إيلاف من دمشق: أحياناً لا تحتاج العودة إلى العالم إلى طائرة ركاب كاملة أو شحنة تجارية ضخمة.
يكفي طرد بريدي واحد.
هذا ما حدث في مطار دمشق الدولي، حيث وصل أول طرد بريدي دولي قادماً من الأردن، في خطوة رمزية وعملية تؤذن باستئناف استقبال البريد الخارجي عبر المطار بعد انقطاع دام أكثر من 10 أعوام.
وأفادت وكالة الأنباء السورية «سانا» بأن مطار دمشق الدولي استقبل، الأحد، أول طرد بريدي دولي قادماً من المملكة الأردنية الهاشمية، معتبرة أن وصوله يشكل إيذاناً باستئناف استقبال البريد الخارجي عبر المطار بعد توقف طويل.
وتتجاوز دلالة الحدث حجمه البريدي.
فالطرد القادم من الأردن يفتح نافذة صغيرة على عودة سوريا إلى شبكات الاتصال والخدمات العابرة للحدود، بعد سنوات من الانقطاع الذي فرضته الحرب، والعزلة السياسية، وتعطل البنى اللوجستية.
فالبريد، في جوهره، ليس خدمة ثانوية فقط، بل مؤشر على انتظام الدولة وقدرتها على التواصل مع العالم.
ومن شأن استئناف استقبال البريد الخارجي عبر مطار دمشق أن يسهل تبادل الرسائل والطرود للمواطنين والمؤسسات، بدءاً من الجوار الإقليمي، وفي مقدمته الأردن، الذي يمثل معبراً طبيعياً لحركة الناس والسلع والخدمات بين سوريا والعالم العربي.
وتأتي الخطوة بعد مسار تدريجي لإعادة تشغيل بعض مرافق مطار دمشق الدولي.
ففي كانون الثاني (يناير) 2025، شهد المطار أول رحلة تجارية دولية بعد سقوط نظام بشار الأسد، عندما وصلت طائرة تابعة للخطوط الجوية القطرية إلى دمشق، في مؤشر مبكر على إعادة تأهيل المطار واستئناف ربطه بالخارج.
كما أعلنت «سانا» في تشرين الأول (أكتوبر) 2025 إعادة افتتاح المنطقة الحرة في مطار دمشق بعد توقف دام 14 عاماً، مع استقبال أول شحنة تجارية.
وفي هذا السياق، يبدو وصول أول طرد بريدي من الأردن حلقة جديدة في سلسلة عودة الخدمات، لا حدثاً معزولاً.
فبعد الطيران التجاري والشحن والمنطقة الحرة، يأتي البريد ليضيف طبقة يومية مباشرة إلى عملية إعادة الاتصال: رسائل، وثائق، معاملات، طرود شخصية، وحركة صغيرة لكنها شديدة الدلالة بين السوريين والعالم.
ويكتسب المصدر الأردني للطرد معنى خاصاً.
فالعلاقة السورية ـ الأردنية ظلت، خلال سنوات الحرب، واحدة من أكثر العلاقات تأثراً بالأمن والحدود والتجارة واللاجئين.
واليوم، حين يبدأ البريد الخارجي من عمان إلى دمشق، فإن ذلك يعكس عودة تدريجية لمسار إقليمي عملي، بعيداً من الشعارات الكبرى، وقريباً من حاجات المواطنين والمؤسسات.
وكانت سوريا قد دخلت مرحلة سياسية جديدة في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، حين دخلت قوات المعارضة العاصمة دمشق وأُعلن سقوط نظام بشار الأسد، الذي حكم البلاد منذ عام 2000 خلفاً لوالده حافظ الأسد.
ومنذ ذلك التاريخ، بدأت السلطات الجديدة محاولة إعادة تشغيل مؤسسات الدولة ومرافقها الأساسية، وسط تحديات أمنية واقتصادية وخدمية واسعة.
ولا يعني وصول طرد بريدي أن سوريا تجاوزت أزماتها، لكنه يقول إن شيئاً من الحياة الإدارية واللوجستية يعود إلى مساره.
ففي الدول الخارجة من الحروب، تُقاس العودة أحياناً بأشياء صغيرة: ختم على ظرف، شحنة في مخزن، مسار بريدي يعاد فتحه، ونافذة في مطار تستقبل العالم من جديد.
هكذا، يدخل طرد الأردن إلى دمشق محملاً بما هو أكبر من محتواه.
إنه رسالة أولى بأن البريد، مثل المطار، ومثل المدينة، يحاول أن يستعيد طريقه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك