ربع قرن بتمامه (21/06/2001) مرّ على رحيل الظاهرة الفنية سعاد حسني، ولا تزال حاضرة بقوة من خلال أفلامها التي قاربت التسعين، وأغانيها التي جاوزت الثلاثين، ومن خلال حياتها التي لم تهدأ منذ ظهورها الأول في برنامج بابا شارو للأطفال حين غنت «أخت القمر» وهي طفلة، إلى سقوطها أو إسقاطها من شرفة بيتها اللندنية وهي في التاسعة والخمسين من عمرها.
على المستوى الشخصي كان حضور سندريلا الشاشة طاغيا في حياتي منذ أن كنت طالبة في الثانوية أعلّق صورها على جدران غرفتي، وأردد أغانيها المرحة بفرح طفولي، وأشاهد أفلامها مع والدتي المنحازة إلى فاتن حمامة.
وكنت انتهز الفرصة كلما استقبلت ضيفا في برنامجي التلفزيوني يعرفها أن أسأله في البلاتوه أو الكواليس عن أي تفصيل عنها، فعلت ذلك مع سميحة أيوب في جلساتنا الطويلة، ومفيد فوزي ورفيق الصبان، ورغم أني كتبت وقدّمت حلقة عنها وصلاح جاهين في برنامجي وجهان لحكاية، ما زلت أستشعر الرغبة في الكتابة عنها أو تقديم عمل مرئي يتناول سيرتها يروي بعض غليلي.
فأنا كنت وما أزال أراها مرآة انعكست عليها تحولات المجتمع المصري ما بعد الملكية، إلى ما بعد الانفتاح الساداتي، فقد تجاوزت كونها أيقونة فنية فريدة تمثل وتغني وترقص لتصبح ظاهرة سوسيولوجية وثقافية، يجد فيها كل مصري نفسه، خاصة أبناء الطبقة المتوسطة، وظهورها في أول فيلم سينمائي لها (حسن ونعيمة) سنة 1959 لم يكن بشارة «ولادة لنجمة آتية من الناس العاديين وأحلامهم البسيطة، بل ولادة للمرأة المصرية أيضا»، كما يرى الناقد السينمائي إبراهيم العريس.
لأن صورة السندريلا لم تتشكل من جمالها فجميلات السينما المصرية كثيرات، ولا من قدرتها على الغناء والاستعراض، فنيللي وشيريهان كانتا أميرات استعراض أيضا، ولا من تمكنها الفائق في تقمص الشخصيات، بل كل هذا مجتمعا جعل المشاهد يرى فيها أبعد من بطلة سينمائية، فهي صورة لنساء مصر من الفتاة البسيطة المرحة إلى الزوجة المكلومة من خيانات زوجها، وصولا إلى امرأة منتصف العمر التي تعاني آثار العزلة والاكتئاب، فالظاهرة السعادية لم تنبغ من عدم ولم تكن ناتجة عن قفزة نجومية مفاجئة، بل هي وليدة تطور عضوي طويل رافق الجمهور على امتداد أكثر من ثلاثة عقود من التمثيل، فالمجتمع المصري الذي تغيّر من الستينيات إلى بداية التسعينيات، وجد فيها صورة مرئية تسمح له أن يرى هذا التغير مجسدا من خلال لغتها الشعبية وجسدها الذي يضج بالحركة ووجهها القادر على الانتقال من البراءة إلى النضج، ويكفي المقارنة بين فيلمين فقط من أفلامها لنرى مصداقية هذا الطرح، ففي فيلم «القاهرة 30» (1966) نجدها المرأة الجميلة التي تجسد فكرة الجسد الأنثوي، الذي تحول وسيلة للارتقاء الاجتماعي تحت ظل الفساد السياسي، حيث يقدم الزوج الانتهازي زوجته قربانا للباشا في الفترة الملكية، ليلج دائرة المجتمعات الراقية المغلقة، أما في فيلم «الكرنك» (1975) فتتحول فيه سعاد حسني من الفتاة البريئة، أو المرأة الخبيرة إلى صورة لجيل الستينيات الذي حطمت أحلامه هزيمة 1967 فتشظي الحلم القومي، وأصبح الفيلم بكاء جماعيا على انكسار جيل بأكمله جسدته سعاد حسني في شخصية زينب.
لذلك أقول بكثير من الثقة، إننا يمكننا قراءة تاريخ مصر الاجتماعي وحتى السياسي من خلال تتبع أدوار السندريلا في أفلامها.
فقد كان جمهورها يتطور نفسيا معها في ما يشبه نموا مشتركا بينهما بداية من مرحلة بداية الستينيات، حيث جسدت صورة الفتاة خفيفة الدم والممتلئة مرحا، عبر أعمال مثل «البنات والصيف»، و»للرجال فقط»، و»شقاوة بنات» والدور المختلف في «الزوجة الثانية».
وصولا إلى مرحلة النضج التي بدأت من أواخر الستينيات، حيث قدمت أفلاما مركبة تناولت كثيرا من العقد النفسية والاجتماعية وفككتها، فقدمت الانقسام النفسي في «بئر الحرمان»، والمعاناة والأمراض النفسية في «أين عقلي»، والعنف الزوجي والأسري في «موعد على العشاء»، وقضايا المرأة المطلقة وصراعها الاجتماعي في «غريب في بيتي»، وقد جسدت في هذه الفترة حتى التحولات العنيفة التي أصابت المجتمع المصري وتخلخل سلم القيم وظهور التفاوت الطبقي نتيجة الانفتاح الساداتي مثل فيلم، «أهل القمة»، فكانت كأنها تكبر مع جمهورها، ولعل هذا هو السر في كونها لم تفقد هذا الجمهور الذي بدأ معها كما فقدته كثيرات غيرها.
مخطئ من يعتقد أن الجمهور المصري – والعربي من ورائه – أحب سعاد حسني لجمالها وهي الجميلة حقا، حيث تتعانق الحلاوة المصرية من جهة الأم، مع الوسامة الشامية التي ورثتها عن أبيها، لكنها جمعت إلى الجمال خفة الظل والعفوية، فقد كانت تضحك وترقص وتبكي وتتلعثم وتجيد صنع الفتة بالخل والثوم كما ذكرت صافيناز كاظم عنها، لذلك تماهت مع شخصية بنت البلد الحقيقية وأنسنت النجومية وشعر جمهورها أنها واحدة منهم، ويمكن المقارنة بين جمالها المجبول بالبساطة والصدق الانفعالي والقرب من المشاهد، وجمال مريم فخر الدين الأرستقراطي مثلا أو جمال يسرا ذي الملامح الأوروبية لندرك أن جمال سعاد حسني لا يُشاهد فقط، بل يشعر الجمهور بالألفة معه ويحس بالتماهي معه.
لذلك لم تقتصر أدوارها على صورة واحدة ككثيرات من النجمات اللواتي حبسن في قالب واحد، ففلانة نجمة إغراء والأخرى احتكرت دور الأم، في حين أن السندريلا تميزت بقدرتها الفائقة على تنويع الأدوار والقفز بمرونة بين أنماط متناقضة من الصور النسائية، فنجدها الفتاة الريفية، أو الطالبة الجامعية، أو الراقصة، أو السجينة، أو الأم أو المريضة نفسياً.
وقد صدقت حين قالت عن نفسها «أنا خارج الاستديو لا أعرف من هي سعاد… أذوب في الشخصية التي أمثلها».
جانب آخر مهم شكّل هذه الظاهرة الفنية، فلا السينما ولا السيرة الشخصية المثيرة وحدهما من صنعا أسطورة سعاد حسني، فالأغنية شكلت ذاكرة سمعية رسخت حضورها عند الجمهور، خاصة أن أغلب أغانيها ارتبط بمشاهد من أفلام، فالمشهد يستدعي الأغنية كما تستدعي الأغنية المشهد على السواء، والجانب الغنائي رغم شهرة بعض أغانيها مظلوم عند سعاد حسني، ونظلمها أكثر إذا قارناها بأختها الكبرى نجاة الصغيرة، فصوت سعاد حسني ليس طربيا ولا واسع المساحة بل تكمن قوته في قدرته التعبيرية الإيقاعية، وقد عرف كمال الطويل جيدا إمكانات هذا الصوت فقدم لها ألحانا يتمنى أي مطرب متفرغ للغناء لو أداها، ف»الدنيا ربيع» أصبحت النشيد الرسمي لعيد شم النسيم سنويا و»يا واد يا تقيل» التي غنتها في فيلم «خلي بالك من زوزو»، تحولت إلى أيقونة في خفة الظل والشقاوة حتى استعادتها مطربات مكرسات مثل نانسي عجرم.
ولو تفرغت سعاد حسني لهذا النوع من الغناء، لكان لها شأن آخر، خاصة أنها كانت محاطة بعباقرة الكلمة مثل أبيها الروحي الشاعر العامي صلاح جاهين، وبأساطير التلحين كالطويل ومحمد الموجي.
مع التذكير بأن أغانيها لم تكن استراحات يتخفف بها المشاهد من التأزمات الدرامية في الفيلم، بل جزءا من بناء الشخصية وقيمة مضافة للفيلم نفسه، وأحيانا نجد أن عروض أفلامها في تراجع بعكس أغاني تلك الأفلام التي نصادف بعد كل فترة من يستعيدها ويضيفها باعتزاز إلى رصيده الفني.
ولتكتمل أركان الظاهرة كان لا بد لمرضها ورحيلها الملتبس أن يغلقا الدائرة، ويساهما في صناعة الأسطورة، فالغموض الذي أحاط بحياتها، أثناء مرضها في سنواتها الأخيرة، أذكى نار الفضول إلى حد أن هناك من اعتبر دورها في آخر أفلامها «الراعي والنساء» أشبه بالنبوءة بمرضها وعزلتها، حيث بدت فيه، متعبة الروح بطيئة الحركة، وكأنها استسلمت للزمن الذي لطالما راوغته، وكأن الفيلم «وداع صامت لامرأة استنزفتها الحياة حتى آخر قطرة من روحها»، كما كتب أحد النقاد.
ولا يفوت مشاهد الفيلم ملاحظة أنه يصوّر حالتها النفسية في تلك الفترة من عمرها، حيث الإحساس بالوحدة لامرأة في منتصف عمرها بلا سند، أليس هذا ما حدث لها في الواقع حين وجدت نفسها في لندن معزولة وحيدة، يفاقم من وطأة المرض عليها غياب الذين ارتبطت بهم وجدانيا وإنسانيا وفكريا مثل، عبد الحليم حافظ وصلاح عبد الصبور وصلاح جاهين.
أما موتها فلم ينه حضورها، بل أعطاه بعدا تراجيديا وحولها من نجمة إلى أسطورة ومن أسطورة إلى ظاهرة، فغموض رحيلها لم يغلق الباب وراءها، وإنما فتحه على مصراعيه، لذلك بين فترة وأخرى نسمع شهادة جديدة، أو تصريحا مثيرا حول موتها، وتحولت نقطة رحيلها إلى نقطة البدء لدى كل من يكتب عنها، وكأنه مشهد ختامي ترك النهاية مفتوحة على كل التأويلات، نستعيد معه حكاية البنت الصغيرة ذات السنوات الثلاث التي غنت قبل ثمانين سنة بتمامها «أنا سعاد أخت القمر.
بين العباد حسني اشتهر».
شاعرة وإعلامية من البحرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك