إن سحر كرة القدم يطغى على أي لعبة أخرى؛ فمن بين مئات، بل آلاف الألعاب، تجد لها جمهورًا غفيرًا يعشقها، ويتابع مبارياتها، ويحب من أجلها ويكره، ويتعصب لها وعليها.
ولعل هذه الساحرة المستديرة تمتلك ممالك خاصة وهي تقتحم القلوب والعقول.
ومن فرط حبها قد يُصاب بعض عشاقها بأزمات قلبية، وقد عرفت شخصين كان تعلقهما بها سببًا في وفاتهما، لكنها تظل حالات نادرة.
وفي المقابل، فهي تمنح السعادة لملايين من عشاقها ومريديها.
غير أن ما يُؤخذ عليها ليس اللعبة نفسها، بل الطريقة التي يتعامل بها كثير من الناس معها؛ إذ يجعلون الحياة بلا طعم من دونها، حتى تصبح هي كل حياتهم.
يقيمون حولها نقاشات لا تنتهي، وتحليلات لا تنقطع، يحفظون أهدافها وإحصاءاتها وتفاصيلها، وينتقلون من جدال إلى آخر، ومن حوار إلى غيره، وكأن الحياة تتوقف عند حدود الملاعب والأقدام.
فإذا حاولت أن تغيّر موضوع الحديث بعيدًا عن كرة القدم، وجدت بعضهم لا يعرف من الحياة وتجاربها إلا القليل، وكأن عقله توقف عند هذه اللعبة، فلم يعد قادرًا على تجاوزها.
يصبح في مناقشة أي موضوع آخر طفلًا ساذجًا، يضطرب حديثه، ويتلعثم، ويخلط بين المفاهيم، ولا يدرك معاني ما يناقشه.
وهذا، في رأيي، من مظاهر واقعنا، ولا ينطبق بالضرورة على كثير من مشجعي ولاعبي الغرب؛ فهناك لا يقتصر الاهتمام بالكتاب على المثقفين وحدهم، بل يعد جزءًا من حياة المجتمع.
فإذا استمعت إلى أحاديثهم وجدت أنهم، رغم شغفهم بكرة القدم وتفوقهم فيها، يملكون اهتمامات أخرى، وآراء في مختلف القضايا.
قد لا تكون معرفة متخصصة، لكنها تقوم على الحد الأدنى من الثقافة والاطلاع.
فالطبيب يقرأ الأدب، وله رأي في الشعر والرواية، وقارئ الأدب يتابع آخر ما توصل إليه العلم، والكتاب لا يفارق أيدي كثير منهم في المواصلات، والأماكن العامة، وحتى أثناء السفر؛ لأنه جزء من تكوين الإنسان وشخصيته.
أما نحن، فقلّما نرى كتابًا في يد أحد، ومع قلة القراءة نجد كثيرين يظنون أنهم يعلمون كل شيء، بينما لا تستند آراؤهم إلى معرفة حقيقية أو علم راسخ.
إن الإنسان لا يكتمل إلا إذا توازنت جوانب شخصيته؛ بين العقل والوجدان، وبين الثقافة والهواية، وبين العمل والترفيه.
فالهوايات تمنح الحياة متعة، أما المعرفة فهي التي تمنحها عمقًا، ولا ينبغي أن تطغى إحداهما على الأخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك