إن الحديث عن التحول من منظومة الدعم العيني إلى الدعم النقدي يتجاوز مجرد تغيير وسيلة تقديم المساعدة للمواطنين، ليمس جوهر الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، فالدعم النقدي ليس مجرد بديل تقني، بل هو إصلاح ضروري يتطلب تنفيذًا دقيقًا لضمان تحقيق أهدافه الطموحة.
فمن الناحية الاقتصادية، تتفق العديد من الرؤى والتقارير الدولية على أن الدعم النقدي يتفوق بمراحل على الدعم العيني من حيث الفعالية.
الدعم النقدي يمنح الأسر المستفيدة سيادة كاملة وحرية في اختيار احتياجاتها الفعلية وفقًا لأولوياتها الخاصة، وهو ما يؤدي بالتبعية لتقليل الهدر الكبير الذي يلحق بالسلع العينية نتيجة عمليات النقل والتخزين والتسرب من قنوات التوزيع غير المنضبطة، كما أن هذا التحول يضمن وصول الدعم بصورة أكثر عدالة إلى المستحقين الفعليين، مما يساعد الدولة على توجيه مواردها المحدودة بذكاء أكبر وتأثير أعمق، بعيدًا عن الممارسات التي قد تستهلك الموازنة دون أن تنعكس إيجابًا على مستوى معيشة المواطن الأكثر احتياجًا.
عند النظر للأدلة والبراهين التي تدعم تفوق الدعم النقدي، نجد أن الدراسات العالمية، ومنها ما أشار إليه مركز التنمية العالمية (CGD) وشبكة" CALP"، تؤكد أن النقد يمنح المستفيدين القدرة على إدارة ميزانياتهم بمرونة، مقارنة بالدعم العيني الذي يفرض سلعًا محددة قد لا تكون هي الأولوية القصوى للأسرة في لحظة معينة، فالدعم النقدي يعمل كمحرك للاقتصاد المحلي، حيث تتدفق الأموال مباشرة إلى الأسواق مما يحفز الطلب ويزيد من حركة التجارة الصغيرة في المجتمعات المحلية، وهو ما يُعرف بالأثر المضاعف للنقد.
تشير الدراسات المقارنة إلى أن تكاليف الإدارة والخدمات اللوجستية المرتبطة بتوزيع السلع العينية، مثل الشحن والتخزين والتأمين ضد التلف، تفوق بكثير تكاليف التحويلات الرقمية أو النقدية المباشرة، وهذا الفارق في التكاليف الإدارية يمكن توجيهه لزيادة قيمة الدعم نفسه، مما يعزز من القوة الشرائية للمستفيدين، ومن هنا يصبح التحول النقدي وسيلة لتعظيم العائد الاجتماعي من كل جنيه تنفقه الدولة، شريطة أن يصاحب ذلك استقرار في الأسواق المحلية لضمان توافر السلع التي سيقوم المواطنون بشرائها بمدخراتهم النقدية.
إن الأرقام الواردة في مشروع موازنة العام المالي المقبل 2026/2027 تعكس رؤية الدولة الواقعية والمتدرجة في تنفيذ هذا الإصلاح الكبير، ومن اللافت أنه لم يتم القفز مباشرة نحو التحول الكامل، بل هناك موازنة دقيقة بين المنظومتين، إذ خصصت الدولة نحو 178.
3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية كدعم عيني، مما يبرز حجم العبء الملقى على عاتق المنظومة الحالية وأهمية تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين خلال المرحلة الانتقالية.
وفي المقابل؛ نجد نموًا ملحوظًا في مخصصات الدعم النقدي المتمثلة في برنامج" تكافل وكرامة"، والتي ارتفعت إلى نحو 55.
2 مليار جنيه ليستفيد منها نحو 4.
7 مليون أسرة، وهذا التوازي يظهر أن الدولة تخوض تجربة عملية للتحول التدريجي، حيث يمثل" تكافل وكرامة" نموذجًا رائدًا للدعم المشروط الذي لا يكتفي بتقديم المال، بل يربطه بالصحة والتعليم، مما يعزز من رأس المال البشري على المدى الطويل، ويؤكد بقاء حجم الدعم العيني بهذا الرقم الضخم على أن التحول الكامل يتطلب استراتيجية حذرة تضمن عدم حدوث فجوات في التغطية خلال فترة الانتقال من نظام إلى آخر.
وهنا لا يمكن الحديث عن نجاح أي منظومة للدعم النقدي دون التطرق للتحدي الجوهري المتمثل في دقة واستهداف المستحقين، لذا فإن امتلاك قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة باستمرار هو الضمان الوحيد لوصول الأموال إلى مستحقيها الحقيقيين، واستبعاد الفئات غير المستحقة التي قد تستهلك موارد مخصصة للأسر الأكثر احتياجا، وهنا تبرز التقارير الصادرة عن البنك الدولي أهمية تكنولوجيا المعلومات في تطوير شبكات الأمان الاجتماعي، حيث يساهم الربط الإلكتروني بين مختلف جهات الدولة في رسم صورة حقيقية لمستوى دخل وإنفاق الأسر.
إن أي خطأ في استهداف المستحقين، سواء بالشمول الخاطئ لمن لا يستحق أو الاستبعاد الخاطئ لمن يستحق، يؤدي إلى تآكل الثقة في المنظومة الجديدة، لذا فإن الاستثمار في البنية التكنولوجية وتحديث بيانات المستفيدين بشكل دوري ليس مجرد إجراء فني، بل هو التزام اجتماعي وأخلاقي لضمان أن كل قرش يتم توفيره من الهدر في الدعم العيني يذهب مباشرة لتحسين حياة الفئات الأكثر احتياجًا وتهميشًا في المجتمع.
أحد أهم المخاوف التي تصاحب التحول للدعم النقدي هو خطر تآكل قيمته أمام تقلبات الأسعار ومعدلات التضخم، فبينما يتمتع الدعم العيني بميزة الحماية الذاتية ضد ارتفاع الأسعار لأن المواطن يحصل على كمية محددة من السلع مهما غلا ثمنها، فإن الدعم النقدي يتطلب آلية مرنة وحيوية للمراجعة الدورية، لذا فإنه من الضروري أن تكون قيمة الدعم النقدي مرتبطة بمؤشرات التضخم السلعي، خاصة بالنسبة للمواد الغذائية والأساسية، حتى لا يجد المواطن نفسه غير قادر على شراء نفس كمية الاحتياجات التي كان يوفرها له الدعم العيني سابقًا.
إن الحفاظ على القوة الشرائية للدعم هو المحك الحقيقي لعدالة هذا التحول، وهو ما يتطلب تنسيقًا وثيقًا بين صانعي السياسات النقدية والمالية، والفشل في ضبط هذه المعادلة قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية تفوق المكاسب الاقتصادية المحققة من كفاءة التوزيع، مما يجعل من ضرورة وضع معايير الربط التلقائي بأسعار السوق جزءًا لا يتجزأ من التصميم الهيكلي للمنظومة الجديدة.
عند دراسة التجارب الدولية التي تناولت الفرق بين الدعم النقدي والعيني، نجد دروسًا قيمة يمكن الاستفادة منها في صياغة تجربتنا الحالية، فالعديد من الدول التي نجحت في هذا التحول اعتمدت على" التجريب الميداني" قبل التعميم، وهو ما يسمح باكتشاف الثغرات وتعديل المسار، وتشير الأبحاث المنشورة في دوريات علمية مثل" Taylor & Francis" إلى أن الدعم النقدي يسهم بشكل مباشر في تحسين التنوع الغذائي للأسر، لأنهم يمتلكون القدرة على شراء بروتينات وفواكه قد لا توفرها السلال الغذائية العينية الجامدة.
الواقع يقول أن التحول للدعم النقدي لم يعد مسألة اختيارية بل هو مسار حتمي لرفع كفاءة الاقتصاد المصري وضمان وصول الموارد لمستحقيها، إلا أن هذا التحول رغم إيجابياته الهائلة، يحمل بين طياته تحديات جسيمة تتطلب تنفيذًا دقيقًا وحذرًا، والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه الآن أصبح لا يتعلق بمبدأ التحول ذاته، بل يتعلق بكيفية إدارة هذا التحول بطريقة عادلة وآمنة تضمن تحقيق التوازن الدقيق بين الكفاءة الاقتصادية والحماية الاجتماعية.
والنجاح الحقيقي لهذا الإصلاح لا يقاس فقط بتغيير شكل الدعم من سلعة إلى نقد، بل في بناء منظومة شاملة ومتكاملة ومرنة، تضع المواطن في قلب اهتماماتها، وتستخدم التكنولوجيا لخدمة الأسر الأكثر احتياجا، وتراقب المتغيرات الاقتصادية بحرص لضمان استدامة الأثر، فالدعم النقدي يمكن أن يكون أداة قوية للتمكين، وإذا ما تمَّ تنفيذه بالدقة المطلوبة، فإنه سيشكل ركيزة أساسية في بناء مجتمع أكثر عدلًا واقتصاد أكثر قوة واستقرارًا، مما يحقق الاستخدام الأمثل لموارد الدولة ويحفظ كرامة المواطن وحقه في حياة كريمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك