في الرابع من يوليو/تموز، بلغت الولايات المتحدة عامها الـ250، وفي هذه الذكرى تستحضر آباءها المؤسسين الذين تحدثوا عن جمهورية تنشد" احتراما لائقا لآراء البشرية" بدلا من السيطرة عليها.
غير أن القصة الأكثر أهمية للحظتنا الراهنة لا تبدأ في عام 1776، بل تبدأ قبل 35 عاما، مع انهيار الاتحاد السوفياتي، تلك اللحظة التي أخطأت فيها الولايات المتحدة حين ظنت أن اختفاء خصمها الرئيسي، تفويض لإعادة تشكيل العالم على صورتها.
وما أعقب ذلك كان فيضا من الغطرسة.
قرأت واشنطن لحظة القطب الأوحد عام 1991 بوصفها قدرا عالميا محتوما، وشرعت في ترسيخ هيمنتها في كل منطقة من مناطق العالم.
وقد عبر عن هذا المزاج بصراحة مذهلة زبيغنيو بريجنسكي في كتابه" رقعة الشطرنج الكبرى" (1997)، وهو تأمل في الكيفية التي يمكن بها للولايات المتحدة أن تسيطر على الكتلة الأوراسية وأن تحول دون صعود أي قوة قادرة على تحديها.
لم تعد الهيمنة واقعا عابرا، بل تصلبت لتغدو عقيدة، وباتت- لدى جيل من صناع القرار الأمريكيين- هوسا لم تزعزعه أي هزيمة.
ومما يثير الاستغراب أن جانبا كبيرا من العالم العربي احتضن هذا التوجه أيضا.
فمرارا وتكرارا، أذعنت الحكومات العربية للمخططات الأمريكية انطلاقا من افتراض مفاده أن الولايات المتحدة وحدها قادرة على توفير ما تبتغيه: الأمن قبل كل شيء، وكذلك الأسلحة المتطورة والتكنولوجيا والتمويل.
وبدت الصفقة حكيمة، إذ يَقبل العالم العربي بالزعامة الأمريكية، وينعم بحمايتها.
ولم يتجل ذلك في أي مكان أوضح مما تجلى في شبكة القواعد الأمريكية المنتشرة عبر الخليج، من الأسطول الخامس في البحرين والعديد في قطر إلى الأمير سلطان في المملكة العربية السعودية، والظفرة في الإمارات، وعلي السالم في الكويت.
كل تلك القواعد، ومع ذلك يبقى السؤال قائما: من الذي تخدمه هذه القواعد حقا؟ وذهبت بعض الحكومات إلى أبعد مدى، فدخلت فيما صار، عمليا، تحالفا إستراتيجيا مع الولايات المتحدة وإسرائيل، استنادا إلى الافتراض القديم القائل بأن على المرء أن ينحاز دائما إلى الطرف الأقوى.
وهكذا غدت أسطورة الحامي الذي لا غنى عنه المبدأ الناظم لدبلوماسية المنطقة العربية.
ليس ثمة سبب عقلاني يدعو العالم العربي إلى أن يوكل أمنه إلى وصي بعيد، لا يعتمد عليه ومنحاز.
والسبيل إلى الأمام هو الوحدة العربية بدلا من التنافس على رضا واشنطنلقد حطمت حرب إيران تلك الأسطورة.
ففي الثامن والعشرين من فبراير/شباط، هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران، فاغتالتا المرشد الأعلى والكثير من كبار المسؤولين، في تحد سافر لميثاق الأمم المتحدة، وبهدف معلن هو تغيير النظام.
وعندئذ اندفع أقوى جيش على وجه الأرض ليصطدم بحدود قوته، عسكريا وسياسيا على حد سواء.
لم تنهر إيران؛ بل عينت خلفا للمرشد الأعلى، وردت الضربات في أنحاء المنطقة، وأغلقت مضيق هرمز، مطلقة أزمة وقود وملحقة الخراب بالاقتصاد العالمي.
وبعد أشهر من القصف الأمريكي والإسرائيلي، وإهدار عشرات المليارات من الدولارات، وإزهاق آلاف الأرواح، وإشعال المنطقة من لبنان إلى الخليج، لم تظفر واشنطن بتغيير النظام الذي وعدت به، بل بهدنة هشة تنتهك مرارا.
لقد فشلت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية فشلا قاطعا؛ فهي لم تسقط الدولة الإيرانية ولم تخضعها، وأثرت صناعات السلاح دون سواها، وتركت كل عاصمة خليجية احتمت بالمظلة الأمريكية أكثر انكشافا لا أقل.
وفي فشلها، لُقنت درسين في آن واحد: عن حدود القوة الأمريكية، وعن حماقة الدول العربية حين تراهن بأمنها القومي عليها.
وكل حكومة بنت إستراتيجيتها على ديمومة الهيمنة الأمريكية باتت لديها اليوم أسباب لإعادة النظر.
وفي هذا العيد، ثمة صحوتان طال انتظارهما: واحدة في واشنطن، وأخرى في العواصم العربية التي وثقت بها.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فالدرس هو أن زمن فرض الحلول الأمريكية والإسرائيلية على المنطقة قد انتهى.
فما عاد في وسع أي ترسانة أن تفرض النتائج التي طالما جزمت بها القوة الأمريكية.
والمسار الأمين أمام الولايات المتحدة هو أن تسعى، أخيرا، إلى ما طالما اقتضاه القانون الدولي والعدالة، أي حل حقيقي لفلسطين.
وقد يكون ذلك حل الدولتين، حيث تعيش إسرائيل وفلسطين جنبا إلى جنب في سلام، أو قد يكون دولة واحدة ديمقراطية ثنائية القومية.
وفي كلتا الحالتين، لا بد أن يكون ذلك نهاية لمشروع" إسرائيل الكبرى" الذي يرمي إلى احتلال إسرائيل الدائم لأراض فلسطينية وأراض في دول مجاورة.
لقد كان مشروع" إسرائيل الكبرى" المصدر الرئيسي لحروب المنطقة التي لا تنتهي.
لقد انتهت لحظة القطب الأوحد التي ظنتها واشنطن نظاما عالميا دائما.
والخيار الوحيد المتبقي أمام الولايات المتحدة هو إما أن تتكيف مع عالم لا يزال في وسعها أن تسهم في تشكيله وإن لم يعد في وسعها أن تملي عليه، وإما أن تنفق ما تبقى من قوتها في مقاومة ما لا يمكن ردهأما بالنسبة إلى العالم العربي، فينبغي أن ينتهي كذلك الخضوع للقوة الأمريكية.
فليس ثمة سبب عقلاني يدعو العالم العربي إلى أن يوكل أمنه إلى وصي بعيد، لا يعتمد عليه ومنحاز.
والسبيل إلى الأمام هو الوحدة العربية بدلا من التنافس على رضا واشنطن؛ وأن يصالح العرب إيران، إدراكا بأن العرب والإيرانيين جيران دائمون لا وكلاء في صراع لا يخصهم؛ وأن يبنوا استقلالا إستراتيجيا حقيقيا في عالم متعدد الأقطاب، يتعاملون فيه مع الولايات المتحدة والصين وروسيا وكل قوة على قدم المساواة ووفقا لمصالح المنطقة نفسها.
إن بناء منظومة أمنية تصمم في المنطقة، لا في واشنطن، أمر ممكن وضروري الآن على حد سواء.
وتملك دول الخليج على وجه الخصوص من رأس المال والطاقة والكفاءات البشرية ما يؤهلها لتشكيل مستقبلها، بل وللإسهام في قيادته في عصر الطاقة النظيفة المقبل.
إننا نعيش في عصر تعدد الأقطاب، وهذا هو الطريق الأضمن للعالم العربي نحو الكرامة والأمن والسلام.
قبل 250 عاما، أعلنت الجمهورية الأمريكية نفسها للعالم عضوا في الأسرة الإنسانية، لا سيدا عليها.
وحرب إيران هي البرهان الباهظ على أن الهيمنة العالمية كانت دائما بعيدة عن متناولها.
لقد انتهت لحظة القطب الأوحد التي ظنتها واشنطن نظاما عالميا دائما.
والخيار الوحيد المتبقي أمام الولايات المتحدة هو إما أن تتكيف مع عالم لا يزال في وسعها أن تسهم في تشكيله وإن لم يعد في وسعها أن تملي عليه، وإما أن تنفق ما تبقى من قوتها في مقاومة ما لا يمكن رده.
وأحكم هدية يمكن أن تهديها الولايات المتحدة لنفسها في عامها الـ250 هي أن تعترف أخيرا بتعدد الأقطاب، وأن تعود إلى مجتمع الأمم بوصفها قوة تعاونية واحدة بين قوى كثيرة.
وأحكم هدية يمكن أن يهديها العالم العربي لنفسه هي أن يكف عن انتظار وصي، وأن يقف، أخيرا، صفا واحدا، على قدميه.
عيد ميلاد سعيد للولايات المتحدة، ولنا جميعا، ميلاد جديد للواقعية والسلام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك