أعلن البنك الدولي انتقال الأردن رسمياً من فئة الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى إلى فئة الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى، في تحديثه السنوي لتصنيفات الدخل للدول للسنة المالية 2027، في خطوة تعكس تحسن المؤشرات الاقتصادية وتحديث البيانات الإحصائية الوطنية، أكثر مما تعكس تغيراً جذرياً في مستويات المعيشة.
وبحسب التحديث الذي دخل حيز التنفيذ اعتباراً من الأول من يوليو/تموز 2026، بلغ نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي في الأردن، وفق" طريقة أطلس" المعتمدة لدى البنك الدولي، نحو 5260 دولاراً، متجاوزاً الحد الأدنى لفئة الدخل المتوسط الأعلى البالغ 4636 دولاراً.
ويُعد هذا المؤشر أحد المعايير الأساسية التي يعتمدها البنك الدولي في تصنيف اقتصادات الدول سنوياً، إلى جانب مؤشرات الاستقرار والنمو الاقتصادي.
وأوضح البنك الدولي أن انتقال الأردن إلى الفئة الجديدة جاء نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها إعادة تأسيس الحسابات القومية التي نفذتها دائرة الإحصاءات العامة، والتي شملت تحديث سنة الأساس وتوسيع نطاق التغطية الإحصائية، بما كشف أن حجم الاقتصاد الأردني أكبر بنحو 10% مقارنة بالتقديرات السابقة.
كما أشار إلى أن الاقتصاد الأردني واصل تحقيق نمو مستقر، مدعوماً بمرونة القطاعات الاقتصادية، ونمو الصادرات، والحفاظ على استقرار المؤشرات الاقتصادية الكلية، رغم التحديات الإقليمية والضغوط الخارجية.
وبهذا التصنيف، يصبح الأردن الدولة العربية الوحيدة هذا العام التي تنتقل من فئة الدخل المتوسط الأدنى إلى فئة الدخل المتوسط الأعلى، ضمن مجموعة محدودة عالمياً لا تتجاوز خمس دول، ليصنف ضمن الدول النامية ذات الدخل الأعلى، في مؤشر يعكس تحسناً نسبياً في الوزن الاقتصادي للمملكة على مستوى البيانات الدولية.
ويُصدر البنك الدولي تصنيفات الدخل سنوياً استناداً إلى نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي وفق" طريقة أطلس"، ويُستخدم هذا التصنيف كمرجع رئيسي في توجيه سياسات التمويل الدولي، وبرامج الدعم، وأطر التعاون التنموي مع الدول.
وقال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض لـ" العربي الجديد"، إن لهذا التصنيف أبعاداً متعددة، أولها أنه يعكس صورة إيجابية عن توسع الاقتصاد الأردني، نتيجة تحديث منهجية قياس الناتج المحلي الإجمالي، واصفاً هذا التطور بأنه" خطوة صحيحة" من الناحية الإحصائية.
وأوضح أن مراجعة الحسابات أظهرت وجود أنشطة اقتصادية لم تكن تُحتسب سابقاً، ما أدى إلى رفع حجم الاقتصاد، ومع ثبات عدد السكان تقريباً، ارتفع نصيب الفرد من الدخل القومي، وهو ما سمح بتجاوز عتبة الدخل المتوسط الأدنى.
وأضاف: " عدنا إلى ما كنا عليه قبل عام 2017، بعدما تراجع التصنيف نتيجة تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع عدد السكان، واليوم ارتفع حجم الاقتصاد بنحو 10% تقريبًا بعد إعادة التقدير".
وأشار عوض إلى أن هذا التصنيف، رغم إيجابيته من حيث الصورة العامة للاقتصاد، قد يترتب عليه آثار تمويلية، أبرزها تراجع فرص الاستفادة من بعض برامج التمويل الميسر منخفض الفائدة، التي تُخصص عادة للدول منخفضة الدخل.
وأكد أن التصنيف الجديد لا يعني بالضرورة تحسن مستويات دخل المواطنين أو الرفاه المعيشي، باعتباره مؤشراً إحصائياً يعكس حجم الاقتصاد أكثر مما يعكس توزيع الدخل، مضيفا أن تحويل هذا التحسن الإحصائي إلى أثر اجتماعي يتطلب إصلاحات في السياسات العامة، تشمل النظام الضريبي، ومستويات الأجور، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية.
وتوقع عوض أن تتأثر شروط التسهيلات الائتمانية وبعض أدوات التمويل الخارجي، في حين أشار إلى أن تأثير ذلك على المنح قد يكون محدوداً، في ظل استمرار علاقات الأردن القوية مع المانحين الدوليين، لافتا إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة على القروض الخارجية يبقى احتمالاً قائماً، خاصة أن جزءاً كبيراً من تمويل المشاريع يعتمد على الاقتراض الخارجي.
وعن الأوضاع المالية، أوضح أن الدين العام تجاوز 117% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تستحوذ فوائد الدين على نحو 17% من الموازنة العامة، معتبراً أن هذه مؤشرات تعكس كلفًا مرتفعة يتحملها الاقتصاد الوطني.
ورأى أن تحسين صورة الاقتصاد أمام المستثمرين قد يسهم في زيادة الثقة وجذب الاستثمارات، لكنه شدد على أن ذلك لا يكفي دون تنفيذ برامج تنموية وإصلاحات هيكلية.
من جانبه، قال المحلل الاقتصادي محمد البشير، لـ" العربي الجديد"، إن البنك الدولي يجري في الأول من يوليو/تموز من كل عام مراجعة لتصنيفات الدخل، مشيراً إلى أن الأردن أجرى تحديثًا في حساباته القومية خلال النصف الثاني من عام 2025، إلا أن أثر ذلك لم يظهر إلا في تحديث التصنيف الصادر مطلع يوليو/تموز الحالي.
ورأى البشير أن بعض التطورات الإقليمية، بما فيها الحرب على إيران والعدوان الإسرائيلي على غزة، أسهمت بصورة غير مباشرة في زيادة الطلب على المنتجات الأردنية، نتيجة تحولات في سلاسل التوريد وتوجه أسواق عربية إلى بدائل جديدة بعد مقاطعة بعض المنتجات، ما عزز الصادرات الصناعية المحلية ورفع الإنتاج.
وأضاف أن التوترات في الإقليم، ولا سيما في الخليج العربي ومضيق هرمز، ساهمت في ارتفاع الطلب على الفوسفات والبوتاس، سواء كمادتين خام أو بعد تصنيعهما، وهو ما انعكس إيجاباً على الصادرات والناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي على نصيب الفرد من الدخل.
وأوضح أن نصيب الفرد من الدخل القومي، رغم كونه مؤشراً معتمداً دولياً، قد يكون مضللًا في بعض الحالات لأنه لا يعكس توزيع الثروة داخل المجتمع، لكنه يظل أداة للمقارنة بين الدول، مشيرا إلى أن التصنيف الجديد يعزز جاذبية الأردن الاستثمارية، في ظل ما يتمتع به من استقرار نسبي وأمن مقارنة بدول الإقليم.
لكنه شدد على أن الاستفادة الحقيقية من هذا التصنيف تتطلب تحسين بيئة الأعمال، وتخفيف كلف الإنتاج، ودعم قطاعي الصناعة والزراعة، مؤكدًا أن الأرقام الاقتصادية تفقد قيمتها إذا لم تنعكس على مستوى معيشة المواطنين.
وأشار إلى استمرار العبء الضريبي المرتفع، خصوصاً ضريبة المبيعات، التي تؤثر بشكل أكبر على ذوي الدخل المحدود، مقارنة بأصحاب الدخول المرتفعة، داعيا الحكومة ومجلس النواب إلى معالجة الاختلالات في المالية العامة، في ظل توقعات بوصول الدين العام إلى نحو 50 مليار دينار (70 مليار دولار) مع نهاية العام.
وأضاف أن بعض القطاعات، مثل الفوسفات والبوتاس والصناعات الدوائية، استفادت من المتغيرات الاقتصادية، لكنها لم تُحدث بالضرورة توسعاً كبيراً في فرص العمل بسبب اعتمادها على طاقات إنتاجية قائمة، مبينا أن معظم فرص العمل في الأردن ترتكز في المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ما يجعل دعمها أولوية اقتصادية.
ورأى أن ارتفاع فوائد الديون، إلى جانب اقتراب إجمالي قروض الأفراد والشركات من نحو 35 مليار دينار (50 مليار دولار)، يشكل عبئاً إضافياً على الاقتصاد، ويحد من قدرة القطاعات الإنتاجية على النمو، ما يجعل التحدي الأساسي أمام الاقتصاد الأردني تحويل التحسن الإحصائي إلى أثر معيشي ملموس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك