طرابلس – «القدس العربي»: ملف توحيد المؤسسة العسكرية الليبية حراكا جديدا، مع الكشف عن لقاء مرتقب يجمع رئيس الأركان العامة المكلف الفريق أول صلاح الدين النمروش، ورئيس أركان القوات البرية في شرق البلاد خالد حفتر، بمدينة سرت، في خطوة تأتي بعد أيام من لقاء جمعهما بقيادة القيادة الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم» خلال مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة في العاصمة الأنغولية لواندا.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تحركات يقودها المجلس الرئاسي لدفع مسار توحيد المؤسسة العسكرية، وسط استمرار الانقسام السياسي والأمني في البلاد.
وكشف مصدر مطلع لإعلام محلي أن النمروش وخالد حفتر سيعقدان اجتماعا في مدينة سرت لبحث الخطوات العملية الخاصة بتوحيد المؤسسة العسكرية، واستكمال النقاشات التي انطلقت خلال مشاركتهما في مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة الذي استضافته العاصمة الأنغولية لواندا.
وأوضح المصدر أن اللقاء المرتقب سيخصص لمناقشة آليات تقريب وجهات النظر بين المؤسستين العسكريتين في شرق البلاد وغربها، وبحث الإجراءات اللازمة للمضي في مسار توحيد الجيش، الذي ظل أحد أبرز الملفات العالقة منذ سنوات الانقسام.
وأشار المصدر إلى أن قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم»، الفريق داغفين أندرسون، ناقش خلال اجتماعه مع النمروش وخالد حفتر في لواندا عدداً من القضايا المتعلقة بإنهاء الانقسام داخل المؤسسة العسكرية، إضافة إلى سبل تعزيز التعاون العسكري بين مختلف التشكيلات، ودعم الجهود الرامية إلى بناء مؤسسة عسكرية موحدة.
وجاء اللقاء في لواندا على هامش أعمال مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة، الذي شاركت فيه قيادات عسكرية من مختلف دول القارة، وشكل مناسبة لعقد لقاءات ثنائية تناولت عددا من الملفات الأمنية والعسكرية، من بينها تطورات الوضع الليبي.
وفي موازاة ذلك، عقد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، بصفته القائد الأعلى للجيش الليبي، اجتماعا مع رئيس الأركان العامة المكلف صلاح الدين النمروش، لمتابعة نتائج مشاركته في مؤتمر لواندا، والاطلاع على آخر المستجدات المتعلقة بجهود توحيد المؤسسة العسكرية.
وحسب بيان صادر عن المجلس الرئاسي، قدم النمروش إحاطة شاملة حول الاجتماعات التي عقدها خلال المؤتمر، وما دار فيها من نقاشات مع مسؤولين عسكريين إقليميين ودوليين، إضافة إلى تفاصيل اللقاء الذي جمعه بقيادة «أفريكوم» وخالد حفتر.
وأضاف البيان أن الاجتماع تناول الإجراءات والخطوات العملية المتخذة لتنفيذ رؤية المجلس الرئاسي بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، والعمل على تعزيز جاهزيتها، بما ينسجم مع الجهود الرامية إلى ترسيخ الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة.
ويأتي هذا الاجتماع بعد أيام قليلة من دعوة المنفي إلى اتخاذ «قرارات حاسمة» لتوحيد المؤسسة العسكرية ضمن قيادة مشتركة مهنية ومحايدة، تخضع لسلطة مدنية، مؤكدا أن بناء جيش موحد يمثل أحد الشروط الأساسية لتحقيق الاستقرار وإنهاء الانقسام المؤسسي.
ويعد ملف توحيد المؤسسة العسكرية من أكثر الملفات تعقيدا في المشهد الليبي، إذ شهد خلال السنوات الماضية سلسلة من الاجتماعات واللجان العسكرية المشتركة، كان أبرزها اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، التي نجحت في تحقيق عدد من التفاهمات الأمنية، إلا أن مسار توحيد المؤسسة العسكرية بصورة كاملة ظل يواجه تحديات سياسية وميدانية حالت دون الوصول إلى اتفاق نهائي.
وخلال الأشهر الأخيرة عاد هذا الملف إلى الواجهة مع تصاعد الاهتمام الدولي، خاصة من جانب الولايات المتحدة، التي أكدت في أكثر من مناسبة دعمها لتوحيد المؤسسات الليبية، باعتبار المؤسسة العسكرية إحدى الركائز الأساسية لأي تسوية سياسية مستدامة.
كما يأتي هذا الحراك بالتزامن مع المبادرة الأمريكية التي يقودها كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، والتي تركز على معالجة الانقسام المؤسسي في ليبيا، عبر الدفع نحو توحيد المؤسسات السيادية والأمنية والعسكرية، بالتوازي مع استكمال المسار السياسي وصولا إلى إجراء الانتخابات.
ويرى متابعون أن إعادة تنشيط قنوات التواصل المباشر بين القيادات العسكرية في شرق البلاد وغربها، سواء من خلال اللقاءات الثنائية أو عبر الرعاية الدولية، قد تسهم في تقليص فجوة الانقسام، خصوصا إذا اقترنت بخطوات تنفيذية على الأرض، تشمل إعادة هيكلة بعض المؤسسات العسكرية وتوحيد غرف العمليات وآليات التنسيق الأمني.
وفي المقابل، يعتقد مراقبون أن نجاح أي تفاهمات عسكرية سيظل مرتبطا بالتقدم في المسار السياسي، باعتبار أن استمرار تعدد مراكز القرار والخلافات بين المؤسسات التنفيذية قد ينعكس على فرص تنفيذ أي اتفاقات يتم التوصل إليها بين القيادات العسكرية.
ومن المنتظر أن يشكل اللقاء المرتقب في مدينة سرت مؤشرا على مدى استعداد الأطراف للمضي في خطوات عملية تتجاوز مرحلة اللقاءات التشاورية، خاصة في ظل الدعم الدولي المتزايد لمسار توحيد المؤسسة العسكرية، وما يمثله هذا الملف من أهمية في تهيئة الأوضاع الأمنية والسياسية اللازمة لإنجاز الاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها توحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الوطنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك