بيروت- تتواصل الخروقات الإسرائيلية لاتفاق التهدئة في لبنان، في ظل تصعيد ميداني يشمل تحليقاً جوياً مكثفاً في أجواء العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية، إضافة إلى قصف مدفعي استهدف مناطق في الجنوب، ما يعكس استمرار هشاشة الوضع الأمني رغم التفاهمات السياسية التي يفترض أنها جاءت لاحتواء التوتر بين الجانبين.
وأفادت وكالة الأنباء اللبنانية بأن طائرة مسيّرة إسرائيلية حلقت، الأحد، في أجواء بيروت على علو منخفض، في مشهد أثار حالة من القلق في الأوساط المحلية، نظراً لكونه امتداداً لسلسلة تحليقات متكررة داخل المجال الجوي للعاصمة.
كما أشارت الوكالة إلى تحليق طائرة مسيّرة أخرى في أجواء الضاحية الجنوبية، في وقت شهدت فيه المنطقة حالة من الاستنفار والترقب نتيجة تكرار هذا النوع من النشاط الجوي.
وفي موازاة التحليق فوق بيروت، تعرضت بلدة دير سريان في قضاء النبطية بجنوب لبنان لقصف مدفعي إسرائيلي، دون أن ترد تفاصيل دقيقة حول حجم الأضرار أو الخسائر الناجمة عنه، فيما سُجلت تحركات عسكرية إسرائيلية متفرقة في محيط مناطق حدودية أخرى خلال الفترة نفسها، ما يعزز مناخ التوتر على امتداد الجبهة الجنوبية.
وتأتي هذه التطورات في سياق اتفاق الإطار الذي جرى توقيعه بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في 26 يونيو الماضي، والذي ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية، يبدأ بمنطقتين تجريبيتين، ضمن مسار يفترض أن يقود إلى تسوية أوسع للنزاع بين الجانبين.
غير أن الاتفاق لم يحدد جدولاً زمنياً واضحاً لعملية الانسحاب الكامل، كما ربط تنفيذ بنوده بجملة من الشروط، من بينها تولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية الكاملة في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، إلى جانب ملف نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وفي مقدمتها “حزب الله”، ما جعل الاتفاق محاطاً بتعقيدات سياسية وأمنية منذ لحظة إعلانه.
كما تضمنت الوثيقة، التي نقلتها وسائل إعلام عن موقع أكسيوس الأميركي، التزام الطرفين اللبناني والإسرائيلي بإبداء النية لإنهاء النزاع القائم بينهما بصورة نهائية، ومعالجة أسبابه الجذرية، وإنهاء حالة الحرب رسمياً، إلا أن التطورات الميدانية على الأرض تشير إلى أن مسار التهدئة ما زال يواجه اختبارات صعبة.
ومنذ 2 مارس 2026، يتواصل التصعيد العسكري في لبنان، حيث تشير بيانات السلطات اللبنانية إلى سقوط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، إلى جانب نزوح أكثر من مليون شخص من مناطقهم، ما يعكس حجم التداعيات الإنسانية الواسعة التي خلفتها العمليات العسكرية المستمرة.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة الوجود العسكري الإسرائيلي في بعض مناطق الجنوب كأحد أبرز عوامل التوتر، إذ تتحدث تقارير ميدانية عن استمرار السيطرة أو التمركز في نقاط حدودية معينة، بعضها قائم منذ عقود، وأخرى ارتبطت بتطورات الحرب الأخيرة، إضافة إلى توغلات محدودة خلال فترات التصعيد الأخيرة.
ويشير مراقبون إلى أن استمرار التحليق الجوي للطائرات المسيّرة فوق بيروت، إلى جانب القصف المدفعي في الجنوب، يعكس غياب التزام واضح ببنود التهدئة، ويطرح تساؤلات حول فعالية الآليات المعتمدة لضبط الانتهاكات، خاصة في ظل غياب جدول زمني ملزم لتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
كما يرى هؤلاء أن ربط الاتفاق بملفات شديدة الحساسية، مثل نزع سلاح الفصائل المسلحة وإعادة ترتيب الوضع الأمني الداخلي في لبنان، يجعل تنفيذه مرهوناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة، لا تزال بعيدة عن التوافق النهائي بين الأطراف المعنية.
وفي المقابل، يؤكد الاتفاق على أن الهدف النهائي يتمثل في إنهاء حالة النزاع بين لبنان وإسرائيل بشكل دائم، غير أن استمرار الخروقات الميدانية، سواء عبر الطيران أو القصف، يضع هذا الهدف تحت ضغط الواقع العسكري المتجدد، ويؤشر إلى وجود فجوة واضحة بين النصوص السياسية والتطبيق العملي على الأرض.
وتعكس التطورات الأخيرة هشاشة التهدئة القائمة، في ظل غياب ضمانات دولية كافية لتثبيت وقف الأعمال العسكرية، أو فرض التزام فعلي ببنود الاتفاق، الأمر الذي يجعل الجنوب اللبناني وبيروت على حد سواء عرضة لتوترات متكررة قد تتصاعد في أي لحظة.
وبينما كان يُفترض أن يشكل اتفاق الإطار خطوة أولى نحو خفض التصعيد وفتح مسار تسوية أوسع، فإن استمرار الخروقات الإسرائيلية يعيد إنتاج حالة عدم الاستقرار، ويؤكد أن الوضع الميداني ما زال يتحكم بدرجة كبيرة في مسار العلاقة بين الجانبين، أكثر من الالتزامات السياسية المعلنة.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى مستقبل التهدئة مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها، عبر آليات تنفيذ واضحة، تضمن وقف الخروقات، وتدفع نحو تثبيت استقرار طويل الأمد، وهو ما لا تزال مؤشرات تحقيقه ضعيفة حتى الآن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك