حتى لا يكتظ العقل بالتفاهةلعل أكبر وأعظم نعمة وهبها الله لعباده هي نعمة العقل، كموسوعة فكرية متعددة الخلفيات والقضايا والمواقف والحلول التي لم تجرب بعد، أو المجربة بغض النظر عن النتائج المحققة، ليتحول العقل البشري من محطة الإخفاق إلى محاولة إيجاد البدائل الملائمة، فيفعل الهالة الآدمية من زاوية الاختلاف والتميز، بحثا عن المكانة والفرصة.
وطبعا، حين تختلف وجهات النظر، وتتعدد الملاحظات، وتتنوع القناعات بين مؤيد لمسألة أو موقف وبين رافض ومنتقد، فإن الأخذ والرد يصبان في بوتقة التفكير اللامتناهي، لكنهما يبقيان محدودين في موسوعة التأمل اللامتناهية.
ويبقى الإنسان يشكل أحد النواميس المهمة في سيرورة نظام التفاعل المستمر، كونه المستفيد الأكبر مما يوجد فوق الأرض وتحتها، وما تدره السماء من مزنها، وما تحمله من أسرار في حركة كواكبها، إلا أنه يبقى تحت قيد شرط حسن استغلال النعم وتوظيفها على النحو الذي لا يشبع به حاجاته من أكل وشرب ونجاحات وإنجازات جديدة.
وسيرورة التعاطي مع نظام الحياة بأسهل الطرق وأنفعها هي ما يجب أن يتدبره الإنسان الساعي إلى أن يحيط نفسه بما يحتاجه دون تكاليف متعبة أو أضرار أو أخطاء، ولو أن هذه الأخيرة ليست معصومة منها، فعلى الأقل تلك الأخطاء التي يمكن استدراكها.
باعتقادي أن انحدار السلالات الأخيرة، بانقطاعها عن التواصل المباشر مع بعض التقاليد والأعراف، خلق فجوة في الترابط بين الماضي والحاضر، في تمتين العلاقات الاجتماعية، لا أن تتبدل نحو نمط تفكيري وسلوكي مغاير تماما لحقيقة السلالة الأصليةإن التنوع في كيفية التعاطي مع الأحداث المحيطة بالإنسان، بغض النظر عن هويته وكفاءته ومستواه الإدراكي، هو دليل على اختلاف أسس التربية وحجم المهارات المكتسبة، انطلاقا من طريقة تعامل الأشخاص مع ذواتهم.
فقد كان العالم، ولا يزال، يعج بالقضايا الحاسمة التي هي اليوم مبطنة بمقترحات حلول عالقة، ومؤجلة لحين فك شفرات التوافق مع الأزمات والمشكلات والقضايا العالقة.
ولا يسعنا إلا أن نذكر القليل منها، كظاهرة الحروب المشتعلة اليوم، فالكثير من النزاعات يحقق النصاب الكافي من الأدلة التي تعطينا الصورة النمطية لطريقة تفكير إنسان هذا العصر مع المستجدات الدولية، بغض النظر عن اختلاف اللغة والهوية والجنسية والمبادئ، فالمستهدف واحد، وهو الإنسان، الذي أوكل الله إليه مهمة الإصلاح والتعمير في هذا الكون.
فنحن اليوم نقف على مسافة آمنة، ونراقب ما يحدث حولنا من مغالطات وفتن وسلوكيات تتنافى مع القيم التي غرستها فينا التربية القديمة، الباقية جديدة في عنوانها، على الرغم من أن البعض يراها لا تليق بمتطلبات هذا العصر.
إلا أنه من التفاهة القول إن تطور التكنولوجيا وولوج التقنية الحديثة إلى المنازل، بمعداتها ومستعمراتها الفكرية، وتقاليد تغيير النمط التربوي للإنسان المسلم تحديدا، هي بمثابة الركائز التي تتحقق بها الرفاهية، في زمن يحتم ضرورة التوقف لمراجعة بعض المواقف والقضايا التي لم تكن موجودة سابقا، ووجب علينا الوقوف معها بعمق وتركيز في مآلات الأمور، والتي غالبا ما تنتهي بالمغرر بهم إلى الندم، وبقليلي الحيلة إلى التراجع، وبالمفرطين في استعمال العاطفة والاندفاع المشاعري إلى ضبط قواعد التوازن لديهم.
إن ما تروجه الآلة العصرية الحديثة، ممثلة في مشاريع متطورة للتقنية الحديثة كتطبيقات الذكاء الاصطناعي، جعل البعض يتأخر ولا يواكب سيرورة المشاريع من أجل فهم القواعد الصحيحة التي تحكمها، والتي قد لا تكون ظاهرة للعيان أحيانا، مما يستوجب على العقل اليوم ألا يترك مساحة للتفاهة لتغطي الحيز المخصص لتدبر مخرجات إفرازات التطور العلمي الحديث.
فما يليق بغيرنا من الدول في مناهجها التربوية والصحية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية قد لا يليق بنا، وبما أنه لا يليق بنا، فلا يجب أن تغرق الإرادة في إصدار القرارات المسبقة أو الأحكام الخاطئة بحجة ملء الفراغ، من سوء فهم أو سوء توجيه لمعطيات التحديث العولمي نحو المزيد من المهالك.
وما دام رصيد العقل البشري عامة قد تم تحديد مجال تفكيره في ضمان العيش بكفالة مقبولة في الأمن الغذائي والصحي، دون الإحاطة اللازمة بما يحيط بالكيان البشري من تهديدات طبيعية كالاحتباس الحراري، أو اقتصادية كارتفاع الأسعار والندرة في بعض المواد الاستهلاكية، فإن ما كنا نتوقعه ولا نراه واقعا معاشا صار اليوم حقيقة معاشة وملموسة الأثر، لأننا نتخبط في لوغاريتمات تعقيدات مفرزات التقدم التكنولوجي، والمضي نحو الاكتشاف العلمي دون مراعاة ضوابط السلامة، وعدم وضوحها بالمنهج والمستوى اللذين يمنحان المنظومة العالمية اليوم تحقيق رغبتها الجامحة في السيطرة العالمية، على حساب التفاهة الموجودة في حيز العقول، والتي يرفض أصحابها أن يفهموا مآلات التحديثات والاكتشافات والتجارب العلمية بصفة عامة.
فبدون تحديد لهوية من يحجزون فراغا في عقولهم، يصبح الكيان البشري لا يتفاعل ضد المخاطر المحتملة لصدها أو التقليل من تأثيراتها السلبية على وحدة الأسرة ومختلف فئات المجتمع وشرائحه، وبالتالي، كعلاقة متعدية، على الأمة ككل.
فيصبح أصحاب الأقلام في مهمة صعبة بشقيها الأدبي والواقعي؛ الأدبي بسبب الرحلة المضطربة بحثا عن الأفكار اللائقة لمواضيع آخر الزمان هذه، فليس ما تم طرحه سابقا من أفكار سيصلح حتما لطرحه اليوم، فالتغييب العمدي لبعض التصورات التي يريد البعض إسقاطها كواقع معاش قد لا يصلح مع عصر سريع الإيقاع والتقنية، عصر يركز فيه المقبل على ضغوطات الحياة بتحصيل النتائج دون البحث عن الطريقة الصحيحة لذلك.
لأن نسق الحياة تبدل، وتفكير الناس اليوم مشتت بين محاولة الرجوع إلى الأصل بوصفه منهاج حياة مريحا وبأقل التكاليف، وبين اللحاق بالركب التكنولوجي الضاغط على الأعصاب، لدرجة أن يتبلد العقل، فتشغل التفاهة مكان بعض الأمور المهمة، فتتيه الخلائق فيما لا يعود عليها بالنفع، نتيجة لعدم الاحتراز وسوء الإحاطة بحجم التهديدات مهما تنوعت.
وما نشاهده اليوم من مساحة فارغة ومتاحة في كل وقت لشغلها بسفاسف الأمور، يقابله رفض ولاة الأمور، والمؤؤولون عبر جبهات الكفاح، أن يسدوا الخلل الموجود، بسبب تغير رؤيتهم وتأخر بصيرتهم، إن لم نقل انعدامها تماما، في قراءة المشاهد اليومية بمنظار التحري والدقة، لأن المال استُخدم وسيلة وحلا وضمانة لإسكات الأصوات المرتفعة اليوم، التي تعادي دواخل الأفكار وسذاجة السلوكيات، في نسق حياتي جدير بالمحافظة على ضوابطه الموروثة من الأجداد.
وباعتقادي أن انحدار السلالات الأخيرة، بانقطاعها عن التواصل المباشر مع بعض التقاليد والأعراف، خلق فجوة في الترابط بين الماضي والحاضر، في تمتين العلاقات الاجتماعية، لا أن تتبدل نحو نمط تفكيري وسلوكي مغاير تماما لحقيقة السلالة الأصلية.
وفي تراتيب التصرفات والأحكام لدى الأشخاص الذين يميلون نحو اليسر والمتاح، هو أمر بالغ الأهمية في دق ناقوس الخطر، معلنين بذلك ضرورة إيجاد بوصلة ثابتة، صارمة وقوية، لا تنحني أمام رياح التغريب أو الخلافات التي تظهر لأسباب تافهة ولا قيمة لها.
فهذه البوصلة هي الكفيلة بألا تترك فرصة للتفاهة أن تحتل الحيز الأكبر من العقل البشري، ولا من القلب ولا من المشاعر، لأن التفاهة وسوء التقدير للأشياء يولدان السذاجة، وهي بدورها تولد التبلد الذي يحول دون نجاح المرء في مشاريع حياته المصيرية، كالعمل والدراسة، على سبيل المثال لا الحصر.
إن العقل الواعي يرفض الترويج للتفاهة، أيا كان موضوعها، على خلاف استقبال ما يمنحه الكون من عطاءات تتحول إلى نجاح مشاريع، مع حسن الاستفادة منها، حتى لا تتحول مع مرور الوقت، ومع سوء الاستثمار، إلى تفاهة مزمنة يصعب علاجها أو احتواؤهاوكما قال آلان دونو، أستاذ الفكر النقدي، في كتابه «نظام التفاهة»: " عندما يتم إنتاج المعرفة بمهارة حتى تمتثل للأيديولوجيا، فإن كل شيء يتآمر لإنكار الحالة التي نكون عليها".
كما يعقب الكاتب، في زاوية التقصير السياسي، متسائلا عما يمكن فعله، ويجيب بأن السؤال يرفع من وعينا الاجتماعي والسياسي، وهو بمثابة نقطة الصفر التي يمكن من خلالها بلورة أسبابنا الداعية إلى الهروب من أنفسنا.
ويبقى أساس العودة إلى الأصل هو مواجهة الواقع بكثير من الشجاعة والتحدي، وبخفة تركيز لبواطن المخاطر التي قد لا تكون بادية في سياق التعاطي مع المستجدات الحاصلة.
أما القديم من الذكريات، فيبقى بمثابة الرصيد الذهبي، الذي لو أتيحت لنا فرصة مرة أخرى لأعدنا نبض الحياة فيه من جديد، وبلا تفاهة احتواء، حتى لا نفقد نكهة الاستمتاع مرتين: مرة بالفرص الغالية التي لا تأتي إلا في شكل حظ، ومرة في تجريب فكرة لتتحول إلى مشروع حياة.
وعلى قلة الفرص اليوم، فإن العقل الواعي يرفض الترويج للتفاهة، أيا كان موضوعها، على خلاف استقبال ما يمنحه الكون من عطاءات تتحول إلى نجاح مشاريع، مع حسن الاستفادة منها، حتى لا تتحول مع مرور الوقت، ومع سوء الاستثمار، إلى تفاهة مزمنة يصعب علاجها أو احتواؤها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك