ليست كل الكلمات الرئاسية مجرد كلمات تلقى في المناسبات بل إن بعضها يمثل وثيقة سياسية تكشف عن فلسفة الدولة واتجاهها الاستراتيجي وكيفية إدارتها للمستقبل.
ومن هذا المنطلق يمكن قراءة كلمة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية باعتبارها إعلانًا عن رؤية متكاملة لبناء الدولة الحديثة أكثر من كونها حديثًا عن افتتاح منشأة جديدة.
لقد حملت الكلمة مجموعة من الرسائل السياسية والاستراتيجية التي تستحق التوقف أمامها لأنها تعكس تحولًا في مفهوم الأمن القومي المصري وفي طبيعة إدارة الدولة خلال السنوات الأخيرة.
فالرسالة الأولى أن قوة الدولة لم تعد تقاس فقط بما تمتلكه من قدرات عسكرية وإنما بما تمتلكه من مؤسسات قادرة على العمل في كل الظروف وبما لديها من قدرة على اتخاذ القرار بسرعة وكفاءة واستمرار أداء أجهزة الدولة مهما كانت التحديات.
لقد تغيرت طبيعة الصراعات في العالم فلم تعد الحروب تبدأ بإطلاق الرصاص فقط وإنما قد تبدأ بمحاولات تعطيل مؤسسات الدولة أو استهداف شبكات الاتصالات أو شن هجمات سيبرانية أو نشر الفوضى والشائعات لإرباك عملية صنع القرار.
ولهذا أصبح بناء المؤسسات القوية وتطوير منظومات القيادة والسيطرة وإدارة الأزمات أحد أهم عناصر الأمن القومي في الدولة الحديثة.
ومن هنا يمكن فهم المغزى الحقيقي لكلمة الرئيس.
فلم يكن الحديث عن العاصمة الإدارية الجديدة باعتبارها مشروعًا عمرانيًا أو انتقالًا جغرافيًا لمقار الوزارات وإنما باعتبارها خطوة في مشروع أشمل لإعادة تنظيم مركز إدارة الدولة المصرية وفق أحدث المعايير العالمية في القيادة والتنسيق والاتصال وإدارة الأزمات بما يضمن كفاءة الأداء وسرعة الاستجابة واستمرارية عمل مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق يثار أحيانًا تساؤل حول الأبعاد الأمنية لنقل مؤسسات الدولة إلى العاصمة الإدارية الجديدة.
ومن المهم التمييز بين ما هو معلن وما يدخل في إطار التحليل الاستراتيجي.
فالدولة لم تعلن أن النقل جاء لتجنب سيناريو بعينه لكن من المبادئ المستقرة في الفكر الاستراتيجي أن تصميم مراكز الحكم الحديثة يراعي حماية مؤسسات الدولة وضمان استمرارية عملها وتوفير بيئة تسمح باتخاذ القرار بكفاءة في الظروف العادية والاستثنائية على السواء.
ومن ثم فإن بناء مؤسسات أكثر قدرة على الصمود والاستمرار يمثل في حد ذاته هدفًا من أهداف الأمن القومي.
كما كشفت الكلمة عن إدراك واضح للعلاقة الوثيقة بين التنمية والأمن.
فشبكات الطرق والمدن الذكية والتحول الرقمي والبنية التحتية الحديثة ليست مجرد مشروعات تنموية وإنما عناصر أساسية في بناء القوة الشاملة للدولة.
فكلما ازدادت كفاءة المؤسسات وارتفعت جودة البنية الأساسية أصبحت الدولة أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.
ومن الرسائل المهمة أيضًا أن الدولة المصرية تتبنى فلسفة تقوم على التخطيط الاستباقي لا على رد الفعل.
فالدول الناجحة لا تنتظر الأزمات حتى تبحث عن حلول لها وإنما تبني قدراتها قبل وقوعها وتطور مؤسساتها قبل أن تختبرها الأحداث.
وهذه هي الفلسفة التي ميزت كثيرًا من الدول التي استطاعت الحفاظ على استقرارها في عالم شديد الاضطراب.
كما أن الكلمة حملت رسالة إلى الداخل والخارج في آن واحد.
إلى الداخل بأن بناء الدولة مستمر وأن تطوير المؤسسات ليس ترفًا إداريًا بل ضرورة وطنية.
وإلى الخارج بأن مصر تبني عناصر قوتها الشاملة وفق رؤية استراتيجية طويلة المدى وأنها تمتلك الإرادة والقدرة على حماية مصالحها الوطنية في بيئة إقليمية ودولية تزداد تعقيدًا.
وفي تقديري فإن الرسالة الأعمق في كلمة الرئيس هي أن بناء المؤسسات لم يعد ملفًا إداريًا أو تنمويًا فحسب بل أصبح قضية أمن قومي بالمعنى الشامل.
فالدولة التي تمتلك مؤسسات قوية قادرة على اتخاذ القرار وإدارة الأزمات والاستمرار في أداء واجباتها هي الدولة الأقدر على حماية شعبها وصون استقرارها والحفاظ على مصالحها.
لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تنهار بسبب الأزمات وحدها وإنما عندما تعجز مؤسساتها عن التعامل معها.
أما الدول التي تستثمر في بناء الإنسان وتطوير مؤسساتها وتحديث أدواتها فإنها تمتلك القدرة على تحويل التحديات إلى فرص والأزمات إلى نقاط انطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارًا.
ومن هنا فإن كلمة الرئيس لم تكن مجرد خطاب في مناسبة وطنية بل كانت تعبيرًا عن فلسفة متكاملة ترى أن بناء المؤسسات هو خط الدفاع الأول عن الدولة وأن الاستثمار الحقيقي ليس فقط في السلاح أو المشروعات وإنما في المؤسسة القادرة على حماية القرار الوطني وضمان استمرارية الدولة.
وهذه هي الرسالة التي تستحق أن تبقى لأنها تمثل جوهر مفهوم الأمن القومي في عالم تتغير فيه أدوات الصراع وتتسارع فيه التحديات بصورة غير مسبوقة.
الخبير في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك