عند الساعة الحادية عشرة و57 دقيقة من ليل 16-17 إبريل/ نيسان الماضي، أي قبل ثلاث دقائق من دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله حيّز التنفيذ، قتل الطيران الإسرائيلي أربعة أفراد من عائلة محمد ح.
، خلال قصف استهدف المنطقة السكنية التي يقيمون فيها بمدينة صور، جنوبي لبنان، وراح ضحيته عشرات المدنيين من سكّان خمسة مبانٍ دُمّرت بأكملها.
من هذه الواقعة، تنطلق الشكوى التي تقدّم بها، في باريس، المحامي إيمانويل داود، باسم محمد ح.
، وهو مواطن فرنسي لبناني مقيم في فرنسا، سعياً لدفع القضاء الفرنسي إلى فتح تحقيق في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ومحاسبة كل المسؤولين عن القصف.
ويوضح داود، لـ" العربي الجديد"، أن الشكوى، وإنْ أودعت ضد مجهول، صيغت، لا لتقود فحسب إلى الحلقة الأدنى من العسكريين الذين نفذوا الغارات، بل قبل ذلك، إلى الذين أعطوا الأوامر ووفّروا لها الغطاء، وصولاً إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ويقول المحامي إن موكله يريد من خلال الشكوى" وضع حد للإفلات الإسرائيلي من العقاب"، وتحديد هوية المسؤولين عن القصف ومحاكمتهم أمام القضاء الفرنسي.
ويشرح أن لجوء محمد ح.
إلى القضاء في باريس، يستند إلى مدخلين قانونيين، أولهما أنه يحمل الجنسية الفرنسية ويقيم في فرنسا، ما يعطي القضاء الفرنسي شرعية مباشرة للتدخل في الملف، حتى ولو ارتُكبت الجريمة في لبنان، وثانيهما أن الشكوى تعرض هذه الوقائع بوصفها من أخطر الجرائم الدولية التي يتيح القانون الفرنسي ملاحقتها، حتى عندما تقع خارج أراضيه، عملاً بمبدأ" الاختصاص العالمي".
وإذا قُبلت الشكوى، فإن داود وموكله ينتظران فتح تحقيق أمام القضاة المختصّين في باريس، بما يتيح جمع الأدلة والاستماع إلى الشهود، وتتبع مسار القرار الذي قاد إلى قصف المباني السكنية في صور.
وفي الشق المتعلق بالضحايا، تستند الشكوى، التي اطلع عليها" العربي الجديد"، إلى شهادات وفاة، ووثائق مدنية عائلية، لإثبات صلة محمد ح.
بأربعة من الضحايا، هم والدته وشقيقته وطفلا شقيقته.
وتورد أن والدته انتُشلت من تحت الأنقاض وهي لا تزال حية، ونُقلت إلى المستشفى مصابةً بجروح خطيرة، قبل أن تفارق الحياة في 20 إبريل/ نيسان، وفق الوثائق المرفقة بالملف.
وتشير أيضاً إلى أن الشاكي، الذي أُبلِغ بالواقعة بينما كان في فرنسا، توجّه فوراً إلى لبنان، وعاين تدمير مبنى العائلة، وحجم الخسائر البشرية التي خلّفتها الضربة.
وتعزّز الشكوى توصيفها للغارة بثلاثة عناصر رئيسية، هي غياب أي إنذار أو تحذير قبل القصف، والطبيعة السكنية للمباني التي دُمّرت، وعدم توفر ما يثبت استخدامها لغاية عسكرية.
وتنقل عن أحد شهود العيان قوله إن الشارع كان معروفاً بأنه شارع مدني تسكنه عائلات فقط، وإنه لو كان في المكان مقاتلون، " لكان الناس قد وجدوا تفسيراً ربما" للقصف، لكنّ الأمر لم يكن كذلك، قبل أن يضيف أن ما حصل كان" مجزرة" بحق السكان.
ويرى داود أن هذه النقطة شديدة الأهمية، لأن السلطات الإسرائيلية لم تعلن، عند تنفيذ الضربة، أن المباني التي دمّرتها كانت تضم مقاتلين أو منشآت عسكرية، ولم تقدّم ما يبرّر ضربها بهذه الكثافة، وفي هذا التوقيت.
وتضع الشكوى هذه الواقعة ضمن سياق أوسع يتمثل بطريقة إدارة إسرائيل حربها على لبنان وعملياتها العسكرية على أراضيه، منذ مطلع مارس/ آذار الماضي.
فما جرى في تلك الليلة، وما دفعت عائلة محمد ح.
حياتها ثمناً له، يتشابه مع نمط متكرر من القصف على مناطق مدنية ومبانٍ سكنية ومرافق صحية، رافقته حركة نزوح جماعي واسعة.
ومن هنا، تطلب الشكوى من القضاء الفرنسي النظر إلى الضربة باعتبارها واقعة موثقة لا يمكن فصلها عن سياق ترى أنه حريّ بالتحقيق على أساس تهمتَي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
ويشرح داود أن الجمع بين التوصيفين في الشكوى ليس تفصيلاً قانونياً شكلياً.
فإذا نظر القضاء إلى قصف صور على أنه واقعة قائمة بذاتها، فإن مقتل مدنيين وتدمير مبانٍ سكنية من دون إنذار أو هدف عسكري موثق، يفتحان باب التحقيق في جريمة حرب.
أما إدراج الغارة ضمن سياق القصف الإسرائيلي على لبنان، من جنوبه إلى العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية، وما رافقه من إخلاءات، ونزوح، وتدمير لمبانٍ وأحياء مدنية، فيدفع الملف إلى مستوى آخر، بحيث لا يعود السؤال محصوراً في ضربة بعينها، بل في كون هذه الضربة جزءاً من هجوم واسع ومنهجي على السكان المدنيين، بما يفتح الباب على تحقيق في وقوع جرائم ضد الإنسانية.
ولتدعيم هذا البعد، تستند الشكوى إلى تقارير أممية وحقوقية وصحافية عن الضربات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية منذ بداية مارس/ آذار، وعن تضرر أحياء سكنية ومرافق صحية وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.
وأحصت أرقام وزارة الصحة اللبنانية، حتى منتصف يونيو/ حزيران، 3783 شهيداً و11699 جريحاً، وتشير إلى نزوح أكثر من مليون شخص، وإلى تضرر مستشفيات، ومراكز علاجية، ومقتل عاملين في الإسعاف والقطاع الطبي.
وتتوقف الشكوى، بصورة خاصة، عند يوم 8 إبريل/ نيسان الدموي، الذي بات يُعرَف بـ" الأربعاء الأسود"، حين شنّت إسرائيل أكثر من 100 ضربة خلال عشر دقائق على مناطق عدة في لبنان، بما فيها أحياء مدنية مكتظّة بالسكّان وبنى ومرافق مدنية، متسببة بمقتل ما يزيد على 350 شخصاً.
كذلك تستحضر أوامر الإخلاء الواسعة، وتصريحات وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، عن منع عودة مئات الآلاف من سكان جنوب لبنان إلى بيوتهم جنوب الليطاني، وعن تسريع هدم منازل في القرى الحدودية.
وتكمن أهمية هذه الوقائع، بالنسبة إلى فريق الدفاع، في ما تكشفه عن سياسة تجعل من القصف والإخلاء وهدم البيوت أجزاء مترابطة ضمن سلسلة واحدة، لا وقائع متفرقة.
ملاحقة كل سلسلة المسؤولية من لحظة القرار حتى التنفيذومن هنا، يصر داود على أن المطلوب من القضاء الفرنسي ليس تحديد منفذي الضربة وحدهم، بل الوصول إلى" كل سلسلة المسؤولية"، من الذين خططوا وأمروا ونفذوا، إلى الذين وفروا الغطاء السياسي أو العسكري.
فالمسألة، بالنسبة إليه، لا تقف عند تسجيل ما جرى في صور، بل تدفع إلى مساءلة القرار السياسي والعسكري الذي جعل قصف مبانٍ سكنية أمراً ممكناً في الدقائق الأخيرة قبل وقف إطلاق النار.
وعن الخطوة التالية، يقول داود إنه، إذا قُبل الملف، سيُفتَح تحقيق أمام الفرع القضائي المتخصص في الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في باريس، بما يسمح بتوسيع عناصر الملف واستكمال ما يحتاجه من وثائق وشهادات وخبرات.
ويؤكد المحامي لـ" العربي الجديد" أن تحركات حقوقية وقضائية مماثلة قد ترى النور خلال الفترة المقبلة، بعدما تواصلت معه عائلات وأشخاص آخرون للسؤال عن إمكان تقديم شكاوى ضد إسرائيل، وهو يرجّح تقديم شكاوى جديدة بين سبتمبر/ أيلول وأكتوبر/ تشرين الأول المقبلين، باعتبار أن تحضير هذا النوع من القضايا يأخذ وقتاً، لأنه يحتاج إلى تدقيق كبير وبحث معمّق.
ويعرف إيمانويل داود الحساسية الكبيرة التي يقوم عليها استهداف مسؤولين إسرائيليين قضائياً في فرنسا.
إذ يستعيد، في حديثه إلى" العربي الجديد"، ما تعرض له بعد تحرك سابق مرتبط بالمحكمة الجنائية الدولية وطلب ملاحقة قادة إسرائيليين، حيث تعرض لتهديدات وهجمات واتهامات بمعاداة السامية، أو بالعمل لمصلحة جهات معادية لإسرائيل.
لكنه يقول إن ذلك لا يغير جوهر ما يسعى إليه في ملف محمد ح.
، خصوصاً أن الشكوى هنا تستند إلى ضحايا محددين ووثائق وفاة وشهادات حية ووثائق حقوقية.
وفي سؤال" العربي الجديد" عن حال محمد ح.
وهو يرى مأساته ومأساة عائلته تتحول إلى قضية تُتابَع على نحو واسع في وسائل الإعلام، يقول داود إن" ما يشغل موكلي ليس الثأر.
كل ما يريده هو أن تُقام العدالة وأن يُحدَّد المسؤولون في القضية ويُحاسَبوا، إن كانوا قد شاركوا فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة".
وينقل عنه رسالة مفادها أنه، حتى لو كان المرء" مواطناً عادياً"، فلا يجوز أن تُقتل عائلته ويبقى الفاعلون بلا حساب، " لأن حياة اللبنانيين مهمة، وحياة الأطفال اللبنانيين مهمة، وحياة النساء اللبنانيات مهمة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك