القدس العربي - “قانون مكافأة المخبرين” يثير جدلا سياسيا في تونس العربية نت - "الطاقة" السورية تبدأ توزيع 7.3 مليون لتر بنزين بجميع المحافظات سكاي نيوز عربية - نتنياهو يزعم طلب قرى مسيحية في لبنان الانضمام إلى إسرائيل BBC عربي - بعد 250 عاما من الاستقلال: كيف يبدو مستقبل الولايات المتحدة كقوى عظمى؟ الجزيرة نت - بين غياب الضمانات الإسبانية والتألق المغربي.. إبراهيم دياز يثبت صحة قراره وكالة سبوتنيك - الرئيس المصري يفتتح مقر القيادة الاستراتيجية.. وأردوغان يطالب بدعم إقليمي لإحلال السلام في الشرق الأوسط Independent عربية - القطاع الخاص غير النفطي في السعودية ينمو بأعلى وتيرة في 4 أشهر قناة التليفزيون العربي - ما الذي يفهم من التصريحات الإسرائيلية بإمكانية عودة الحرب على غزة قبل أكتوبر المقبل؟ Independent عربية - تفاصيل جديدة تتكشف عن حفل زفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي قناة القاهرة الإخبارية - نشرة أخبار السادسة مساءً من القاهرة الإخبارية
عامة

"أخي لوركا" يقارب الشاعر القتيل برؤية شخصية

Independent عربية
Independent عربية منذ 1 ساعة

منذ خمسينيات القرن الماضي حصل الشاعر الإسباني البارز فيديريكو غارسيا لوركا (1898-1936) على شهرة كبيرة في عالمنا العربي، بفضل الترجمات المتنوعة التي أنجزها مترجمون بارزون لأشعاره. وهي كانت منسجمة مع ال...

منذ خمسينيات القرن الماضي حصل الشاعر الإسباني البارز فيديريكو غارسيا لوركا (1898-1936) على شهرة كبيرة في عالمنا العربي، بفضل الترجمات المتنوعة التي أنجزها مترجمون بارزون لأشعاره.

وهي كانت منسجمة مع المزاج العام الذي ساد حينذاك، مع رواج كثير من الأسئلة حول مفهوم الالتزام الأدبي والمسؤوليات الأخلاقية لدى المبدع.

وكما جرى الربط بين قضايا التحرر الوطني في منطقتنا ومسألة الحرية في معناها الشامل، تحول لوركا الذي واجه ديكتاتورية الجنرال فرانكو إلى اكثر من رمز نضالي، إلى أيقونة شعرية اكتسحت العالم، وأصبح معها مثالاً للشاعر الضمير.

يطمح صاحب" كنت نائماً حين قامت الثورة" إلى تأويل هذه السيرة وتأمل تجربة صاحبها، سواء ضمن الجيل المعروف باسم" جيل 27"، أو ضمن جماعات إبداعية معاصرة له، شملت أسماء بارزة من بينها الشاعر رافائيل ألبرتي وبابلو نيرودا والمخرج السوريالي لويس بونويل صاحب فيلم" كلب أندلسي" والرسام الشهير سلفادور دالي.

يتجاوز الكتاب سيرة لوركا ويركز في المقابل على حقبة زمنية كاملة نراها حية وحارة ومليئة بالأسماء ذات التأثير الإبداعي الواسع الذي تخطى حدود الجغرافيا الأوروبية، وامتد أثره إلى نواحٍ متفرقة من العالم.

تعكس قراءة الكتاب شغفاً كبيراً بأعمال الشاعر، فلأجلها عاد أبو صالح لعشرات الكتب التي انشغلت بالأسئلة نفسها، وشيد منها مدينة جديدة للوركا، تيسر أمام القارئ العربي مهمة التجوال في عالم شاعر الأقنعة، مستعيناً بعلامات دالة على مفاصل التجربة وتحولاتها.

ويقاوم صالح الفكرة التي ترى أن مقروئية لوركا وغيره من شعراء الحقبة النضالية تراجعت، أو تأثرت سلباً، بعد صعود شعريات أخرى، أو بسبب تراجع التجارب النضالية ذاتها وخفوتها عالمياً.

ويؤمن ألّا يجوز اختزال المنجز الفني للشاعر في شعريته الغنائية وحدها، ولا في الطابع الرومانسي الهش الذي يميز قصائده، إذ تطورت قصائده في الاتجاهات شتى.

فهو شاعر في حال تحول مستمر عبر تكييف تنويعات أسلوبية مختلفة.

واستناداً إلى ذلك، نرى لوركا وهو يمتلك أكثر من حياة داخل الكتاب.

وبتعبير أبو صالح فإنه يطلع من الموت مع كل طلعة شمس.

ويوماً بعد يوم تتسع دائرة قرائه ومترجميه وأصدقائه ومحبيه في معظم بلدان العالم.

فمن أبرز تجارب هذا الشاعر الإسباني الراحل أنه لم يعِش الحياة بمعزل عن الموت، وكأن الاثنين ضفيرة واحدة يستحيل فكها طوال سيرته الحياتية ومسيرته الشعرية.

بعد مراجعة لمسار تحولات لوركا، يدعو أبو صالح إلى اهتمام عربي أكبر بنصوصه النظرية، وبالذات محاضرته الشهيرة" لعب ونظرية الدويندي" التي قدمها في بوينس آيرس عام 1933.

فهي تكشف عن انفتاحه المدهش على الثقافة العالمية الكلاسيكية والحديثة، وتشير إلى تجلي روح الفلكلور في شبه الجزيرة الأيبيرية، سواء في الشعر الغنائي أو الممارسات الرياضية المرتبطة بمصارعة الثيران.

تماثل" الدويندي"، كما يقول أبو صالح، كلمة" العفريت" في اللغة العربية، وهي الطاقة التي تدفع المبدع إلى اختراق لحظته التاريخية.

وبهذا المعنى، فإن غالب الفنون تقبل" الدويندي"، لكن المجال أوسع في الموسيقى والرقص وإنشاد الشعر.

ومن أطرف التأملات التي يثبتها أبو صالح، النظر إلى تجارب الموسيقار محمد عبدالوهاب في تحديث البنى الموسيقية أو إلى طريقة قارئ القرآن الشيخ مصطفى إسماعيل في تجويد القرآن الكريم والتفاعل مع الجمهور، بوصفها استجابة لروح" الدويندي" التي تفجر داخل المبدع، حزمة من التناقضات، وتماثل ما سماه آرثر رامبو" تشويش الحواس" للوصول إلى الذروة الشعرية.

الشاعر الذي نتعرف إليه في الكتاب، لم يكُن كأي شاعر، فقد استطاع في سنوات عمره القليلة أن يتحد بالحياة.

وترك قلبه مثل بيت مفتوح للمنبوذين والمهمشين في الأرض كلها، خصوصاً غجر إسبانيا وسود أميركا، كما لم ينسِه ترف النعمة، عضة الفقر والقهر في أجساد الآخرين وأرواحهم.

آمن لوركا بالعدالة الاجتماعية التي تنسجم مع ميوله الاشتراكية إجمالاً، وناضل ضد القمع في بلاده وخارجها، على رغم أنه ظل ينفي تصنيفه ضمن تنظيم سياسي أو تيار أيديولوجي" لن أكون سياسياً أبداً، أنا ثوري، لأنه لا يوجد شعراء حقيقيون ليسوا ثوريين".

وآمن صاحب" عرس الدم" بأن حزبه هو الفقراء، وظل يؤكد ذلك.

وانسجم إيمانه بالاشتراكية مع تصوراته عن الفن الملتزم ومسؤولية الفنان تجاه شعبه، فكتب" لا يوجد إنسان حقيقي يؤمن بكل هذا الهراء حول الفن النقي، الفن من أجل الفن.

بالنسبة إليّ، لدي حاجة حقيقية للتواصل مع الآخرين.

وهذا هو السبب في أنني طرقت أبواب المسرح، وأن أكرس له كل ما أملك".

من جهة أخرى يفسح الكاتب مجالاً لتناول صلة لوركا بالثقافة العربية، متسائلاً لماذا يجدر بالعرب تحديداً أن يحبوا لوركا؟ ويجيب" لأنه أحبهم، ودافع عن ثقافتهم التي تتعرض لرجم متواصل بأيدي أعدائها ونخبة معتبرة من أبنائها".

ثم يعدد صور تفاعل لوركا مع الحضارة العربية والإسلامية، مستشهداً بما أوردته إيزابيل، شقيقة لوركا، في كتابها" ذكرياتي"، إذ تشير إلى أن شقيقها كان يحب ارتداء الملابس العربية، يرتدي العمامة ويضع شارباً ويتظاهر بأنه يتكلم العربية.

وما ترويه إيزابيل يشير ضمناً إلى انتباه مبكر لتأثير الثقافة العربية الإسلامية العميق في الوجدان الإسباني، وإلى صور استقبال تلك الثقافة ما بين القبول والنبذ.

وزاد من تأثيرها في شخصية لوركا، ما في أرشيفه من صور نادرة تعود لزمن إقامته في بيت الطلبة في مدريد، حيث ارتدى جلباباً وعمامة عربية بيضاء.

وأهدى نسخاً من هذه الصور إلى عائلته والأصدقاء، وكتب تحتها" أبدو كبدوي أو حادي إبل في الحكايات العربية".

ووفقاً للكتاب، استمر انجذاب لوركا للحضارة الأندلسية، حتى لكأنه اختار مكان قتله ودفنه بنفسه، قرب نبع ماء يسميه العرب" عين الدموع".

لا يستفيض مؤلف الكتاب في الحديث عن أصول عربية لدى لوركا، كما لا يبكي مع الباكين على أطلال الأندلس، وإنما يستعيد تجربة في التعايش جعلت لوركا يقول" في عروقي دم عربي".

والثابت تاريخياً جدية اطلاع لوركا على الشعر العربي وهو في العشرينيات من عمره، إضافة إلى صداقته مع المستعرب إميليو غارسيا غوميث، عضو هيئة التدريس في جامعة غرناطة الذي تولى ترجمة مختارات من الشعر العربي إلى الإسبانية.

وظل لوركا مخلصاً للجذر العربي في هويته أكثر من أي شاعر إسباني آخر، ربما لأنه لم يتعامل مع الثقافة العربية الإسلامية في الأندلس على أنها فلكلور من زمن بائد، بل كان دائم النبش في جذورها وفك شيفراتها والفخر بها، بوصفها شرطاً أساساً لاكتمال أصالة روحه.

وانعكس ذلك في ديوانه" التمريت" الذي استلهم فيه روح الشعر العربي، واستعان بكثير من الألفاظ العربية، كما أثبت ذلك المترجم محمود صبح خلال دراسته المهمة حول" المواضع والألفاظ العربية في أعمال لوركا الأدبية".

تعزز طريقة السرد ضمن كتاب أبو صالح فاعلية العناصر الدرامية في تجربة حياة لوركا وفي فعل اغتياله، وتسهم في تأويل تلك اللحظات بطريقة شعرية إلى حد كبير.

ووفقاً للكتاب تنبأ لوركا بموته قبل ثلاثة أشهر، وقص التفاصيل المرعبة على الشاعر التشيلي بابلو نيرودا.

وفي كلماته مع القتلة كان مهتماً بمعرفة مكان إعدامه أكثر من مقاومة القتلة أو الحوار معهم" لا أحب أن يحدث ذلك في المقبرة، ليست المقابر ليموت الناس فيها، إنها فقط للصمت والأزهار والعيون".

وتمنى أن يعدموه في ليلة مظلمة حتى لا يراه القمر، فقد كتب عن القمر كثيراً في قصائده.

ويقول أبو صالح" لو قتل على مرأى منه، سيشعر بأن أفضل أصدقائه قد خانه".

وفي كتابه" يوميات عبقري" ذكر سلفادور دالي أن لوركا كان يتكلم عن موته" خمس مرات في اليوم في الأقل".

بداية من عنوان الكتاب" أخي لوركا"، يؤسس أبو صالح لمعنى الأخوة في العلاقة مع لوركا.

وهي ليست فقط الأخوة الشعرية، وإنما الأخوة الإنسانية التي يكتب تحت سطوة ما فيها من عاطفة، فقد عرف لوركا نفسه قائلاً" أنا أخو الجميع".

حين أطلقت كتائب فرانكو الرصاص على لوركا، كان شقيقه فرانسيسكو يعمل في سفارة إسبانيا لدى القاهرة، لذلك يقول أبو صالح" لو أنني حي في ذلك الزمن، لو أنني عرفت وقتها، لزرته وقدمت إليه العزاء.

لا بد من أنني كنت سأبكي على كتفه حتى يختلط الأمر على من يرانا: أنا أم هو شقيق الشاعر القتيل؟ ".

ويرفض الكاتب الفكرة الشائعة حول لوركا التي تؤكد أن الطريقة التي مات بها هي التي صنعت أسطورته.

صحيح أن للدم سحراً، خصوصاً حين يسيل من جسد الشعراء، لكن الشاعر عماد أبو صالح يرى أن موت لوركا لم يكُن إلا قصيدة ختامية، قصيدة كتبها دمه، لا قلمه ولا فمه.

كتب لوركا أروع قصائده عن بشاعة الموت، وكافأه الموت بقصيدة رائعة في بشاعتها.

كان الشاعر الإسباني كبيراً في الحياة، لذلك يكبر يوماً بعد يوم في الموت.

فبعد تسعة عقود وأكثر على غيابه، لا تزال أعماله تطرح أسئلة عميقة وتتسع لتأويلات جديدة، ومن بينها ما يسجله أبو صالح حول طبيعة تفاعل لوركا مع الشعراء الأميركيين، والأثر الذي تركه في تجاربهم كشاعر، إذ يُعدّ ابن التجربة الحرة، وهذه إحدى نقاط قوته.

ويعلن أبو صالح فرحه حين يسمع لوركا أو يقرأ له، لكنه يفرح أكثر كلما فشل المنقبون في العثور على قبره.

فيريده في صورة الغائب لأنها تعزز الأمل في عودته حياً، إذ لا قتيل بلا جثة، ولا ميت من دون قبر.

وإذا كان الأحياء يحتاجون إلى القبور ليلقوا عليها الأزهار، فإن أبو صالح يميل إلى ما يقوله أندريه بيلاميش، مترجم أشعار لوركا إلى الفرنسية" لا يهم إلقاء الأزهار على قبر لوركا، يكفي أن نتذكره كلما رأينا الأزهار".

ثم يستعير عبارة قالتها أم لوركا ذات مرة، وهي تحكي عن طفولته" غنى قبل أن يتكلم".

أما هو، فقال في مرثيته لصديقه إغناسيو سانشيز، مصارع الثيران" الآن، دمه يسيل من الأغاني".

وهي عند صاحب ديوان" مهندس العالم"، أفضل جملة شعرية يمكن أن يستعيرها ليرثي" لوركا الذي يراه في كل أغنية وزهرة ورصاصة".

أثارت الطريقة التي اغتيل بها لوركا كثيراً من الجدل والتساؤلات، وربما كان أكثرها إثارة ما أورده سلفادور دالي الذي كان قريباً من الجنرال فرانكو في كتابه" يوميات عبقري".

فهو رد اغتيال لوركا إلى" ظروف شخصية"، معتبراً إياه فريسة بريئة للحرب الأهلية.

وبحسب تعبيره" لم يمت الشاعر كرمز لأيديولوجيا سياسية مختلفة، بل مات ضحية استرضائية للجميع"، بسبب ما سمّاه دالي" الفوضى الثورية".

ولم يصمد تفسير دالي كثيراً أمام معاصريه، بل إن صديقه السابق بونويل، يستنكر تأييده الواضح لفرانكو وكراهيته المعلنة للصداقة.

أُعدم لوركا مع مدرّس واثنين من مصارعي الثيران في الـ18 من أغسطس (آب) عام 1936 في مشهد مأسوي.

وكلما فشلت محاولات العثور على جسده ازداد حضوره في الخيال الجماعي، حتى إن كل هوية تنسب لنفسها لوركا.

ويرى الكاتب أن الحياة الثرية التي عاشها الشاعر ليست إلا محاولات هروب من وحدة داخلية عميقة، واحتماء بالحياة من مطاردات الموت إثر كل خطوة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك