تترقب الأوساط السياسية والشعبية في العراق وصول نعش المرشد الإيراني علي خامنئي إلى مدينتَي النجف وكربلاء جنوبي البلاد، الأربعاء المقبل، ضمن محطات مراسم التشييع الممتدة لستة أيام، والتي بدأت بالفعل في طهران وستنتهي في مدينة النجف جنوبي العراق.
وفي الوقت الذي تسعى السلطات العراقية لترتيب الإجراءات اللوجستية والأمنية، يُخيم على المشهد السياسي في بغداد مناخ من الحذر السياسي الشديد والترقب بين كبار القادة والمسؤولين، خصوصاً بما يتعلق بالمشاركة في هذا التشييع، دون تفسير ذلك على أنه اصطفاف، تحاشياً لتصنيف أميركي بدا حاضراً بقوة في المشهد العراقي خلال الأشهر الأخيرة.
وبدأت جهات مختلفة في العراق، أبرزها" الحشد الشعبي" بالتنسيق مع العتبات الدينية في مدينتَي النجف وكربلاء، الاستعداد لتأمين مسار موكب التشييع وضمان انسيابية حركة الحشود الشعبية المتوقع مشاركتها.
وتتضمن الخطة الأمنية إغلاقاً للطرق الحيوية وتكثيف الانتشار الاستخباري لحماية الوفود الرسمية والشعبية.
أما على الجانب الديني، أشارت مصادر لـ" العربي الجديد"، إلى أنّ" موكب التشييع سيضم ممثلين عن المرجعيات الدينية الشيعية في العراق، انطلاقاً من العرف الحوزوي والتقليد الديني المتبع في وداع الشخصيات الفقهية الكبرى، وهو حضور يُصنف ضمن الإطار الديني البحت بعيداً عن المواقف السياسية".
لكن على المستوى السياسي تسعى قوى سياسية عديدة لتجنب مواقف تُفهم على أنها اصطفاف ضد الولايات المتحدة، خاصة وأن الاستعدادات تتضمن شعارات معادية لواشنطن، وإحراق للأعلام الأميركية.
وعلم" العربي الجديد"، أنّ عدداً من القوى والشخصيات السياسية العربية الشيعية، لن تشارك بالتشييع وستكتفي بحضورها أو ممثلين عنها في تشييع طهران المركزي، بينما قرّرت قوى عربية سنية لها حضور وازن بالبرلمان عدم المشاركة، إلى جانب قوى مدنية، تجنباً لأي إحراج سياسي تتعرض له، في ما يتعلق بعلاقتها مع الولايات المتحدة التي باتت أكثر حضوراً وتأثيراً بالعراق خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، تحت أدوات العقوبات الاقتصادية، ورفض مشاركة أطراف بعينها بالحكومة الحالية.
وقال علي الساعدي الناشط في المجلس الأعلى الإسلامي، بزعامة همام حمودي، إنّ" أعضاء برلمان ووزراء وقادة أحزاب سيشاركون في تشييع خامنئي في كربلاء والنجف، وسينشرون مواقفهم في بيانات وتغريدات في محاولة لتعضيد الوضع الاجتماعي والديني العراقي تجاه شريحة كبيرة من العراقيين الذين سيشاركون في التشييع"، معتبراً أن الولايات المتحدة لن تنظر إلى هذه المشاركة على أنها اصطفاف إلى طهران، إنما جزء من خيار داخلي عراقي.
وأضاف الساعدي لـ" العربي الجديد" أن" واشنطن تعرف العمق التاريخي والديني الذي يربط العراق بإيران، بالتالي فإنّ الحديث عن الحذر السياسي صحيح، لكن ليس عند الأحزاب الشيعية، إنما قد يكون عند أحزاب المكونات الأخرى".
وبدأت مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي رسمياً، يوم الجمعة الماضي في إيران، بعد أكثر من أربعة أشهر على اغتياله في هجوم شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على مقر إقامته في العاصمة الإيرانية في 28 فبراير/شباط الماضي.
ووُضعت جثامين خامنئي وأربعة من أفراد عائلته، قتلوا معه في الهجوم نفسه، على منصة داخل قاعة المصلى الكبير في طهران، إيذاناً ببدء مراسم الوداع.
وشاركت وفود عربية وغير عربية في مراسم التشييع، من بينها وفود عراقية ضمّت قادة الحشد الشعبي وآخرين من الفصائل وبعض العشائر، وزعماء أحزاب، بالإضافة إلى رئيس الجمهورية نزار آميدي ورئيس البرلمان هيبت الحلبوسي.
ووفق جدول مراسم التشييع الممتدة لأيام عدّة، سينتقل الجثمان من إيران إلى العراق يوم الأربعاء، 8 يوليو/تموز الجاري، إذ ستشمل مراسم التشييع في العراق محطتَين رئيسيتَين هما مدينتا النجف وكربلاء، قبل أن يعود الجثمان مجدداً إلى إيران ليدفن في مدينة مشهد يوم الخميس.
ورغم الاستعدادات الأمنية والسياسية والمبادرات الاجتماعية في العراق، إلّا أن الحكومة العراقية لم تتحدث في أي تصريح أو بيان رسمي عن إجراءات التشييع، ولا توجد بوادر وفق مصادر" العربي الجديد"، عن مشاركة رئيس الحكومة علي الزيدي في المراسم.
من جانبه، بيّن الباحث في الشأن العراقي علي الهاشمي أن" إيران تريد أن يكون تشييع خامنئي في كربلاء والنجف كبيراً، ويحمل أبعاداً سياسية ودينية وشعارات انتصار لمحور المقاومة، عبر الجموع الشعبية والنخب العراقية والسياسية، لإرسال رسالة إلى العالم وتحديداً إلى الولايات المتحدة التي تمارس ضغطاً هائلاً على العراق لإنهاء الفصائل"، معتبراً أن" تشييع جثمان المرشد الإيراني السابق سيظهر الحلفاء والأصدقاء العراقيين لإيران، وقد يدفع بوجوه سياسية ربما من جميع المكونات إلى واجهة المشهد العراقي، بالتالي فإنّ هذا التشييع ليس تشييعاً، بل حفل لمعرفة الصديق من المتخاذل بالنسبة لإيران".
ولفت الهاشمي في حديث لـ" العربي الجديد"، إلى أنّ" التوقعات الأولية تفيد بأن التشييع سيشهد مشاركة نحو 5 ملايين مشارك، والأهم من الجموع الشعبية هي الوجوه السياسية والحشدية (من الحشد الشعبي) وفصائل المقاومة، لأنّ هذا الحدث لن يكون عابراً وقد لا يقابل بردّات فعل أميركية مباشرة، لكنه سيوفر انطباعات إيرانية وأميركية بشأن حجم النفوذ الحقيقي في العراق، ولا سيّما أنه يأتي قبل أسبوع من زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن، ما سيضع أمامه صورة واضحة عن حجم التأثير الإيراني في الواقع العراقي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك