عاد زعيم حزب" ريفورم" نايجل فاراج إلى دائرة الجدل السياسي والإعلامي في بريطانيا، بعدما كشف تحقيق صحافي جديد عن علاقة تمويل طويلة الأمد بينه وبين شخص سبق أن أُدين بجرائم احتيال وغسيل أموال، ثم تحول إلى العمل في قطاع المقامرة بالعملات المشفرة غير المرخّص، وتأتي الفضيحة الجديدة في وقت لا يزال فيه فاراج تحت مجهر التحقيقات البرلمانية في شأن تبرعات وهبات مالية أخرى، مما يرسم صورة متكررة لشبكة تمويل غامضة أحاطت بمسيرته السياسية.
وكشف تحقيق لصحيفة" صنداي تايمز" أن فاراج قد يكون خرق قواعد النواب في البرلمان البريطاني بعدم الإفصاح عن دعم مالي حصل عليه من جورج كوترل، وهو مجرم مُدان ورجل أعمال في مجال المقامرة بالعملات المشفرة، حيث دعم كوترل مكتب فاراج وحمايته الشخصية وموظفيه ووسائل تنقله وسكنه على مدى أعوام عدة.
وبدأت العلاقة بين الرجلين عندما كان كوترل يعمل جامع تبرعات لحزب" استقلال المملكة المتحدة" الذي كان يقوده فاراج قبل" بريكست"، واستمرت حتى انتخابات البرلمان البريطاني عام 2024، على رغم توقيف كوترل في 2016 وإدانته بالاحتيال في الولايات المتحدة، ثم انتقاله إلى العمل في مجال المقامرة الرقمية غير المرخصة، ووفق الصحيفة البريطانية، قدّم كوترل لفاراج دعماً شمل أمنه الشخصي وموظفين متخصصين في وسائل التواصل الاجتماعي، واستخدم فاراج عقاراً مستأجراً من كوترل قرب قصر باكنغهام.
طُرد كوترل من مدرسة" مالفرن كوليدج" بسبب إدمان القمار، وانتقل للعمل في مجال التمويل بمنطقة" مايفير" قبل أن يعرض في عام 2014 خدمات غسيل أموال على عملاء فيدراليين متنكرين، فاعتُقل عام 2016 إلى جانب فاراج في مطار أوهير بشيكاغو بعد حضورهما معاً مؤتمراً انتخابياً للرئيس الأميركي دونالد ترمب في أوهايو، وأقر لاحقاً بتهمة الاحتيال وقضى ثمانية أشهر في سجن اتحادي بالولايات المتحدة.
بعد الإفراج عنه، انتقل كوترل إلى الجبل الأسود، وارتبط بمنصة مقامرة رقمية غير مرخصة قدّمت خدمات رهان لعملاء بريطانيين، واستخدمت عملة" تيذر" التي يملك فيها كريستوفر هاربورن حصة كبيرة، كذلك تفيد التقارير بأن كوترل يسعى حالياً إلى الحصول على عفو رئاسي من ترمب عن إدانته الأميركية، وأنه ألّف كتاباً حول غسيل الأموال وأسس شركة استشارات سياسية تقدم مشورة في الاستراتيجيات الانتخابية، فضلاً عن أن فاراج ظل يصف كوترل بأنه" كالابن" له، بينما يشير" الابن" إلى زعيم" ريفورم" بلفظ" بابا"، ويحتفظ بخطابه الافتتاحي الموقع باسمه كنائب في البرلمان البريطاني.
الأمر لا يتعلق بكوترل وحده، فقد تبرعت فيونا كوترل، والدة جورج، بمبلغ 750 ألف جنيه استرليني لحزب" ريفورم" العام الماضي، مما جعلها من أكبر المتبرعين الأفراد للحزب، على رغم وصفها لنفسها في وثائق قانونية عام 2023 بأنها" مصففة شعر متقاعدة"، وقد رفضت لجنة الانتخابات الكشف عن مزيد من السجلات المتعلقة بهذا التبرع.
وتضاف قضية كوترل إلى فضيحة أكبر تتعلق بمنحة مقدارها 5 ملايين جنيه استرليني حصل عليها فاراج من الملياردير كريستوفر هاربورن، أحد أكبر ممولي" ريفورم"، وقد بُررت هذه المنحة، التي حصل عليها زعيم" ريفورم" قبل انتخابات 2024، في كل مرة سُئل عنها بأنها كانت لتغطية كلف أمنه الشخصي، لكن التبرير تغيّر حين قال هاربورن لصحيفة" تلغراف" في أبريل (نيسان) الماضي، إنه قدّم المال لفاراج" بسبب إعجابه الكبير بالعمل الذي قام به على مدى عقود من أجل خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي".
وتصاعدت الشبهات أكثر حين كشفت" سكاي نيوز" أن فاراج اشترى منزلاً بقيمة 1.
4 مليون جنيه استرليني نقداً بعد فترة قصيرة من استلامه أموال هاربورن، بينما زعم حزب" ريفورم" أن تمويل المنزل جاء من أجر فاراج حين كان مقدماً في برنامج تلفزيوني أواخر 2023.
جاءت أعنف الانتقادات لفاراج من حزب العمال، الذي وصف الفضيحة بأنها متصاعدة ولن تختفي، وقال متحدث باسم" العمال" إن فاراج وحزب" ريفورم"، " غارقان في فضيحة كبيرة ومتنامية"، وإن محاولة فاراج إقناع الجمهور بأن الأمر" لا يخصهم" لن تفيده، مضيفاً أن هذه الادعاءات الجديدة في شأن مدفوعات سرية من مجرم مُدان ثري تأتي فوق فضيحة الهبة السرية البالغة 5 ملايين جنيه استرليني من ملياردير العملات المشفرة.
وتساءل المتحدث باسم" العمال" عن حجم الأموال التي حصل عليها فاراج، ولماذا يحاول التستر عليها بدل الإجابة عن أسئلة مشروعة، متهماً فاراج بأنه" يتظاهر بأنه في صف الطبقة العاملة، بينما هو في الواقع لا يهمه سوى نفسه ويمكن شراؤه من أعلى مزايد".
على المستوى القانوني والمهني تنص قواعد سلوك البرلمانيين على أنه في حال وجود أي شك في شأن طبيعة أي منفعة، يجب تسجيلها، ويرى خبراء استشارتهم صحيفة" صنداي تايمز" أن فاراج كان يتعين عليه الإفصاح عن دعم كوترل بموجب هذه القواعد.
في المقابل، رفض فاراج وحزبه الاتهامات بصورة قاطعة، فقد وصف متحدث باسم" ريفورم" التحقيق بأنه" بلا أساس ومفتعل"، مشيراً إلى أن الفترة التي يغطيها التحقيق تسبق ترشح فاراج رسمياً للبرلمان، وانتقد الانحياز السياسي لصحيفة" صنداي تايمز".
ويقوم دفاع فاراج على حجة قانونية محددة: فهو يرفض اعتبار المنافع التي حصل عليها من كوترل تستوجب التسجيل، متمسكاً بأنه كان في تلك الفترة شخصية إعلامية ومعلقاً سياسياً لا سياسياً نشطاً، وهو الدفاع ذاته الذي استخدمه في شأن التحقيق البرلماني الرسمي المنفصل حول عدم إفصاحه عن هبة شخصية بقيمة 5 ملايين جنيه استرليني من هاربورن.
أما بخصوص هبة هاربورن، فقد أكد متحدث باسم" ريفورم" أن مكتب فاراج على تواصل مع مفوض المعايير البرلمانية، وأن فاراج" كان واضحاً دائماً بأن هذه كانت هبة شخصية غير مشروطة ولم تخرق أي قواعد"، معرباً عن تطلعه لإغلاق هذا الملف نهائياً.
كذلك لجأ فاراج إلى خطوة تصعيدية دفاعاً عن سمعته، حيث هدد بمقاضاة السياسي السابق في" ريفورم" بن حبيب، الذي كان يقود حزب" أدفانس" الشعبوي، بعدما زعم وجود" صفقة مالية" بين هاربورن وفاراج عام 2019 لـ" تدبير" نتيجة الانتخابات، وطالب فاراج عبر محاميه بتراجع علني فوري واعتذار عن هذه الادعاءات.
وأطلق مفوض المعايير البرلمانية دانيال غرينبرغ تحقيقاً رسمياً في هبة هاربورن لزعيم" ريفورم"، وسبق لهذا المفوض أن خلص إلى أن فاراج خرق القواعد البرلمانية بعدم تسجيل 17 دفعة بنحو 384 ألف جنيه ضمن مدة الـ28 يوماً المطلوبة، دون اتخاذ إجراء لأن الخرق عُد" خطأ يمكن تفسيره"، لكن مصادر مطلعة على التحقيق بقضية هاربورن ترى أنها أخطر بكثير.
تتراوح العقوبات المحتملة لخرق النواب لقواعد السلوك بين تقديم اعتذار خطي أو شفهي، وصولاً إلى تعليق عضوية مجلس العموم أو حتى الطرد في الحالات الأشد خطورة، ويعتمد ذلك على ما إذا عُد الإخفاق متعمداً أو غير مقصود.
في المحصلة، يواجه فاراج للمرة الثانية في غضون أشهر، فضيحة تمويل غير معلن ترتبط بأشخاص لهم مصالح مباشرة في قطاع العملات المشفرة الذي يدعو إليه سياسياً، وفيما ينفي فاراج وحزبه أي خرق للقواعد، ويصفان التحقيقات الصحافية بأنها مسيّسة ومبنية على انحياز إعلامي، تتقاطع هذه القضايا مع تحقيقات برلمانية رسمية قد تحدد مصيره السياسي، وسط تصاعد الضغط من المعارضة التي ترى في هذه الفضائح دليلاً على غياب الشفافية المالية لدى زعيم حزب يقدّم نفسه كمدافع عن الشعب البريطاني العادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك