تُعدّ صادرات الغاز الإسرائيلية إلى سوريا واقعًا قائمًا، لكنها تتم حاليًا بشكل غير مباشر، عبر صفقات مقايضة واتفاقيات إعادة بيع مع الأردن ومصر، بدلًا من عقد رسمي بين إسرائيل وسوريا.
وهذا يُشكّل معضلة استراتيجية لكلا الجانبين.
فمن جهة، قد يُوفّر عقد غاز مباشر بين إسرائيل وسوريا مساءلة أوضح، وضمانات أقوى ضدّ أيّ انقطاعات، وأساسًا لتعاون مستقبلي في مجال الطاقة قد يشمل لبنان أيضاً.
ومن جهة أخرى، قد يكون التداول المباشر للغاز سابقًا لأوانه سياسيًا، ويُعرّض كلا الجانبين لانتقادات داخلية: في إسرائيل، بسبب المخاوف من تناقص احتياطيات الغاز المحلية بعد اتفاقية التصدير الكبيرة مع مصر عام 2025؛ وفي سوريا، بسبب المخاوف من أن تُسيّس إسرائيل إمدادات الغاز أو تستخدمها كورقة ضغط.
قد تكون العقود غير المباشرة عبر الأردن ومصر أسهل في التنفيذ والرفض، لكنها تُشوش المسؤولية وتُقلّل من سيطرة كلا الجانبين على شروط الإمداد.
ينبغي لإسرائيل أن تتعامل مع هذه المسألة لا كخيار ثنائي بين التطبيع الرسمي واستمرار الغموض، بل كنقاش عملي حول نموذج التعاقد الأنسب الذي يخدم مصالحها في الاستقرار، والنفوذ، وإمكانية الإنكار، والتكامل الإقليمي طويل الأمد.
في كانون الثاني 2026، وقّع الأردن اتفاقية لتزويد سوريا بالغاز، تنص على تزويدها بنحو 1.
45 مليار متر مكعب سنويًا عبر خط أنابيب الغاز العربي.
ورغم أن الاتفاقية لا تُحدد مصدر الغاز، فمن الواضح أن سوريا تتلقى الغاز الإسرائيلي فعليًا.
فالأردن لا يملك سوى حقل غاز محلي صغير، ويستورد 85 في المئة من غازه من إسرائيل، بينما يأتي الباقي عبر واردات الغاز الطبيعي المسال من العقبة.
ورغم أن مسؤولين إقليميين زعموا في البداية أن الغاز القادم من الأردن إلى سوريا مصدره الغاز الطبيعي المسال القطري، إلا أن تصميم خط الأنابيب الحالي يجعل هذا الزعم غير مرجح.
فالغاز الإسرائيلي يتدفق جنوبًا عبر النظام نفسه، ولا يمكن للغاز الذي يدخل عبر العقبة أن ينتقل شمالًا إلى ما بعد عمّان ليصل إلى سوريا.
وهذا يعني أن الغاز المورد إلى سوريا عبر الأردن هو في الواقع غاز إسرائيلي يعاد تغليفه سياسياً على أنه “أردني” أو “قطري” من خلال صفقات المقايضة وترتيبات إعادة البيع.
الأردن لا يملك سوى حقل غاز محلي صغير، ويستورد 85 في المئة من غازه من إسرائيل، بينما يأتي الباقي عبر واردات الغاز الطبيعي المسال من العقبةعلى الرغم من عدم توقيع إسرائيل وسوريا عقدًا مباشرًا لتصدير الغاز، لكن هناك بالفعل مسارًا فعليًا لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى سوريا، حيث يُمثل هذا الغموض آلية سياسية تُتيح هذا الترتيب لكلا الطرفين.
يسمح هذا المسار التجاري الخفي لدمشق باستلام الغاز دون الاعتراف باعتمادها على إسرائيل، كما يسمح لإسرائيل بالمساهمة في انتعاش الطاقة في سوريا دون الدخول رسميًا في اتفاقية تطبيع معها.
إضافةً إلى الأردن، وقّعت مصر أيضاً مذكرة تفاهم مع سوريا لتزويدها بالغاز، وفي أيار 2026، انضم لبنان إلى إطار تبادل الغاز مع الأردن وسوريا.
تُتيح هذه الشبكة من الاتفاقيات تقديم أي إمدادات غاز مُرسلة إلى سوريا أو لبنان على أنها أردنية أو مصرية أو قائمة على الغاز الطبيعي المسال أو كجزء من اتفاقية تبادل إقليمية، حتى وإن كان مصدرها إسرائيليًا.
وبذلك، يُحافظ على إمكانية الإنكار السياسي لجميع الأطراف.
يُعدّ هذا الترتيب غير المتوقع للغاز نتاجًا لحاجة سوريا الماسة للغاز.
فقد انخفض إنتاج سوريا المحلي من الغاز من حوالي 8.
7 مليار متر مكعب في عام 2011 إلى حوالي 3 مليارات متر مكعب خلال الحرب الأهلية الطويلة.
لا يزال قطاع الطاقة في سوريا أحد أهم التحديات التي تواجه إعادة بناء الدولة.
وقد بدأت تركيا بنقل الغاز الأذربيجاني إلى شمال سوريا عبر خط أنابيب كيليس-حلب، بمشاركة قطر في تمويله.
ومن المتوقع أن يوفر هذا المشروع حوالي 1.
2 مليار متر مكعب سنويًا، وأن يدعم توفير الكهرباء لعدة ساعات إضافية في المناطق المتضررة، إلا أن هذا ليس سوى حل جزئي.
وينضم إمداد الأردن عبر خط أنابيب الغاز العربي إلى منافسة أوسع نطاقًا حول الجهة التي ستُحدد مسار انتعاش قطاع الطاقة في سوريا بعد الحرب.
قد لا تكون إسرائيل حاضرة بقوة في هذه المنافسة، لكنها موجودة ضمن منظومة الغاز الإقليمية.
لذا، فإن السؤال السياسي المُلح ليس ما إذا كان الغاز الإسرائيلي سيصل إلى سوريا (لأنه يصل بالفعل)، بل ما إذا كان ينبغي لإسرائيل وسوريا النظر في عقد مباشر للغاز، أو الإبقاء على ترتيب الإمداد غير المباشر الحالي.
والإجابة ليست واضحة.
فكل نموذج يُقدم توليفات مختلفة من حيث إمكانية الإنكار، والموثوقية، والنفوذ، والمساءلة، والمخاطر السياسية لكلا الطرفين.
بالنسبة لسوريا، يتمتع المسار غير المباشر بمزايا واضحة، إذ يقلل من التكلفة السياسية لتلقي الغاز الإسرائيلي.
قد تُفضل الحكومة السورية، الساعية لإعادة بناء شبكة الكهرباء، وصف الغاز بأنه قادم من الأردن أو مصر أو قطر بدلاً من الدفاع عن اتفاقية مباشرة مع إسرائيل.
يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل سعي النظام السياسي الجديد في دمشق لترسيخ شرعيته.
كما يُتيح الإمداد غير المباشر لسوريا الاستفادة من البنية التحتية القائمة دون تحويل حاجة تقنية للطاقة إلى تنازل دبلوماسي علني.
لكن هذا الإنكار له ثمن.
فإذا تلقت سوريا الغاز عبر الأردن ومصر، فإن أمنها الطاقي يعتمد على قراراتهما.
قد يختار كل من الأردن ومصر إعطاء الأولوية لأسواقهما المحلية وتجميد اتفاقيات التبادل مع سوريا خلال فترات النقص، أو حتى استخدام وضعهما كمعبرين كورقة ضغط ضد سوريا خلال الخلافات السياسية.
وبالتالي، قد تجد سوريا نفسها معتمدة على الغاز الإسرائيلي دون وجود عقد مباشر مع إسرائيل تلجأ إليه في حال انقطاع الإمدادات.
كما يجعل المسار غير المباشر سوريا معتمدة على البنية التحتية الأردنية والمصرية دون سيطرة كاملة على شروط الإمداد.
بالنسبة لدمشق، يُعد الغاز غير المباشر مناسباً سياسياً على المدى القصير، ولكنه ضعيف تعاقدياً خلال الأزمات.
بالنسبة لإسرائيل أيضاً، ينطوي الإمداد غير المباشر على مزايا وعيوب.
فمن مزاياه أنه يسمح للغاز الإسرائيلي بالمساهمة في استقرار المنطقة دون فرض انفراجة سياسية مبكرة مع سوريا.
كما يمنح الأردن ومصر دوراً وساطياً فعالاً، ويقلل من وضوح التدخل الإسرائيلي، ويسمح بظهور التعاون في مجال الطاقة تدريجياً.
ويمكن لإسرائيل اختبار ما إذا كان اعتماد سوريا على البنية التحتية الإقليمية سيؤدي إلى سلوك براغماتي مع مرور الوقت، مع تجنب الانكشاف الداخلي والدبلوماسي الذي قد يترتب على إبرام صفقة غاز رسمية مع دمشق.
لكن المسار غير المباشر يقلل أيضاً من نفوذ إسرائيل.
فإذا لم تبع إسرائيل الغاز رسمياً إلى سوريا، يقل تحكمها في قيود الاستخدام النهائي، وبنود الأزمات، وآليات الدفع، ومسؤولية انقطاع الإمدادات.
وقد لا تعلم أي محطات توليد الطاقة السورية تستفيد، أو ما إذا كان الغاز يصل إلى المناطق الحساسة سياسياً، أو ما إذا كانت جهات معادية تستفيد بشكل غير مباشر من تحسين إمدادات الطاقة.
وقد لا تحظى إسرائيل أيضاً بتقدير دبلوماسي يُذكر لمساهمتها في استقرار سوريا، بينما تُلام في حال انقطاع الإمدادات بسبب الحرب، أو عطل فني، أو قرار من الأردن بإعطاء الأولوية للإمدادات المحلية.
قد ينتهي الأمر بإسرائيل إلى دعم جزء من عملية تعافي سوريا دون وجود رؤية واضحة أو ضمانات أو اعتراف.
من شأن عقد مباشر أن يُحقق فوائد لكلا الطرفين؛ فهو يُوضح الكميات والأسعار، ويُوفر ضمانات للدفع وآليات تحكيم في حال انقطاع الإمدادات، ويُقلل من قدرة الوسطاء على التلاعب بالإمدادات، ويُمكّن الطرفين من وضع التعاون في مجال الطاقة ضمن إطار إقليمي أوسع بدعم من الولايات المتحدة.
وإذا أُدير العقد المباشر بعناية، فقد يُصبح شكلاً تقنياً محدوداً من التعاون بدلاً من كونه خطوة تطبيع جذرية.
كما يُمكن للنموذج المباشر أن يدعم إمدادات الغاز إلى لبنان.
فأزمة الكهرباء في لبنان لا تزال من أهم أسباب انهياره الاقتصادي والسياسي.
وقد تأخرت المحاولات السابقة لتزويد لبنان بالغاز عبر مصر والأردن وسوريا بسبب مشاكل التمويل والعقوبات والبنية التحتية.
ومن شأن ممر غاز سوري أكثر استقراراً أن يُتيح للبنان في نهاية المطاف الحصول على الغاز أو الكهرباء من خلال ترتيب إقليمي أكثر موثوقية.
ومع ذلك، ورغم هذه الفوائد، فإن للعقد المباشر أيضاً تكاليف سياسية داخلية باهظة لكلا الطرفين.
فعلى الجانب الإسرائيلي، من شأن اتفاق رسمي مع سوريا أن يُعيد فتح النقاش الداخلي حول صادرات الغاز في ظل تضاؤل احتياطيات الغاز المحلية.
أدى توقيع اتفاقية الغاز الرئيسية بين شركاء “ليفياثان” ومصر في آب 2025 إلى تصعيد هذا الجدل، إذ وعدت مصر بتزويدها بـ 130 مليار متر مكعب إضافية من الغاز الإسرائيلي حتى عام 2040.
ورغم أهمية هذه الاتفاقية تجارياً، إلا أنها أثارت مخاوف من احتمال نفاد مخزون الغاز المحلي في إسرائيل بحلول عام 2045 في حال عدم اكتشاف احتياطيات إضافية وبقاء الطلب المحلي مرتفعاً.
استغرقت الموافقة النهائية على الاتفاقية مع مصر عدة أشهر من الحكومة الإسرائيلية، ويعود ذلك جزئياً إلى هذه المخاوف، ولم تُمنح إلا بعد إضافة ضمانات لحماية السوق المحلية في حال حدوث نقص محلي.
وقد أدى هذا الجدل العام إلى فتور رغبة الحكومة الإسرائيلية في إبرام اتفاقية غاز كبيرة أخرى مع سوريا أو لبنان.
سيحتاج صناع القرار الإسرائيليون إلى تبرير ضرورة وجود قناة تصدير إضافية، وكيفية توافقها مع سقف الصادرات، وما هي الضمانات الموضوعة لحماية المستهلكين الإسرائيليين من أي نقص مستقبلي.
كما سيحتاجون إلى توضيح سبب بيع الغاز الإسرائيلي مباشرةً إلى دولة لا تعترف بإسرائيل، ولا يزال توجهها السياسي المستقبلي غير واضح، وقد تضم أراضيها جهات معادية للمصالح الإسرائيلية.
قد يوفر عقد مباشر وضوحاً، لكن هذا الوضوح سيجعل التهرب من المسؤولية السياسية أكثر صعوبة.
ولذلك، قد تفضل الحكومة الإسرائيلية اعتبار اتفاقية الـ 130 مليار متر مكعب الجديدة مع مصر بمثابة اتفاقية تتضمن بالفعل أي صفقة غاز مستقبلية مع سوريا.
بالنسبة لسوريا، قد يكون إبرام عقد مباشر مع إسرائيل أكثر صعوبة.
فحكومة دمشق ترغب في الحصول على غاز موثوق، لكنها قد تخشى اتهامها بإضفاء الشرعية على إسرائيل قبل أي تسوية سياسية أوسع، بما في ذلك مسألة مصير مرتفعات الجولان.
وقد يساورها القلق من أن تستخدم إسرائيل الغاز كأداة سياسية في الأزمات المستقبلية، وقد تُفضّل الحفاظ على هامش تفاوض مع تركيا وقطر ومصر والأردن ودول الخليج بدلاً من وضع نفسها بشكل واضح ضمن إطار طاقة مرتبط بإسرائيل والولايات المتحدة.
بعبارة أخرى، قد يمنح الاتفاق المباشر سوريا إمدادات أكثر استقراراً، لكنه قد يُعرّض دمشق لاتهامات بأن إعادة إعمار سوريا تتأثر بالنفوذ الإسرائيلي.
لذا، ينبغي النظر إلى الخيار بين الصادرات المباشرة وغير المباشرة على أنه معضلة ترتيب.
قد يكون التوريد غير المباشر أكثر جدوى على المدى القصير لأنه يسمح بتدفق الغاز دون مطالبة أي من الطرفين بتقديم تنازل رمزي.
وقد يصبح التعاقد المباشر أكثر جاذبية لاحقاً إذا ثبت أن الترتيبات غير المباشرة غامضة للغاية، أو إذا استغل الوسطاء مواقعهم للضغط، أو إذا تكررت الانقطاعات، أو إذا قرر كلا الطرفين الرغبة في قواعد أكثر وضوحاً.
لا يكمن جوهر المسألة في تحديد النموذج الأفضل، بل في النموذج الأنسب للظروف السياسية واحتياجات البنية التحتية في كل مرحلة.
ينبغي لإسرائيل الاستعداد لكلا الاحتمالين.
ففيما يخص الصادرات غير المباشرة، عليها توضيح ما إذا كانت تراخيص التصدير الحالية إلى مصر والأردن تسمح بتوريد الغاز إلى سوريا ولبنان، أم أن هذا التوريد يتطلب إخطارًا مسبقًا.
كما ينبغي لها ضمان تضمين العقود بنودًا لحماية الإمدادات المحلية، وبنودًا خاصة بالأزمات، وشفافية أساسية فيما يتعلق بالتدفقات اللاحقة.
وينبغي لها أيضاً التنسيق مع مصر والأردن حتى لا يتفاجأ المسؤولون الإسرائيليون بإعلانات عامة تُعيد تغليف الغاز الإسرائيلي ضمن مخطط إقليمي أوسع للإمدادات.
أما بالنسبة للعقد المباشر المحتمل، فينبغي لإسرائيل تحديد الحد الأدنى من الشروط التي تجعل مثل هذه الصفقة مقبولة.
وقد تشمل هذه الشروط قيودًا على الاستخدام النهائي لتوليد الكهرباء المدنية، وترتيبات للمراقبة، وحماية البنية التحتية، وضمانات للدفع، ودعمًا دوليًا.
أما سوريا، فعليها أن تُقرر ما إذا كانت فوائد القدرة على التنبؤ ووضوح بنود العقد تفوق التكاليف السياسية للتعاون العلني.
ويمكن لأوروبا والولايات المتحدة تقديم المساعدة من خلال توفير غطاء سياسي، ومساعدة فنية، وضمانات مالية تُقلل المخاطر على كلا الجانبين.
لذا، فإن مسألة الغاز السوري ليست مجرد قضية طاقة، بل هي اختبار لقدرة البنية التحتية الإقليمية على أن تصبح أداة استقرار دون إرهاق السياسة.
يوفر الإمداد غير المباشر إمكانية الإنكار والسرعة، بينما يوفر الإمداد المباشر الوضوح والمساءلة.
كلا النموذجين له قيمة استراتيجية، وكلاهما ينطوي على مخاطر.
الخطوة الأهم لإسرائيل هي إدراك أن هذه المسألة قد تكون قد بدأت بالفعل، حتى قبل اتخاذ قرار إسرائيلي رسمي.
إذا ما طور الأردن ومصر وسوريا ولبنان اتفاقيات غاز تعتمد على نظام إقليمي مدعوم جزئيًا بالغاز الإسرائيلي، فستكون إسرائيل متورطة سواء أعلنت ذلك أم لا.
لذا، ينبغي لها التعامل مع المسألة كمسألة تخطيط استراتيجي وليس كأثر تجاري غير مباشر.
قد لا يُطلق على أول اتفاقية غاز إسرائيلية مع سوريا اسم “اتفاقية غاز إسرائيلية سورية”، لكن ينبغي لإسرائيل تحديد أهدافها من هذه الاتفاقية.
مركز بيغن – السادات للدراسات الاستراتيجية BESA 5/7/2026.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك