وكالة سبوتنيك - باحثون روس يحددون مكونات واعدة لإلكتروليتات بطاريات الليثيوم المعدني من الجيل القادم الجزيرة نت - إسرائيل تعيّن أول سفيرة مقيمة في سلوفينيا العربي الجديد - روسيا: أوكرانيا ترفض وقفاً لإطلاق النار لتسليم جثث عسكريين العربي الجديد - اليمن يدفع 1.5 مليار دولار فوارق شحن سنوياً الجزيرة نت - "مرحبا بالخاسر، أنت واحد منا".. مقهى بالمكسيك يداوي انكسار الجماهير في المونديال الجزيرة نت - جدعون ليفي: صورة تعذيب الأسير الفلسطيني تجسد أقصى درجات اللا إنسانية العربي الجديد - ثورة 25 يناير بريئة من انهيار الجنيه المصري العربي الجديد - باكستان: مقتل 3 فتيات وإصابة 4 من عائلة واحدة في هجوم بمسيّرة الجزيرة نت - شاهد.. مستوطنون يضرمون النار في مطعم جنوب نابلس ويسرقون محتوياته العربية نت - السعودية وكينيا تعقدان أول اجتماع للمشاورات السياسية
عامة

بطل أحيا الصحراء ووحَّد الشتات

إيلاف
إيلاف منذ 1 ساعة

إنني وغيري من أبناء هذا الوطن؛ كلنا نتاج التغيير الجذري الذي طرأ على صحرائنا القاحلة التي كانت مواتًا خاويًا؛ فصارت تضج بالحركة والنماء، وتزخر بالعمل، والنشاط، والعلم، والفكر، والأدب، والإنجاز، والضيا...

إنني وغيري من أبناء هذا الوطن؛ كلنا نتاج التغيير الجذري الذي طرأ على صحرائنا القاحلة التي كانت مواتًا خاويًا؛ فصارت تضج بالحركة والنماء، وتزخر بالعمل، والنشاط، والعلم، والفكر، والأدب، والإنجاز، والضياء؛ فانقلب السكون إلى حركة، والظلام إلى ضياء، والجهل إلى معرفة، وتحوَّل الخواء إلى عمل مكتظ، وإلى تفاعل جيّاش؛ فصار الغياب والانطفاء حضورًا بالغ السطوع؛ لقد أصبح هذا الانبعاث والحضور يعم الآفاق، ويشغل الدنيا.

إنني حين فكَّرت بكتابة سيرتي الذاتية؛ بزغ فورًا وبقوة اسم صانع هذا الكيان؛ الملك عبد العزيز؛ فأنا من جيل كان حظه سعيدًا بأنه وُجد في عصر قد أعقب توحيد المملكة؛ وتمتَّع بثمار هذا التوحيد.

إننا في هذا الوطن السعيد؛ نعيش واقعًا عظيمًا؛ فلم تعد بلادنا مواتًا، من الصحاري، الشاسعة الخاوية، البائسة، ولم تبقَ أرضنا قفارًا فارغة هامشية مجهولة، وكأننا خارج العالم؛ إن هذه الأرض ظلت خلال القرون هامشية مهمَلة؛ حتى أبناؤها حين سادوا خارجها أهملوها؛ فبانتصار الإسلام داخل الجزيرة؛ خرج العرب منها فاتحين فسادوا الدنيا ولكنهم أهملوا هذه البيئة التي أنجبتهم؛ ومثلما يؤكد الدكتور إبراهيم بيضون في كتابه" الحجاز والدولة الإسلامية"، فبالرغم من أن الإسلام قد انبثق من الحجاز؛ فإن العرب حين فتحوا الآفاق تخلَّوا عمليًا عن الحجاز وأهملوا صحاري نجد؛ ليس هذا فقط بل إن الفتوحات قد أفرغت الحجاز ونجد من السكان؛ فمع موجة الفتوحات انتقل الكثير من الناس والقبائل إلى المواطن الجديدة التي هيأتها لهم الفتوحات وكما يقول بيضون: " قادتْ حروبُ الفتوح؛ الآلافَ من سكان هذا الإقليم وغيره في شبه الجزيرة إلى ساحات المعارك، وإلى الاستقرار في الأمصار؛ بحيث أسفر ذلك عن ولادة صيغ جديدة في التعامل؛ كان هذا التفريغ البشري الذي تعرَّض له الحجاز؛ مقدمة لتفريغ عسكري وآخر سياسي؛ بحيث تضاءلتْ أهميته وتقلَّص دوره؛ حتى تلاشت هذه الأهمية وازداد ضمور هذا الدور" هكذا تخلى كثيرون من عرب الصحراء عن صحرائهم واستقروا في الشام وفي العراق وفي مصر وفي فارس وفي السودان وفي شمال أفريقيا وفي الأندلس وانتشروا في أقطار كثيرة؛ فالفتوحات العربية أدت إلى تفريغ الحجاز ونجد من كثير من سكانهما وتقليص أهميتهما فبقيت هذه الأرض مهمَّشة ومهملة خلال القرون.

ولكنها استعادت وجودها، وبرزت أهميتها، ولفتت الأنظار إليها؛ بتأسيس الدولة السعودية الأولى.

لكن التغيرات الإيجابية العظيمة جاءت منذ بداية القرن العشرين مع توحيد شتات هذه البيئة على يد الملك عبد العزيز، ثم حصل اكتشاف حقول البترول في باطن هذه الصحراء؛ فجاءت التنمية على يد أبناء الملك عبد العزيز؛ فهذه البلاد التي تعاقبت القرون على إهمالها وتهميشها؛ كانت موعودة بتغيُّرات حضارية جذرية، وكان لها أن تنتظر تحولات نوعية عظيمة؛ لقد كانت موعودة بالتوحيد بعد الشتات، وبالرخاء بعد المجاعات، وبالاجتماع بعد الفُرقة، وبالأمن بعد الخوف؛ فبفضل التحولات الإيجابية النوعية التي طرأتْ عليها؛ بإنجازات القائد العظيم الفذ الملك عبد العزيز والقادة الأفذاذ من أبنائه؛ سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وسلمان؛ قد تجدَّدتْ فُتُوَّة الوطن، واكتسبت عنفوانًا عظيمًا؛ في عهد الملك سلمان، وبزوغ نجم القائد الاستثنائي الفذ الفريد محمد بن سلمان؛ فبفضل الملك عبد العزيز وأبنائه؛ صارت هذه الصحراء وطنًا عظيمًا في انتقاله من السكون إلى الحركة، ومن الخواء إلى الامتلاء، ومن البؤس إلى الرخاء، ومن الهامش إلى الصدارة، لقد صار وطنًا عظيمًا في ازدهاره، وعظيمًا في انتظام أمنه واستقراره، وعظيمًا في تجدُّد خلق الإمكانات له، وعظيمًا في رؤاه التنموية، وعظيمًا في إنجازاته، وعظيمًا في مكانته الدولية، وعظيمًا في اندفاعه نحو الأرقى والأعظم والأروع؛ للحاضر والمستقبل.

إن القادة في العالم يأتون لمجتمعات قائمة؛ أما الملك عبد العزيز؛ فقد أنشأ من الفراغ وطنًا، وكوَّن من الشتات مجتمعًا موحَّدًا، وأوجد من السكون حركة، وخلق من التنافر تلاحمًا وانسجامًا؛ لقد كان الملك عبد العزيز باهرًا في مبادراته، وباهرًا في عزيمته، وباهرًا في تفكيره، وباهرًا في إقدامه، وباهرًا في صبره ومصابرته، وباهرًا في طول نَفَسه، وباهرًا في حنكته ودهائه، وباهرًا في إنجازاته؛ لقد بهر الأبعدين مثلما أثار إعجاب وإجلال الأقربين؛ إن المؤرخ الفرنسي جاك بونوا ميشان في كتابه" الشرق في زمن التحولات": وصَف الملك عبد العزيز بأنه: " صانع أحداث، ومفاجآت باهرة" ويقول: " وما لم يكن في الأمس؛ سوى لحن وحيد تسري نغمته في خلاء الرمال الصحراوية؛ أصبح اليوم لحنًا كثيفًا متعدد النغمات؛ تتداعى فيه وتتجاوب؛ آلاتٌ موسيقية عدة؛ وهي تتميز عن صمت العهود السابقة؛ بثرائها، وحجمها، وتعقيدها" ويقول عالم الاجتماع الأشهر ماكس فيبر: " إن السياسة؛ تعتمد على الجهد الشاق، والعمل المتواصل؛ للحفر في الصخر؛ وتتطلب الصبر والرؤية الثاقبة" وينبه فيبر أن الدنيا لا تستجيب إلا للخارقين فيقول: " وعلى الدوام قد أكدت التجربة التاريخية؛ أننا لا نحصل على الممكن إلا إذا هاجمنا المستحيل؛ ولكن الرجل الذي يقوم بهذه المحاولة؛ يجب أن يكون زعيمًا بل يجب أن يكون بطلًا" ولقد كان الملك عبد العزيز هو ذلك البطل؛ فلم يكن بالإمكان تحقُّق ذلك لولا بطولة، وجهاد، وحكمة، وصبر، وبُعد نظر، وحلم، وبصيرة، وإقدام، وعفو، ومصابرة، وحنكة وحكمة الملك عبد العزيز؛ لولا ذلك لما كان لموات الصحراء الشاسعة أن يتبدَّل؛ على هذا النحو الجذري؛ ليصبح بالغ الجيشان، والحيوية، والامتلاء، والضياء، والأهمية.

إن التحولات الكبرى لا تخلق ذاتها؛ بل إن الأوضاع البشرية؛ حتى مع العمل الجاد؛ لا تستجيب إلا بعمل خارق؛ فالتاريخ يمكن أن يمتد، والقرون يمكن أن تتوالى؛ من دون تغيير؛ فالقفار الصحراوية؛ كان يمكن أن تبقى كما كانت خلال القرون: مخيفة، خاوية، فارغة، رتيبة، مجدبة، مقفرة، مهمَّشة، ومنسية؛ تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة؛ لكنها كانت موعودة بتحولات نوعية عظيمة بفضل قائد فذ؛ ومثلما يقول الفيلسوف الألماني الأكبر عمانوئيل كانط: " التحوُّل الجذري؛ ينجزه رجلٌ واحد" ويقول الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير: " الشخصيات العظيمة؛ تحدد مراحل التاريخ" ويقول الفيلسوف الأميركي رتشارد رورتي: " التقدم يُحدثه أفرادٌ يدركون إمكانية لا يدركها الآخرون" ويقول المفكر الفرنسي جان غيهينو: " التاريخ لا يؤثر فينا؛ إلا في إطار سيرة رجل عظيم؛ عندما نرى الحدث التاريخي؛ يتمثَّل في رجل، يقرر حياته وموته؛ عندئذ؛ يساعدنا التاريخ على أن نحيا"؛ فلا نمو، ولا ازدهار، لمثل هذه الصحراء القاحلة، بمساحتها الواسعة، وأنحائها المتباعدة، ومناطقها المختلفة، وعشائرها الكثيرة المتنافرة؛ إلا بقيادة فذَّة تتناسب قدراتها الفائقة مع تنوع التحديات؛ فأقصى وأغلى وأرفع؛ ما ينشده أي مجتمع؛ هو الوحدة، والانتظام، والأمن، والاستقرار، والازدهار، والرخاء؛ وهذا قد تحقق.

مرَّتْ المملكةُ بعدد من المراحل؛ عصر الاستعادة والتأسيس، أعقبه عصر المصابرة والتوحيد، ثم عصر الرخاء والتشييد، ثم عصر الرؤية الشاملة، والتنمية المستدامة، والتحولات النوعية العظيمة؛ حيث دخلت المملكة في طور تنموي جديد، واتخذت تحولات نوعية عظيمة فارقة؛ طبقًا للرؤية التي كوَّنها وتابع تنفيذها محمد بن سلمان، إنها رؤية شاملة للحاضر والمستقبل؛ فمثلما كان وجود المملكة؛ تأسيسًا، وتوحيدًا، وتوطيدًا؛ مرتبطًا باسم الملك عبد العزيز؛ فقد تميَّز عهد فيصل بمواجهة الغليان، والتفجُّر، ومجابهة العواصف، والتصدي للتحديات السياسية، وتحقيق الاستقرار، وتميَّز عهد خالد وفهد بالبناء، والرخاء، وتغيير أحوال المجتمع بشكل جذري؛ فإن عهد الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان؛ قد تميَّز بتحولات نوعية عظيمة وغير مسبوقة؛ فقد صار تنويع مصادر الدخل، والخروج من قبضة المصدر الناضب؛ همًا شديد الإلحاح في عقل الملك سلمان ومحمد بن سلمان.

كما أنه لأول مرة تصبح جودة الحياة مطلبًا معلنًا، وهدفًا أساسيًا؛ من قبل السلطة السياسية؛ إن محمد بن سلمان يتابع كل صغيرة وكبيرة؛ إنه يتحرك وفق رؤية، عظيمة شاملة، تتفاعل عبر مراحل التنفيذ؛ فتستجيب لمختلف التغيرات المحلية والعالمية؛ فعهد الملك سلمان هو عصر الرؤية الشاملة التي تمتد ليس لمتطلبات هذا الجيل وإنما تمتد إلى متطلبات الأجيال الآتية بالعمل الجاد الذي ينطلق في كل الاتجاهات من أجل تنويع مصادر الدخل وتحقيق الأمان الاقتصادي ليس فقط للحاضر وإنما للأجيال القادمة.

إن العجيب والباهر والمذهل؛ أن محمد بن سلمان مُلمّ بكل التفاصيل؛ عن كل شيء؛ يهم الوطن؛ بشكل دقيق ومفصَّل وعجيب وباهر ومذهل، إنه متابع لكل النشاطات التفصيلية بصورة دقيقة خارقة، إنه يعمل للوطن؛ حاضرًا ومستقبلًا أشد مما يعمل الإنسان لنفسه ولأسرته؛ إنه يسعى لخير الوطن؛ بكل تفكيره ومشاعره وكل كيانه؛ إنه يفكر، ويعمل، ويتحرك؛ بحماس متدفق؛ أكثر من أشد الناس إحاطة، وتدقيقًا، ويقظة، وانتباهًا، وحرصًا، وحماسًا، وحيوية، وتدفقًا وألمعية، وهذا شأن العظماء؛ وكما يقول الفيلسوف الألماني فخته: " إن كل ما هو عظيم، وكل ما هو جميل؛ يرجع كله إلى أن العظماء؛ قد ضحوا بجميع مباهج الحياة من أجل المهام الكبرى" وهذا هو أقصى ما يمكن أن يتوقعه مجتمعٌ من قيادته.

لم ينعم الوطن فقط بالرخاء وإنما ينعم أيضًا بالأمن والاستقرار؛ إن هذه أهم متطلبات الحياة؛ فها هي الاضطرابات، والفوضى، والحروب، والنزاعات، واختلال الأمن، بل والفقر والمجاعات؛ تندلع في كل أصقاع الأرض؛ وهذا يستوجب إدراك نعمة الرخاء والأمن والاستقرار؛ وأكرر هاتين العبارتين مرارًا؛ لأن الأمن والاستقرار أهم دوافع العمل والإنتاج؛ فالحياة مع الخوف الدائم؛ هي شيء فظيع؛ لذلك فإن الفيلسوف الإنجليزي الشهير توماس هوبز؛ يرى أن مطلب الأمن هو المسوغ الأول لوجود السلطة السياسية؛ فبدون هذه السلطة تسود حرب الكل ضد الكل؛ فالإنسان ذئب الإنسان؛ لذلك يقول الفيلسوف الفرنسي سارتر: " الآخر هو الجحيم" ويعقد جوليان فرند في كتابه" جوهر السياسة" فصلًا يؤكد فيه" تلاحم الأمن والازدهار" كما يؤكد بأن الناس في الاضطرابات؛ قد يتحدون لمواجهة وضع قائم؛ أما حين تنحل السلطة، فلا بد أن تعقبها الفوضى؛ ثم يعجز المتنازعون أن يتفقوا على أي شيء.

إن الأصل في الناس هو الاختلاف فلا يوجد عقلان متماثلان؛ إن الاختلاف الحتمي في أفكارهم يؤدي حتمًا إلى تفاقم الخلاف بينهم؛ ومثلما يقول جوليان فرند: " لا شيء يدعو للخلاف أكثر من الأفكار" وحين نعود إلى أشد المفكرين دراية بالتاريخ البشري وأعلمهم بمقومات الحضارة؛ ول ديورانت؛ نجده في المجلد الأول من كتابه العظيم" قصة الحضارة" يتحدث عن مقومات الحضارة فيقول: " الحضارة تبدأ حين ينتهي الاضطراب؛ لأنه إذا أمن الإنسان من الخوف؛ تحررت في نفسه دوافع التطلع، وعوامل الإبداع والإنشاء" ويكرر تأكيد هذا المعنى كلما لاحت مناسبة خلال كتابه الذي يبلغ 42 جزءًا، ففي المجلد 25 يقول: " إن النظام أصل الحرية وليس ثمرة لها" ويعود مرة أخرى ليقول: " في شبابي كنت؛ أهتم كثيرًا بالحرية، وكنت أقول إنني مستعد أن أموت من أجل حريتي؛ ولكني في كهولتي؛ أصبحت أهتم بالنظام قبل الحرية؛ فقد توصلت إلى اكتشاف عظيم؛ يثبت أن الحرية هي نتاج النظام" ويتحدث عن ملك السويد العظيم غوستاف ثم يقول: " وصَفحتْ السويدُ عن حكمه المطلق؛ لأنها أدركتْ أن النظام أصل الحرية وليس ثمرة لها" أما المفكر المبدع تولستوي؛ فيحذر من الفوضى والعنف فيقول: " العنفُ يولد العنفَ؛ ولهذا تتمثل الطريقة الوحيدة للتخلص منه في عدم ارتكابه" فلا بد من تجنب أسباب الفوضى والعنف ويقول تولستوي: " من الغريب التفكير في الحياة المرعبة، الحقودة؛ التي يعيشها معظم البشر؛ الذين وُلدوا لأجل المحبة والخير" أما الفيلسوف كارل بوبر فيقول في كتابه" أسطورة الإطار": " إن نظريتي الاجتماعية؛ تحبذ الإصلاح الجزئي التدريجي؛ الإصلاح المحكوم بالمقارنة النقدية بين النتائج المتوقعة والنتائج المتحققة" ويقول الفيلسوف الألماني ليبنتز: " إن تعريفي للدولة؛ هو أنها مجتمع كبير؛ تتمثل غايته في الأمن المشترك؛ فالأمن مطلب جوهري في حياة الشعوب؛ والخير يفقد معناه من دون الأمن" وفي المجلد السابع من" تاريخ العالم" يقول المؤرخ سدني ديموند: " جُبل الإنجليز؛ على حب الحرية الممتزجة امتزاجًا مدهشًا بما هو متأصل في نفوسهم من حب للنظام" لذلك نجد أن توماس كارليل، وهيبولت تين، وياكوب بوركهارت، وأرنست رينان، وويل ديورانت وغيرهم من كبار المفكرين في العالم؛ يؤكدون على أولوية النظام والاستقرار على أي مطلب آخر؛ فإذا كان الاستبداد والطغيان فظيعًا؛ فإن الفوضى أفظع منه؛ فهي أبشع الشرور.

نجد مصداق ذلك في ما يجري في الكثير من بلدان العالم، ومن أقرب الأمثلة ما أسفر عنه ما سمي" الربيع العربي" فليبيا على سبيل المثال؛ تخلصت من القذافي وهو أسوأ الحكام، وأشدهم استبدادًا وأكثرهم إمعانًا في العنجهية إلى درجة الجنون؛ لكن ليبيا بعده دخلت في فوضى فظيعة، وفي اضطرابات لا نهاية لها؛ ومضت السنوات من دون أن يجد المتنازعون طريقهم إلى التلاقي والمصالحة والاستقرار؛ وعلينا أن نتذكر أن عدد الليبيين كلهم خمسة ملايين فقط، أي أن مجموعهم أقل من عدد سكان مدينة، بل أقل من سكان حارة في مدينة واحدة كبرى؛ مثل شنغهاي التي يبلغ سكانها أكثر من ستة وعشرين مليونًا.

إن تفاقم الاضطراب بعد انفراط نظام القذافي؛ قد أدى إلى الانفلات والاقتتال والاضطراب والفوضى، وإصرار كل فريق بأن يفرض رؤيته؛ فيستحيل التوافق؛ ويعود ذلك إلى أن متطلبات الناس تتنوع بعدد الأفراد فلا يوجد فردان يتماثلان تماثلًا كاملًا في أنماطهما الذهنية أو في رغباتهما، أو في تصوراتهما لما يجب أن تكون عليه الأمور.

كما أن متطلبات كل فرد مباينة بل مضادة لمتطلبات أي فرد آخر وبالرغم من أن ليبيا وطن بترولي؛ فمواردها تكفي للجميع؛ وبالرغم من ذلك فإن المتنازعين عجزوا أن يتفقوا على أي شيء؛ فعاش الناس في خوف، وفقر، وبؤس ولكن الناس حين يسخطون على أي وضع قائم يغفلون غفلة مطبقة عن اختلاف متطلبات كل منهم؛ فيتوهمون بأن المعضلة في الوضع القائم فقط، ويغفلون عن أصالة وأولوية وتلقائية الاختلاف؛ ومن هنا جاء تأكيد الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز على الأولوية التامة للضبط والسلطة؛ لأنه ما أن تنفلت الأمور حتى تسود الفوضى والاقتتال والعجز عن التوافق.

والأمثلة على النتائج البشعة المروعة لاندلاع الفوضى وفقدان الأمن وغياب الاستقرار؛ لا تغيب عن وسائل الإعلام؛ لذلك علينا أن نغتبط بما نحن فيه من رخاء، وأمن، واستقرار.

في سنوات ماضية كان الخوف من المستقبل؛ يعتصر المهتمين من أبناء الوطن؛ خوفًا من التراجع الفظيع بعد نضوب البترول في هذه البيئة الصحراوية القاحلة؛ لقد كانت هذه البيئة الجدباء عاجزة عن إعالة سكانها حين كانوا أشتاتًا قليلين؛ أما الآن فإننا نعيش في مدن عظيمة مكتظة بالملايين؛ لذلك كان الخوف على المستقبل ينطلق من حقائق موضوعية.

لكن رؤية 2030 في عهد الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان؛ قد ملأتنا بالاطمئنان إلى المستقبل؛ فلن يعود الوطن ومواطنوه؛ مرتهنين للنفط المهدد بالنضوب وبالبدائل وإنما سيتحقق تنويع مصادر الدخل؛ فالوطن له قيادة واعية وعيًا استثنائيًا متقدًا؛ إنها تدرك كل متطلبات المستقبل، وقد حشدتْ مختلف الكفاءات، وجميع القطاعات؛ من أجل تحقيق، وإنجاز كل الأهداف، ومتابعة كل التفاصيل، والمفردات؛ التي تستهدفها الرؤية الوطنية الشاملة.

فلا شيء يجري ارتجالًا وإنما هي مسارات تلتزم بها كل القطاعات وكل المعنيين.

إن علينا أن نذكر كل الأجيال في هذا الوطن بعظمة واقعه، وأن نكرر تذكيره بأن هذا الواقع العظيم؛ كان واقعًا طارئًا على هذه البيئة الصحراوية الجدباء التي كانت مخيفة، وفارغة، وخاوية، ومجدبة، ومهمشة، ومهمَلة؛ وكما يذكرنا مدني صالح بأن: " المجاعة، وسنوات القحط؛ مشهورة في تاريخ كل صحراء" إن كل هذه التحولات العظيمة؛ لم تكن لتتحقق لو لم يتمكن الملك عبد العزيز؛ من توحيد المملكة؛ إن يوم توحيد المملكة هو يوم ميلاد وطن بأكمله؛ فبهذا التوحيد؛ تحقق انتقال هذه البيئة القاحلة من هامش الهامش إلى صلب النص، بل انتقالها من هامش الهامش لتكون العنوان الأكثر بزوغًا، وإشراقًا، وعظمة؛ فلا بد أن تعرف الأجيال التي تعيش في وطن ينعم بالأمن والاستقرار والرخاء والنماء؛ كيف كنا وكيف صرنا؛ فينبغي أن يكون حاضرًا في أذهاننا جميعًا حقائق كبرى.

إن الكيانات الكبرى والأوطان صنعها أفراد خارقون فحين تُذكر ألمانيا يحضر فورًا اسم الملك فريدريك العظيم وحين تُذكر بريطانيا يبرز اسم وليم الفاتح وحين تُذكر روسيا يبرز اسم بطرس الكبير وحين تُذكر السعودية يضيء اسم الملك عبد العزيز؛ بل إن دور الملك عبد العزيز يفوق أدوار كل أولئك القادة العظماء؛ لأنهم قد أنجزوا ما حققوه في بيئات تكتظ بمقومات الحياة، وتتوافر فيها كل إمكانات إنشاء الدول؛ أما الملك عبد العزيز فقد خلق كيانًا عظيمًا من العدم؛ فالسعودية كوطن وكيان ومجتمع هي نتاج الملك عبد العزيز فقد صنع من الفراغ وطنًا، وكوَّن من الشتات مجتمعًا، وأقام من العدم كيانًا؛ ذلك أن هذه البلاد خلال القرون ظلت صحراء مهمَلة، وشبه فارغة؛ فلا أحد يهتم بها أو يسأل عن أحوال أهلها المبعثرين في فيافيها الشاسعة الحارقة؛ فكان أهلها شتاتًا؛ يتقاتلون على موارد الرزق النادرة الشحيحة؛ فكانت الحياة في هذه الصحراء القاحلة؛ مشحونة بالمجاعات، وبالمخاوف، وبالشقاء، وبغياب مقومات الحياة؛ فكل شيء كان بالتقطير، والتقتير؛ فقد كان التدافع حادًا على موارد الماء الضحلة، وعلى المراعي الشحيحة، وعلى لقمة العيش التي لا تُنال إلا بأقصى درجات المشقة.

ومع أن العرب أثناء ازدهارهم في الماضي؛ قد انطلقوا من هذه الصحراء فاتحين؛ فأسسوا دولًا عظيمة في دمشق، وبغداد، والقيروان، وقرطبة، والقاهرة؛ فامتد نفوذهم إلى الصين شرقًا وإلى إسبانيا غربًا إلا أنهم حين تمكنوا لم يلتفتوا إلى هذه البلاد التي أنجبتهم فأهملوها إهمالًا تامًا وبقيت مهمشة ومنسية خلال القرون؛ لذلك وجد فيها المنشقون والمتمردون من أمثال القرامطة ملاذًا عن سلطة الخلافة.

وحتى مكة المكرمة والمدينة المنورة حين نسترجع الصور المأخوذة لهما في بداية القرن العشرين؛ نجد أنهما كانتا مهملتين ولم يتحقق فيهما أي تطور أو نمو يتناسب مع المكانة المقدسة لهما حتى جاء العهد السعودي فأخرجهما من ظلمات الإهمال؛ إلى ضياء الوجود، ومن الانكماش والمحدودية إلى التوسع والتعملق والامتداد، ومن الهامشية إلى التأثير، والفاعلية.

لكن هذه الأرض اليباب؛ كانت موعودة بما لم يكن يتوقعه أحد ففي كتابه" العرب" يقول المؤرخ الإنجليزي يوجين روجان: " في عام 1913 برزت فجأة دولة عربية جديدة؛ بزعامة قائد شاب فذ اسمه عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود المشتهر لدى الغرب باسم ابن سعود" ويضيف: " بدأ ابن سعود صعود السلطة عام 1902 عندما قاد أتباعه؛ لتحقيق النصر، والاستيلاء على مدينة الرياض في وسط الجزيرة العربية، أعلن ابن سعود الرياض عاصمة له، وبحلول عام 1913 استولى السعوديون على مدينة الهفوف، وبرزوا كقوة كبيرة جديدة"يعرف الكثيرون عبقرية، ودهاء، وحنكة، وصلاح الملك عبد العزيز وحكمته، وإقدامه، كما يعرفون مختلف القدرات الفذة المعروفة عنه لكن ربما أن البعض لا يعلمون بأنه متحدث فصيح ومؤثِّر؛ وكما يقول حافظ وهبة في كتابه" خمسون عامًا في جزيرة العرب": " الملك عبد العزيز كان محدثًا بارعًا؛ يخاطب كل جماعة بما يناسبها: فلأهل الأمصار لغة، ولأهل البادية لغة، ولشيوخ العلم لغة، وكان يحفظ كثيرًا من آيات القرآن، وقسطًا وافرًا من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يستشهد بها في أحاديثه" إن الفصاحة والطلاقة اللغوية مهمة لأي زعيم.

وقد كان الملك عبد العزيز يملك هذه الطلاقة اللغوية؛ ما أتاح له شرح سياساته، والتحاور الناجح مع أتباعه ومع خصومه؛ ويشبهه في هذه الطلاقة اللغوية؛ ابنه الملك فهد بن عبد العزيز الذي كان يتحدث ارتجالًا في كثير من المناسبات؛ باسترسال رائع يدوم ساعة أو أكثر؛ كان الملك فهد يتحدث في الاجتماعات العامة وهو جالس؛ يتحدث عن المجتمع وقضاياه، وعن التنمية ومجالاتها، وعن الكثير من القضايا الدولية، وعن مواقف المملكة من هذه القضايا، وكان يتناول الأوضاع بتفاصيل شاملة؛ تؤكد اهتمامه العميق، ويقظته، ومتابعته، وإلمامه الدقيق؛ لما جرى وما يجري في الوطن وما له علاقة بالوطن من القضايا العالمية؛ وكانت الصحف تنشر أحاديثه فتملأ صفحة كاملة بل تفيض عن الصفحة.

وقد قام الدكتور عبد الله العسكر بترجمة الكتاب المكون من ثلاثة مجلدات الذي ألَّفه هيرفيه بروكيه، وزميلاه، كاترين لانو، وسيمون بيترمان.

وقد ضم الكتاب أشهر مئة خطبة سياسية في القرن العشرين ضمَّتْ خطبًا مهمة لغاندي، وتشرشل، وأيزنهاور، وهيروهيتو، وموسيليني، وهتلر وغيرهم من قادة العالم، وأضاف إليها المترجم د عبد الله العسكر؛ خطبتين للملك عبد العزيز وقدَّم لهما العسكر بقوله: " عُرف عن الملك عبد العزيز؛ نبل أهدافه، وإنسانيته العالية، وعفوه عند المقدرة حتى تجاه من خاصموه، ومحبته للخير ونشر العلم والمعرفة، وقد وهبه الله حظًا من الذكاء والفطنة والحكمة ساعدته على تحقيق نجاحات كثيرة من أبرزها توحيد البلاد، ونشر الأمن والاستقرار في أرجاء المملكة العربية السعودية" إن عبقرية الملك عبد العزيز، وقدراته الفائقة؛ قد لفتت نظر الذين التقوه أو جالسوه وقد تحدث كثيرًا عن ذلك محمد أسد" ليوبولد فايس" في كتابه" الطريق إلى مكة" وكان من شدة سطوع هذه القدرات؛ أنها قد لفتت نظره من أول لقاء فقد استقبله وهو مشغول بالإملاء على موظف كان يملي عليه إحدى الرسائل؛ يقول محمد أسد؛ منبهرًا بهذه الكفايات الباهرة: " وبينما كان الملك يتابع بهدوء الإملاء على الكاتب؛ أخذ في الحديث معي، من دون أن يخلط بين الإملاء والحديث معًا.

وبعد أن تبادلنا قليلًا من العبارات التي تقتضيها اللياقة؛ ناولته كتابًا فقرأه؛ وهذا يعني أنه كان يؤدي أعمالًا ثلاثة في وقت واحد.

ثم أمر بالقهوة، من دون أن يتوقف عن الإملاء، أو مواصلة الحديث معي.

وقد تمكنت خلال ذلك من أن ألحظه عن كثب وبانتباه أكبر؛ كان وجهه ينم بصورة أخاذة؛ عن رجولة وشجاعة كاملتين، وحين يتحدث؛ يبدو وجهه مفعمًا بحيوية فائقة" ويقول: " كان يمتلك موهبة هائلة في فهم منطق الأمور بعقلانية" ويقول: " إن لديه حدسًا غريزيًا؛ لا يكاد يخطئ؛ عن دوافع الناس؛ فليس نادرًا أن يقرأ أفكار الناس؛ قبل أن يفصحوا عنها، ويشم موقف الرجل منه من اللحظة التي يدخل فيها هذا إلى الغرفة؛ وهذه المقدرة مكَّنته من أن يحبط عددًا من المحاولات المحكمة للقضاء على حياته، وأن يتخذ كثيرًا من القرارات الفورية الموفقة في الأمور السياسية" وفي موضع آخر؛ يصف الملك عبد العزيز بأنه: " رجلٌ ذو بأس، وذكاء شديدين، وكان شفيقًا وودودًا وعطوفًا" ويضيف: " إنه يتكلم عن نفسه بحرية، وكثيرًا ما يروي خبراته" وينبه إلى: " أن سلطته الشخصية الهائلة؛ ترتكز على قوة شخصيته" ويضيف: " كان مثل يوليوس قيصر؛ يمتلك قدرة عالية على متابعة أكثر من موضوع، ومشكلة في آن واحد؛ من دون أن يخلط بينها، أو يشوب القصور متابعته لأي منها؛ وهذه الموهبة العجيبة؛ مكَّنته من أن يدير شخصيًا كل شؤون مملكته الواسعة من دون أن يناله الإجهاد" ويقول: " كانت هيبته، ونبل سلوكه؛ طابعًا أصيلًا في شخصيته، نابعًا من داخله" ويقول: " كان صادقًا مع ذاته ومتسقًا معها في كل سلوكياته، ودائمًا ما كان يمضي إلى تحقيق ما ارتآه؛ بعزيمة صادقة؛ لأنه لم يحاول أبدًا أن يكون شيئًا آخر غير ذاته" وتتجلى عبقرية الملك عبد العزيز إذا علمنا بأنه عندما قاد مجموعة استرداد الرياض، وأنجز تأسيس الدولة السعودية الثالثة؛ كان في العشرين من عمره.

وقد ذكر الدكتور عبد الله العسكر مراحل توحيد المملكة:= ففي عام 1902 حمل لقب" أمير نجد ورئيس عشائرها"= وفي عام 1903 حمل لقب" سلطان نجد"= وفي عام 1920 حمل لقب" سلطان نجد وملحقاتها"= وفي عام 1926 حمل لقب" ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها"= وفي عام 1927 حمل لقب" ملك الحجاز ونجد وملحقاتها"= وفي عام 1932 استقر على" ملك المملكة العربية السعودية"إن هذا التدرج في تسمية هذا الكيان العظيم؛ له دلالات كثيرة؛ الدلالة الأولى أن التدرج يؤرخ لعمليات توحيد المملكة؛ لتعرف الأجيال أن توحيد المملكة كان عملًا جبارًا؛ فقد استغرقت أعمال الكفاح والتأسيس والتوحيد خمسين عامًا؛ كما أن هذا التدرج يؤكد وجود رؤية ناضجة مسبقة لدى الملك عبد العزيز لما يجب أن تكون عليه الدولة؛ فقد درج أسلاف الملك عبد العزيز في الدولة السعودية الأولى والدولة السعودية الثانية؛ على أن يحمل الحاكم لقب" الإمام" وهذا يوحي بعرف العصر؛ أن الإمام زعيم ديني، أو أنه قائد له صفة دينية محضة.

أما الملك عبد العزيز فقد كان مدركًا بأنه يبني دولة عصرية، تتطلب فهم الواقع، وتعمل على تنمية إمكاناته؛ التي تتيح له الصمود؛ أمام أعاصير وعواصف العصر؛ المكتظ بالتغيرات والتموجات، والارتدادات؛ كان الملك عبد العزيز يستهدف تشييد دولة عصرية راسخة قادرة على توظيف معطيات العصر من العلوم والتقنيات والمؤسسات والإمكانات، وقادرة على مواجهة تحديات هذا العصر وتعقيداته بإعداد وطنه وشعبه لهذه التحديات والتعقيدات؛ لذلك حرص منذ البداية على استخدام وسائل العصر، بالرغم من معارضات المتشددين من أتباعه، كما حرص على تعميم التعليم، ليس فقط بجعل التعليم مجانًا وإنما كان يدفع للدارسين رواتب شهرية، فيتعلم الطالب ويتقاضى مرتبًا شهريًا وكأنه موظف؛ وهذا المستوى من الاهتمام بالتعليم فريد في العالم.

أشرتُ في ما سبق إلى نماذج من العظماء الذين شيدوا الدول؛ وبالمقارنة بين العظماء الذين أنشأوا دولًا؛ نجد أن وليم الفاتح قد جاء إلى وطن زاخر بمقومات النماء؛ فكان دوره هو توحيد المجتمع، وتحديد الاتجاه، وشق المسار.

بعكس الوضع الذي واجهه الملك عبد العزيز حيث وحَّد شتاتًا من القبائل المتناحرة في صحراء شاسعة عديمة الإمكانات.

كما أن ألمانيا كانت زاخرة بالإمكانات ولم تكن كصحرائنا البائسة فالفرق هو أن ألمانيا تملك مقومات النمو لكنها كانت مشتتة بين أكثر من ثلاثمئة كيان يتمترس في حدوده ويتقوقع في انعزاله وكما جاء في" موسوعة السياسة": " كانت عملية توحيد ألمانيا من أعقد عمليات الوحدة القومية التي عرفتها الأمم الأوروبية؛ فقد ظلت لقرون طويلة منقسمة إلى دويلات صغيرة بلغت أكثر من ثلاثمئة" كان الألمان موزعين بين كيانات صغيرة ضعيفة متخاصمة، فقرر فريدريك العظيم توحيد هذا الشتات، كان ملكًا على بروسيا وكانت أكبر وأقوى الإمارات الألمانية وكما جاء في الجزء السادس من كتاب" تاريخ العالم" للسير جون هامرتن: " كانت هناك دولتان كبيرتان قد ظهرتا إلى حيز الوجود؛ فقد ظهرت روسيا دولة في مقدورها أن تكون دولة عظمى من الطراز الأول.

والدولة الثانية هي مملكة بروسيا الحديثة" كان لفريدريك العظيم الفضل في تغيير التفكير الألماني تغييرًا جذريًا؛ وبهذا التغيير الجذري للتفكير؛ تبدلتْ الأوضاع؛ فقفزت من الهامش إلى الصدارة؛ ومثلما يقول السير جون هامرتن: " كانت إمكاناتها متخلفة بدرجة بالغة؛ بحيث لم يخطر ببال أحد أنها ستتطور لتصير دولة عظمى" هكذا يفعل القادة الخارقون؛ فيحققون إنجازات خارقة؛ فقد تمكن من تغيير توجُّه الشعب الألماني، كما تمكن من إنجاز مراحل من توحيد الألمان، كما أنه قد وضع الفكرة في أذهان الألمان؛ فصارت الوحدة مطلبًا عامًا لكن الإمارات ظلت قرونًا تتوارث تقاليد الانفصال؛ فهي تصر على أن لا تتنازل عن بقائها مستقلة غير أن فكرة الوحدة قد انغرست في العقل الألماني ثم تحققت بواسطة بسمارك لكن يبقى الفضل لفريدريك العظيم.

إن ألمانيا؛ التي هي الآن؛ عملاق سياسي وصناعي وفلسفي وأدبي وعلمي كانت شديدة التخلف قياسًا بما كانت عليه فرنسا وبريطانيا؛ وكان فريدريك يدرك ذلك تمام الإدراك ويتألم به ويسعى إلى تغييره؛ فقد رأى بأن الألمان لن يتغيروا نحو الأفضل إلا إذا أدركوا تخلفهم، واعترفوا به، وعقدوا العزم على تجاوزه؛ فكتب يقول: " الأمة قد تأخرت؛ لأسباب حالت دون ارتقائها في زمن ارتقاء جاراتها" ويضيف: " إننا لنشعر بالخجل لعدم قدرتنا على مساواة جيراننا، ونأمل في تعويض الوقت؛ عبر العمل الشاق" ويضيف: " علينا أن لا نحذو حذو الفقراء الذين يحاولون التظاهر بالثراء" ثم يؤكد بكل شجاعة ووضوح وحسم: " علينا أن نتقبل حقيقة تخلفنا بصدر رحب؛ وأن نسعى عبر العمل الشاق؛ إلى ذروة المجد الوطني" بهذه الرؤية الواقعية توحدت ألمانيا وانتقلت من الهامش إلى الصدارة؛ يقول روبرت غرين في كتابه" 33 استراتيجية للحرب": " حين أصبح فريدريك الكبير ملك بروسيا قرر أن يستغل الاضطراب السياسي في النمسا؛ واستولى على مقاطعة سلزيا النمساوية؛ كرر فريدريك هذه الاستراتيجية مرارًا وتكرارًا مستوليًا على دويلات أو ولايات؛ وبهذه الطريقة؛ بنى دولة عظمى" بهذا التصميم على التدارك وتحقيق التقدم؛ انقلب البلد المتخلف إلى نموذج في الازدهار تحتذيه الأمم الأخرى؛ فتحوَّل التابع إلى متبوع وكما يقول المفكر الفرنسي إدمون ديمولان في كتابه" سر تقدم الإنكليز": " لما انتصر علينا الألمان ظننا أن علة انتصارهم تقدم مدارسهم؛ وكانت الأفكار متجهة إلى تقليد الألمانيين في كل شيء؛ فأخذنا عنهم نظامهم العسكري، وجاريناهم في أساليب التعليم وطرق التربية" لكن إذا كانت ألمانيا حين توحدت؛ قد حققت الازدهار؛ فإنها كانت تملك الكثير من مقومات التطور والنمو وهي المقومات التي لم تكن متاحة في الشتات وفي الفيافي الصحراوية الواسعة الجدباء التي وحَّدها الملك عبد العزيز.

دول كبرى مثل روسيا لم تكن موجودة عندما اجتاح المغول العالم فقد كان الروس شتاتًا قبليًا خضعوا للمغول وفي القرن الثاني عشر تأسست موسكو لكنها بقيت بلدة صغيرة حتى بداية القرن الرابع عشر.

إيفان الأول هو أول من حمل لقب أمير موسكو وكان خاضعًا للتتار، وقرب نهاية القرن الخامس عشر آلت الإمارة إلى إيفان الثالث الملقب بإيفان المخيف؛ وقد تمكن من توحيد شتات الإمارات وامتنع عن دفع الخراج للتتار وبذلك يكون إيفان الثالث هو مؤسس دولة روسيا.

لكن الروس بقوا خارج تأثير التغيرات النوعية التي هزت أوروبا، حتى جاء بطرس الأكبر فأخرجها من عالم العصور المظلمة إلى عالم الحضارة الحديثة؛ إن قصة بطرس الأكبر تستحق أن تُروى وأن تُدرس وأن يتم التوقف عندها طويلًا وبشكل متكرر؛ إنها قصة استثنائية بكل ما يعنيه الاستثناء من دلالات؛ فقد نقل روسيا من ظلمات العصور الوسطى إلى التحديث، يقول أرنولد توينبي في كتابه" تاريخ البشرية": " أصبحت روسيا دولة كبرى بسبب ما كان لبطرس الأكبر من بصيرة" ويقول: " كان بطرس الأكبر قد بدأ تحديث روسيا على الأسلوب الغربي" وينبه إلى أنه بإصلاحات بطرس الأكبر صارت روسيا من الدول الكبرى: " لأنها تمكنت من قبول الأساليب الغربية" أما السير جون هامرتن فإنه في المجلد السادس من" تاريخ العالم" يقول: " كان بطرس الأكبر رجلًا فذًا؛ كان من العبقرية؛ أنه أدرك ذلك الامتياز الفعال الذي أتاحته المدنية الحديثة لشعوب أوروبا الغربية؛ كان مصرًا غاية الإصرار على أن يجبر شعبه على نبذ تقاليده، والاقتداء بمدنية الغرب؛ بالرغم من مخالفتها لعادات قومه مخالفة تامة؛ وقد حقق بطرس هدفه؛ بأن أحدث ثورة في نظم بلاده الاجتماعية والسياسية، وأعاد تنظيمها بعزيمة جارفة؛ وفقًا للأساليب الغربية؛ ولم يكن يقدر على تحقيق ذلك رجل آخر" أما المؤرخ العربي الشهير الدكتور شاكر مصطفى فإنه ضمن كتابه" رجال وشياطين" كتب فصلًا عن" بطرس الأكبر" وفيه يقول: " حتى مطلع القرن الثامن عشر كانت روسيا؛ يفترس التخلفُ ما فيها ومن فيها.

وفي الربع الأول من القرن الثامن عشر؛ وصل الملك إلى ملكها المعروف ببطرس الأكبر؛ ولم يكن وصوله إليه بالأمر الهين؛ فقد كان لأبيه من زوجته الأولى ثلاثة عشر طفلًا وجاء بطرس من زوجته الثانية؛ فما كاد يبلغ الرابعة من العمر حتى توفي والده؛ وكان طبيعيًا أن ينشب الصراع الدموي بين هذا الحشد الكبير من الإخوة على العرش" المهم أن بطرس بذكائه وموهبته القيادية تمكن من أن يصبح حاكم روسيا.

وكما يقول شاكر مصطفى: " كانت روسيا في عهده في منتهى التأخر تجر أذيال التخلف خلف أوروبا قرونًا من الزمان في جميع مظاهر الحياة؛ فالأمية 99 بالمئة من سكانها؛ لقد فات روسيا قطار عصر النهضة الأوروبية وعصر الإصلاح الديني؛ فرجال الدين شبه أميين والأدب معدوم وأما الرياضيات والعلوم فكانت طلاسم يُنظر إليها باحتقار؛ كانت تعيش العصور الوسطى في حين كانت أوروبا تعرف عصر نيوتن وبيكون والازدهار الفلسفي" ويضيف: " جعل بطرس همه أن يدخل أوروبا إلى روسيا أو أن يدخل روسيا إلى أوروبا بأي ثمن" لقد كان بطرس الأكبر يفكر بشكل مغاير جذريًا للتفكير السائد في روسيا؛ وكان مندفعًا لإلحاق روسيا بركب التقدم الذي تعيشه أوروبا؛ وبلغ من قوة اقتناعه بحدوث تغيرات نوعية في أوروبا؛ أنه ذهب لأوروبا متنكرًا لكي يدخل المصانع ويتعرف على المختبرات وكما يقول شاكر مصطفى: " غيَّر اسمه وتنكَّر وخرج برحلة طويلة الأمد إلى أوروبا الغربية؛ يدرس طرق الصناعة الأوروبية الحديثة؛ وقد اشتغل عاملًا عاديًا مع شركة الهند الشرقية الهولندية، واشتغل عاملًا في أحواض بناء السفن الملكية البريطانية، ودرس علم المدفعية في ألمانيا وزار المصانع والمدارس والمتاحف وترسانات السفن؛ ملأ مذكراته وذاكرته بكل ما يفيد روسيا من الصناعات والعلوم والتقنيات والإدارة والثقافة الغربية؛ وحين عاد عام 1698 كانت الخطة في رأسه مكتملة لمختلف الإصلاحات وجهتْ سياسته كلها في سنوات حكمه القادمة" ومثلما أن وحدة ألمانيا وتطورها وازدهارها قد ارتبط كل ذلك باسم فريدريك العظيم، وأن انعتاق روسيا من ظلمات العصور المظلمة؛ قد ارتبط باسم بطرس الكبير؛ فإن توحيد شتات القبائل والمناطق والقرى باسم المملكة العربية السعودية قد ارتبط باسم الملك عبد العزيز وقد كانت البداية الظافرة في استعادة الرياض؛ ففي ذلك اليوم المضيء؛ صارت هذه البلاد موعودة بتحولات نوعية هائلة؛ فهذه البلاد التي كانت مهملة خلال القرون؛ تحققتْ لها خيرات عظيمة؛ فتم توحيدها بعد شتات، وتم تأمينها بعد خوف، وتمت تنميتها بعد إهمال؛ فاكتظت بالمدن المزدهرة؛ فهذه البلاد التي ظلت مهملة خلال القرون؛ تحولت إلى وطن يضج بالحركة والعمل والإنتاج وانتقلت من الهامش لتكون هي العنوان نفسه إن كل هذه الخيرات التي تحققت لهذه البلاد قد تأسست مع انتصارات الملك عبد العزيز فلولا الملك عبد العزيز لبقينا منسيين ولبقيت بلادنا شتاتًا مهملًا لا يتذكرها أحد ولا يلتفت إليها أحد، ولم يكن ظهور البترول هو وحده الذي رفع شأن هذه الأرض، فلو لم يكن لهذه البلاد سلطة مستقلة وكيان جامع أعطاها وجودًا مستقلًا؛ لبقينا منسيين؛ فلو بقيت هذه البلاد محكومة من خارجها فإن البترول سيتم ربطه بالحواضر الحاكمة في بغداد ودمشق والقاهرة وإسطنبول وسوف يستمر إهمال هذه الصحراء، فالملك عبد العزيز قد خلق كيانًا من لا شيء وأوجد وطنًا من الفراغ وكوَّن مجتمعًا من الشتات وقد سار أبناؤه على نهجه وأكملوا مسيرته ثم جاءت رؤية 2030 لتكون الإنجاز الأكثر إبهارًا وعظمة ووعدًا وأمانًا.

إن هذه الحقائق يجب أن يدركها الكبار وأن يتشبع بها الصغار وأن تنشأ عليها الأجيال.

يقول محمد حسنين هيكل: " الملك عبد العزيز أسس دولة وأنشأ نظامًا وتلك مهمة تعهد بها المقادير لرجال لا يتكررون؛ ذلك إن تأسيس الدول، وإنشاء النظم؛ يحتاج إلى إرادة تستطيع في لحظة استثنائية أن تحرك التفاعل الخلاق مما يولد ويفجر طاقة فعل هائلة" ويضيف هيكل: " إن الدور الذي قام به الملك عبد العزيز آل سعود حزمة مربوطة تكاد أن تكون دائرة شبه كاملة محددة بذاتها واضحة في حدودها ومعالمها: بناء دولة وإقامة نظام ثم وضع الدولة والنظام على طريق العصر" ويضيف: " إن الملك عبد العزيز آل سعود قضية متفق عليها، ودور معترف به؛ فهو بكل المعايير شخصية تاريخية كبيرة ضمن مؤسسي الدول ومنشئي النظم" أما الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري فيؤلف عن الملك عبد العزيز كتابًا ضخمًا يؤكد فيه بأن: " الملك عبد العزيز استحق حبنا وعشقنا ونال إعجاب الأبعدين قبل الأقربين فلقد ملأ فراغًا واسعًا في شبه الجزيرة العربية وحقق بذلك لنفسه ولشعبه مكانًا واسعًا في عالم المتغيرات" إن عظمة الملك عبد العزيز؛ هي أعظم من كل ما يمكن أن يقال؛ فاللغة تبقى قاصرة وعاجزة، عن تجسيد حقيقة هذه العظمة الباهرة؛ فالعقول لا تستوعب ما يقال، ولا تنتبه لما تمر به مرورًا عابرًا، وإنما تدرك ما تتفاعل معه وتمارسه وتعانيه.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك