أعاد تسجيل فيديو، جرى تداوله بكثافة في الساعات الأربع والعشرين الماضية على منصات التواصل الاجتماعي، ملفّ التحرش بالأطفال في لبنان وحمايتهم إلى الواجهة.
وقد أثار التسجيل المصوّر الذي يوثّق قيام سائق حافلة مدرسية صغيرة في محافظة عكار، الواقعة أقصى شمال لبنان عند الحدود مع سورية، وتتميّز بطابعها الريفي المحافظ، بالتحرش بتلميذة لم تتجاوز العاشرة من عمرها، عبر الاقتراب منها بطريقة مريبة وملامستها وتقبيلها بالقوة، موجة عارمة من الغضب والاستنكار.
وسُجّلت مطالبات بتحرّك القضاء في لبنان وبإنزال أشدّ العقوبات بحقّ المعتدي الذي استغلّ أمان الحافلة المدرسية المفترض لينقضّ على الصغيرة، مع الإشارة إلى أنه يكون قد تحرّش بغيرها، في وقت سابق أو لاحق، من دون أن يوثّق أيّ تسجيل الاعتداء المحتمل.
ومع تصاعد الغضب الشعبي في لبنان والمطالبات بالاقتصاص من الفاعل، يكشف مصدر قضائي متابع للملف لـ" العربي الجديد" عن تفاصيل قانونية وزمنية مغايرة لما جرى تداوله.
ويوضح أنّ الحادثة لم تقع أخيراً بل تعود إلى شهر مايو/ أيار الماضي، لكنّ تسريب تسجيل الفيديو أخيراً هو الذي أدّى إلى كشفها، عبر توثيق الجريمة، فأخرجها من عتمة الكتمان إلى العلن.
يضيف المصدر نفسه أنّ الأجهزة القضائية كانت قد تحرّكت في حينه وأوقفت السائق، وجرى الادّعاء عليه بموجب القانون اللبناني رقم 205/2021 المتعلّق بتجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه، غير أنّ الصدمة الكبرى أتت عند إخلاء سبيله بعد نحو شهرَين فقط على توقيفه.
وتفتح هذه الواقعة الباب واسعاً أمام معايير التكييف والتصنيف القضائي للجريمة في لبنان؛ فالادعاء على السائق جاء بوصف الفعل" جنحة" وليس" جناية".
وتعتمد المحاكم اللبنانية معايير محدّدة وصارمة تفرّق بين درجات التحرش بناءً على الملامسة الجسدية؛ فإذا اقتصر الفعل على" انتزاع قبلة بالقوة" أو ملامسة ظاهرية مثل ما حدث في حافلة عكار (وما وثّقه تسجيل الفيديو) يُصنَّف في خانة الجنحة التي تكون عقوبتها الحبس أشهراً قليلة والغرامة المالية.
أمّا في حال تطوّر الفعل ووصل إلى حدّ اعتداء جسدي أعمق أو هتك عرض مباشر، فحينها فقط ينتقل التصنيف القانوني إلى" جناية" تستدعي عقوبات مشدّدة بالحبس سنوات طويلة مع الأشغال الشاقة.
ويرى خبراء قانونيون وحقوقيون أنّ هذا التمييز القضائي يمثّل ثغرة كبرى في ما يتعلّق بحماية الطفولة في لبنان، إذ يخفّف تصنيف التحرش اللفظي أو الجسدي المحدود بمجرّد" جنحة" من وطأة الجرم الإنساني، ويمنح الجناة فرصة الإفلات سريعاً من العقاب السجني الفعلي عبر نيل إخلاء سبيل مشروط بعد فترة وجيزة، الأمر الذي لا يمثّل رادعاً حقيقياً في مجتمع تزداد فيه المخاطر المحيطة بالأطفال، ويجعل من القوانين الحديثة نصوصاً عاجزة عن توفير مظلّة حماية حقيقية.
بالتوازي مع هذا القصور القانوني، برزت في قضية عكار معضلة اجتماعية لا تقلّ خطورة، تمثّلت في إحجام عائلة الطفلة الضحية عن رفع أيّ دعوى قضائية أو اتّخاذ صفة الادّعاء الشخصي ضدّ السائق، على الرغم من توفّر توثيق مصوّر واضح يدين الجاني بطريقة لا تقبل الشكّ.
ويعيد هذا الانكفاء تسليط الضوء على المحرمات الاجتماعية الخانقة التي ما زالت تحكم تعاطي العائلات اللبنانية، لا سيّما في المناطق الريفية والأطراف، مع قضايا التحرش الجنسي والاعتداء على الأطفال عموماً.
وينطلق صمت أهالي الأطفال ضحايا التحرش، في مثل هذه الحالات، من الخوف المتجذّر على" السمعة" أو الخشية من" الوصم الاجتماعي" الذي قد يلاحق الطفلة الضحية وعائلتها في محيطها الاجتماعي الضيّق طوال حياتها، بدلاً من ملاحقة المجرم وفضحه.
وهذا المحرّم المتوارَث يدفع العائلات إلى تفضيل التستّر والتكتّم، أو الاكتفاء بالإجراءات المسلكية من قبيل طرد السائق من عمله، في القضية الأخيرة، الأمر الذي يحرم القضاء من رافعة أساسية للتشدّد في الأحكام، ويترك أطفالًا آخرين عرضة للخطر نفسه في حافلات أخرى ومدارس تحت إدارة ذئاب بشرية تأمن العقاب.
والحادثة المرصودة في عكار المشار إليها، وإن كان القضاء قد لاحقها قبل مدّة، فإنّ تفجيرها اليوم في الفضاء الرقمي يعيد تذكير المجتمع اللبناني بأنّ التشريعات، وعلى رأسها القانون 205/2021 الذي هُلّل له بوصفه إنجازاً حقوقياً، ما زالت قاصرة عن تأمين الحماية الشاملة والردع، لعدم ملامستها جوهر الأذى النفسي الذي تخلّفه؛ فهي تقيس حجم الانتهاك بمقاييس" المسافة والقبلة".
وتبدو الحاجة اليوم ملحّة ليس فقط لتشديد العقوبات وتحويل التحرش بالأطفال إلى" جناية مطلقة" من دون التوقّف عند التفاصيل أو التملّص، بل كذلك لتفكيك منظومة" العيب" الاجتماعي وتأمين الحماية والتمكين النفسي للعائلات، من أجل ضمان عدم ضياع حقوق الطفولة بين النصوص القانونية الضيّقة وخوف المجتمع من الفضيحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك