مرت بمرحلة فارقة.
كانت تفعل ذلك بالمعابد، ثم بالقلاع، ثم بالسدود، والجامعات، والمدن، واليوم تفعله بمنشآت تعكس طبيعة القرن الحادي والعشرين.
أدوات البناء تغيرت، لكن الفكرة بقيت كما هي: دولة تعرف أن المستقبل لا يُورث، وإنما يُنتزع بالعمل، وأن الاستقرار لا تمنحه الظروف، بل تصنعه المؤسسات.
وهكذا، لا يصبح مقر القيادة الاستراتيجية مجرد مبنى تُدار منه الأعمال، وإنما رمزًا لإرادة وطن يرفض أن يعيش أسير أمجاد الماضي، ويصر في الوقت نفسه على ألا ينفصل عنها.
وطن يدرك أن الاعتزاز بالحضارة لا يكون بترديد تاريخها، بل باستكماله؛ وأن خير وفاء للأجداد الذين رفعوا أعمدة الحضارة الأولى، هو أن يواصل الأبناء رفع أعمدة الدولة الحديثة.
فالتاريخ لا يبتسم إلا لمن يملكون الشجاعة ليكتبوا فصلًا جديدًا فيه، وهذا ما يفعله الرئيس عبد الفتاح السيسى، ومصر، التي حفرت اسمها في ذاكرة الإنسانية بالحجر منذ آلاف السنين، بقيادة الأجداد، تبدو اليوم وكأنها تعود بقيادة الرئيس السيسى لتؤكد أن الرسالة لم تنتهِ، وأن الحضارة ليست ذكرى تُروى، بل مشروعًا يتجدد، وأن الوطن الذي علّم العالم كيف تُبنى الدولة، لا يزال يعرف كيف يبنيها… وكيف يحميها… وكيف يهيئها لمستقبل يليق باسمه وتاريخه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك