لم تعد الفيضانات في غرب أفريقيا مجرد ظاهرة موسمية ترتبط بالأمطار الغزيرة، بل تحولت إلى أزمة إنسانية وبيئية متكررة تهدد حياة الملايين وتكشف هشاشة البنية التحتية في عدد من دول الإقليم.
وخلال أيام قليلة فقط، اجتاحت السيول والفيضانات كلاً من غانا وكوت ديفوار وبنين وتوجو ونيجيريا، مخلفة عشرات القتلى والجرحى، ومحدثة دمارًا واسعًا في الأحياء السكنية والطرق وشبكات الكهرباء، بينما حذرت الحكومات وخبراء المناخ من أن ما تشهده المنطقة اليوم قد يصبح واقعًا سنويًا أكثر شدة مع تسارع آثار التغير المناخي.
موسم أمطار يتحول إلى كارثة إقليميةتشهد دول غرب أفريقيا موسم الأمطار بين شهري مايو ويوليو من كل عام، إلا أن معدلات الهطول المسجلة هذا العام تجاوزت المستويات المعتادة بصورة لافتة، ما أدى إلى فيضانات واسعة النطاق في عدد من الدول الساحلية.
وفي كوت ديفوار، أعلنت الحكومة ارتفاع حصيلة ضحايا الفيضانات منذ بداية موسم الأمطار في منتصف مايو إلى 59 قتيلًا، مع استمرار عمليات البحث عن مفقودين، الأمر الذي يرجح ارتفاع عدد الضحايا خلال الأيام المقبلة.
وقال وزير الاتصالات أمادو كوليبالي إن بلدية أتيكوبيه في العاصمة الاقتصادية أبيدجان سجلت أعلى حصيلة للوفيات، بنحو 20 شخصًا، موضحًا أن عدداً من السكان عادوا إلى مناطق سبق أن طلبت السلطات إخلاءها بسبب تعرضها المستمر للانهيارات والفيضانات.
وأكد الوزير أن الحكومة جددت دعوتها للسكان إلى مغادرة المواقع المصنفة مناطق عالية الخطورة، مشيرًا إلى تنفيذ مشروع لإنشاء 12 ألف وحدة سكنية منخفضة التكلفة بهدف إعادة توطين نحو 60 ألف شخص يعيشون في مناطق مهددة.
غانا تسجل أمطارًا تاريخيةوفي غانا، كانت العاصمة أكرا الأكثر تضررًا بعدما سجلت البلاد أكثر من 140 مليمترًا من الأمطار خلال أربع وعشرين ساعة، وهو أحد أعلى معدلات الهطول اليومية منذ عام 1995.
وأدت السيول إلى غمر أحياء سكنية بالكامل، وانقطاع الطرق الرئيسية، وتعطل حركة المرور، فيما أظهرت مقاطع مصورة مواطنين يسبحون في مياه بلغ ارتفاعها مستوى الرقبة لإنقاذ العالقين، بينما تُركت عشرات المركبات غارقة في الطرق.
وأعلنت السلطات مقتل ما لا يقل عن 13 شخصًا، في حين تمكنت فرق الإنقاذ من إنقاذ أكثر من 400 آخرين من المناطق المنكوبة.
كما تسببت الفيضانات في بعض المناطق باندلاع حرائق نتيجة غمر المياه للمنشآت الكهربائية، ما ضاعف من حجم الخسائر.
وعقب جولة جوية فوق المناطق المتضررة، أصدر الرئيس جون ماهاما أوامر بإزالة جميع المباني المقامة داخل مجاري السيول والممرات المائية، كما وجه بالإفراج الفوري عن 29 مليون دولار لدعم عمليات الإغاثة وإعادة تأهيل المناطق المنكوبة.
وأوضح الرئيس أن النمو العمراني غير المنظم حول العاصمة، إلى جانب إقامة المباني فوق مجاري المياه، والتخلص العشوائي من النفايات داخل المصارف، كلها عوامل ساهمت في تفاقم حجم الكارثة.
بنين وتوجو ونيجيريا تحت وطأة السيولوامتدت آثار الأمطار الغزيرة إلى بنين، حيث شهدت العاصمة كوتونو شللًا واسعًا بعد تسجيل نحو 141 مليمترًا من الأمطار في إحدى المناطق القريبة من المدخل الرئيسي للمدينة، ما أدى إلى غمر الطرق وتعطل حركة النقل لساعات طويلة.
وفي توجو، لقي خمسة أشخاص مصرعهم، بينما أجبرت الفيضانات المتكررة العديد من الأسر على مغادرة منازلها في العاصمة لومي، بعدما غمرت المياه الأحياء السكنية بصورة متواصلة منذ عام 2023.
وقال أحد السكان، وهو موظف حكومي متقاعد، إن المنطقة التي يقيم فيها لم تكن تعرف الفيضانات بهذا الشكل قبل ثلاث سنوات، لكنها أصبحت تغرق باستمرار.
كما وصلت آثار الفيضانات إلى نيجيريا، حيث تعرضت مدينة لاجوس لاضطرابات واسعة بعد توقف محطة رئيسية لنقل الكهرباء نتيجة غمرها بالمياه، ما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي عن عدد من الأحياء، في حين حذرت وكالة الأرصاد الجوية النيجيرية من هطول أمطار أعلى من المعدلات الطبيعية هذا العام في العاصمة أبوجا وتسع ولايات أخرى، بينها ولايات شمالية شهدت العام الماضي أسوأ فيضانات منذ ستة عقود.
لماذا أصبحت الفيضانات أكثر تدميرًا؟يرى خبراء المناخ أن التغير المناخي يمثل العامل الرئيسي وراء زيادة شدة الظواهر الجوية، إلا أن تأثيره يتضاعف بسبب مشكلات عمرانية وبيئية متراكمة داخل المدن الأفريقية.
وقال الباحث في المعهد الوطني الفرنسي للبحث من أجل التنمية المستدامة، بنجامين سلطان، إن الأمطار الغزيرة التي شهدها الساحل الغربي لأفريقيا كانت متوقعة منذ أشهر، لكن ضعف الاستعدادات جعل آثارها أكثر تدميرًا.
وأضاف أن هطول الأمطار في هذا التوقيت يعد طبيعيًا، إلا أن كثافتها غير المسبوقة هي التي أدت إلى هذه الفيضانات القاتلة، متوقعًا أن تصبح مثل هذه الظواهر أكثر تكرارًا وحدة خلال السنوات المقبلة مع استمرار ارتفاع درجات حرارة الأرض.
وأشار إلى أن انتشار المساكن العشوائية في المناطق المنخفضة، وضعف شبكات تصريف المياه، وانسداد المجاري بسبب النفايات، كلها عوامل تضاعف من حجم الخسائر البشرية والمادية.
تحديات مكلفة أمام الحكوماتيشدد خبراء البيئة على أن مواجهة هذه الكوارث لم تعد تقتصر على الاستجابة الطارئة، بل تتطلب إعادة تخطيط المدن، وتحسين أنظمة الصرف، وإنشاء الحواجز والسدود الواقية، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر والإجلاء السريع للسكان.
ودعا الباحث بنجامين سلطان إلى تحسين آليات التواصل مع المواطنين قبل الكوارث، وتوفير حماية أكبر للفئات الأكثر عرضة للخطر، مؤكدًا أن الاستثمارات في البنية التحتية أصبحت ضرورة وليست خيارًا.
ووفقًا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تحتاج أفريقيا إلى ما بين 30 و50 مليار دولار سنويًا خلال العقد المقبل للتكيف مع آثار التغير المناخي، وهو ما يعادل نحو 2 إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة، في وقت تواجه فيه غالبية دولها تحديات اقتصادية ومعدلات مرتفعة من الفقر.
تكشف الفيضانات الأخيرة أن دول غرب أفريقيا باتت تواجه واقعًا مناخيًا جديدًا تتزايد فيه حدة الظواهر الجوية عامًا بعد آخر.
وبينما تستمر فرق الإنقاذ في البحث عن المفقودين وإغاثة المتضررين، يحذر الخبراء من أن غياب التخطيط العمراني السليم، وضعف البنية التحتية، واستمرار تداعيات التغير المناخي، قد يجعل مواسم الأمطار المقبلة أكثر كلفة على الأرواح والاقتصادات، ما لم تُنفذ إصلاحات واسعة تعزز قدرة المدن على الصمود أمام الكوارث الطبيعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك