يناقش الباحث د.
كريم الماجري، في دراسته «قانون البحار والنظام القانوني للمضايق الدولية: دراسة تطبيقية على مضيق هرمز»، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، الإطار القانوني الذي يحكم المضايق الدولية، مع التركيز على الوضع القانوني لمضيق هرمز، ومدى مشروعية الإجراءات التي يمكن أن تتخذها الدول المشاطئة، وفي مقدمتها إيران، تجاه الملاحة الدولية، في ضوء اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والفقه والقضاء الدوليين.
ترى الدراسة أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وما صاحبها من تهديدات بإغلاق مضيق هرمز، أعادا إلى الواجهة نقاشًا قانونيًا يتجاوز التطورات العسكرية المباشرة إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بطبيعة النظام القانوني الذي يحكم المضايق الدولية.
list 1 of 2حصر السلاح في العراق.
اختبار الدولة الأصعبlist 2 of 2مغامرة اتفاق الإطار اللبناني–الإسرائيلي.
أهداف غير قابلة للتحققفمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي تستخدمه الدول المطلة على الخليج، وإنما يمثل أحد أهم الشرايين البحرية للاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز والتجارة الدولية، الأمر الذي يجعل أي تطور يتعلق بحرية الملاحة فيه قضية تمس المجتمع الدولي بأسره.
ومن هذا المنطلق، تسعى الدراسة إلى بيان الحدود الفاصلة بين سيادة الدول الساحلية وحق المجتمع الدولي في استمرار الملاحة، ومدى مشروعية التهديد بإغلاق المضيق أو فرض قيود على استخدامه.
أولًا: قانون البحار… كيف نشأ النظام القانوني للمضايق الدولية؟تستعرض الدراسة التطور التاريخي لقانون البحار، موضحة أنه انتقل من مرحلة الأعراف البحرية التقليدية إلى مرحلة التقنين الدولي، بدءًا من اتفاقيات جنيف لعام 1958، وصولًا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي أصبحت المرجع الرئيس لتنظيم مختلف المناطق البحرية.
وترى أن هذه الاتفاقية نجحت في تحقيق قدر من التوازن بين حق الدولة الساحلية في ممارسة سيادتها على بحرها الإقليمي، وبين ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة في الممرات البحرية التي تؤدي وظيفة دولية، وهو ما منحها مكانة" دستور البحار" في الفقه القانوني المعاصر.
وتوضح الدراسة أن فهم النظام القانوني للمضايق الدولية يقتضي التمييز بين نظامي المرور البريء والمرور العابر.
فالمرور البريء يطبق في البحر الإقليمي ويمنح الدولة الساحلية صلاحيات أوسع في تنظيم الملاحة، بينما يمثل المرور العابر نظامًا خاصًا بالمضايق المستخدمة للملاحة الدولية، ويمنح السفن والطائرات حقًا أصيلًا في العبور المتواصل والسريع، بحيث لا يجوز للدول المشاطئة تعليق هذا الحق أو تعطيله أو تحويله إلى نظام يقوم على الإذن المسبق أو الاعتبارات السياسية.
وترى الدراسة أن هذا النظام جاء لمعالجة الطبيعة الاستثنائية للمضايق الدولية، التي تؤدي وظيفة تتجاوز المصالح الوطنية للدول المطلة عليها إلى خدمة الملاحة العالمية بأكملها.
كما تبين الدراسة أن اتفاقية عام 1982 وضعت قواعد دقيقة لتنظيم الملاحة في المضايق، فأجازت للدول الساحلية اتخاذ تدابير فنية تتعلق بسلامة الملاحة وحماية البيئة، لكنها في المقابل حظرت عليها تعطيل المرور أو فرض رسوم أو تمييز بين السفن، لأن الهدف من الاتفاقية كان منع تحويل السيادة الإقليمية إلى وسيلة لعرقلة الاتصال البحري الدولي.
ثانيًا: مضيق هرمز… ما هو وضعه القانوني؟ينتقل الباحث إلى تطبيق القواعد العامة لقانون البحار على مضيق هرمز، موضحًا أن المضيق يربط الخليج العربي بخليج عُمان ثم بحر العرب، ويُعد من أكثر الممرات البحرية ازدحامًا وأهمية في العالم، إذ تعتمد عليه دول الخليج بصورة رئيسية في تصدير النفط والغاز، كما تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة البحرية العالمية.
ومن هذه الأهمية الاستراتيجية، يكتسب مضيق هرمز وضعًا قانونيًا خاصًا بوصفه مضيقًا يستخدم للملاحة الدولية، وهو ما يجعله خاضعًا لنظام المرور العابر المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وتوضح الدراسة أن السواحل المطلة على المضيق تتوزع بين إيران وسلطنة عُمان، وأن البحر الإقليمي للدولتين يغطي كامل عرض المضيق، وهو ما يجعل السفن العابرة تمر داخل المياه الإقليمية للدولتين، دون أن يفقد ذلك المضيق صفته الدولية.
وتؤكد الدراسة أن القانون الدولي حسم هذه المسألة عندما قرر أن المضايق التي تصل بين جزء من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة وجزء مماثل تخضع لنظام المرور العابر، بما يضمن استمرار الملاحة الدولية دون انقطاع.
وتستعرض الدراسة موقف إيران من اتفاقية قانون البحار، مبينة أنها وقعت على الاتفاقية لكنها لم تصادق عليها، وهو ما دفعها إلى إعلان تحفظها على بعض أحكام المرور العابر، واعتبار أن الاستفادة من هذا النظام تقتصر على الدول الأطراف في الاتفاقية.
غير أن الباحث يرى أن هذا الموقف لا يغير من الطبيعة القانونية للمضيق، لأن نظام المرور العابر أصبح، في جانب كبير منه، جزءًا من قواعد القانون الدولي العرفي التي تلتزم بها الدول، فضلًا عن أن المجتمع الدولي تعامل عمليًا مع مضيق هرمز باعتباره مضيقًا دوليًا لا يجوز إخضاع الملاحة فيه لإرادة دولة بعينها.
كما تؤكد الدراسة أن الدولة الساحلية، رغم تمتعها بالسيادة على بحرها الإقليمي، لا تملك سلطة تعطيل المرور العابر أو اشتراط الحصول على إذن مسبق لعبور السفن، وإنما يقتصر دورها على تنظيم الجوانب الفنية المتعلقة بسلامة الملاحة، وحماية البيئة البحرية، ومنع التلوث، بما لا يؤدي إلى عرقلة الحركة البحرية أو التمييز بين السفن.
وترى الدراسة أن هذا التوازن يعكس فلسفة قانون البحار، التي تسعى إلى التوفيق بين سيادة الدولة الساحلية ومتطلبات الملاحة الدولية.
ثالثًا: هل يجيز القانون الدولي إغلاق مضيق هرمز؟تتناول الدراسة بعد ذلك السؤال الأكثر إثارة للجدل، وهو مدى مشروعية إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز في ظل النزاعات المسلحة أو التهديدات العسكرية.
ويرى الباحث أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لا تمنح الدولة المشاطئة حق تعليق المرور العابر أو وقفه بصورة منفردة، حتى في حالات التوتر السياسي، لأن هذا النظام وُضع لضمان استمرار الملاحة الدولية وعدم إخضاعها للتقلبات السياسية أو العسكرية.
ولذلك فإن الإغلاق الكامل للمضيق يتعارض، من حيث الأصل، مع الأحكام المنظمة للمضايق الدولية.
وتوضح الدراسة أن إيران قد تستند إلى قواعد أخرى في القانون الدولي، مثل حق الدفاع الشرعي عن النفس أو الضرورات العسكرية، إلا أن ممارسة هذه الحقوق تظل خاضعة لشروط صارمة، أبرزها الضرورة والتناسب، ولا تبرر إغلاق ممر دولي بصورة شاملة تؤثر في مصالح جميع الدول.
كما تشير الدراسة إلى أن أي إجراءات تتخذها الدولة الساحلية يجب أن تكون مرتبطة مباشرة بمواجهة الخطر، وألا تتجاوز الحدود التي يجيزها القانون الدولي.
وتستعرض الدراسة كذلك الوضع القانوني لأي محاولة تقوم بها الولايات المتحدة أو غيرها من الدول لاستخدام القوة لضمان استمرار الملاحة، مؤكدة أن ميثاق الأمم المتحدة يضع قيودًا واضحة على استخدام القوة في العلاقات الدولية، وأن حماية الملاحة يجب أن تتم في إطار قواعد الشرعية الدولية، سواء من خلال مجلس الأمن أو في الحدود التي يجيزها القانون الدولي، وهو ما يجعل أي تصعيد عسكري في المضيق محل نقاش قانوني واسع.
رابعًا: السيناريوهات المستقبلية لمضيق هرمزتختتم الدراسة باستشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل مضيق هرمز في ضوء التوترات الإقليمية، مؤكدة أن الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية للمضيق تجعل أي تصعيد فيه يتجاوز حدود الصراع بين إيران وخصومها، ليطال أمن الطاقة العالمي وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
وترى الدراسة أن هذا الواقع يفرض على جميع الأطراف مراعاة القيود التي يفرضها القانون الدولي، لأن كلفة تعطيل الملاحة لن تقتصر على الدول المتنازعة، وإنما ستمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
وترى الدراسة أن السيناريو الأول، والمتمثل في الإغلاق الكامل للمضيق، يظل الأقل احتمالًا، نظرًا لما يترتب عليه من تداعيات قانونية وسياسية واقتصادية واسعة، فضلًا عن صعوبة تنفيذه عمليًا في ظل الوجود البحري الدولي المكثف في المنطقة.
كما أن مثل هذا الإجراء سيضع إيران في مواجهة مباشرة مع قواعد مستقرة في القانون الدولي، وسيؤدي إلى ردود فعل دولية قد تتجاوز نطاق الأزمة الأصلية.
أما السيناريو الثاني، فتراه الدراسة أكثر واقعية، ويتمثل في فرض قيود محدودة أو تعطيل جزئي للملاحة، عبر إجراءات لا تصل إلى حد الإغلاق الرسمي، مثل زيادة المخاطر الأمنية، أو تكثيف عمليات التفتيش، أو تنفيذ مناورات عسكرية، أو التلويح باستخدام القوة.
وترى الدراسة أن هذا السيناريو يمنح إيران مساحة لممارسة الضغط السياسي والعسكري دون تحمل الكلفة القانونية والسياسية المترتبة على إعلان إغلاق المضيق بصورة كاملة.
وتشير الدراسة إلى أن السيناريو الثالث يتمثل في استمرار الوضع القائم، مع بقاء المضيق مفتوحًا أمام الملاحة الدولية، رغم استمرار التوترات الإقليمية.
وترى أن هذا الاحتمال يظل الأقرب، لأن مصالح معظم الأطراف، بما فيها إيران نفسها، ترتبط باستمرار حركة الملاحة وتدفق صادرات الطاقة، وهو ما يجعل التهديد بإغلاق المضيق أداة للضغط السياسي أكثر منه خيارًا عمليًا قابلًا للتنفيذ.
وتؤكد الدراسة أن مستقبل مضيق هرمز سيظل مرهونًا بمدى التزام الأطراف بقواعد القانون الدولي، وقدرتها على إدارة الصراعات الإقليمية بعيدًا عن استهداف الممرات البحرية الدولية، التي تمثل مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي، وليس للدول المطلة عليها وحدها.
يخلص الباحث كريم الماجري إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أرست نظامًا قانونيًا متوازنًا يحمي في الوقت نفسه سيادة الدول الساحلية وحرية الملاحة الدولية، وأن مضيق هرمز، بوصفه مضيقًا دوليًا، يخضع لنظام المرور العابر الذي لا يجيز للدول المشاطئة تعطيل الملاحة أو تعليقها بإرادة منفردة.
كما يبين أن أي إجراءات استثنائية تتخذها الدول في أوقات النزاعات المسلحة تظل مقيدة بقواعد القانون الدولي، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لإغلاق أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وترى الدراسة أن التهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز تعكس الأهمية الاستراتيجية للمضيق أكثر مما تعكس إمكانية تنفيذ هذا الخيار قانونيًا أو عمليًا، إذ إن الاعتبارات الاقتصادية، وتشابك المصالح الدولية، والقيود التي يفرضها القانون الدولي، تجعل من الإغلاق الكامل احتمالًا ضعيفًا، بينما يبقى المضيق محورًا دائمًا للتنافس السياسي والاستراتيجي، في ظل استمرار التوترات في منطقة الخليج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك