في كل مرة تعلن فيها حكومة عراقية إطلاق حملة واسعة لمكافحة الفساد، ينقسم العراقيون بين من يستقبل الخبر بسخرية ممزوجة بالمرارة، ومن يتمسك بخيط رفيع من الأمل.
وبين ذاكرة مثقلة بالوعود التي انتهت إلى لا شيء، ورغبة شعب أنهكته الخيبات في رؤية الدولة تستعيد شيئا من هيبتها، جاءت الحملة التي أطلقها رئيس الوزراء علي الزيدي، لتعيد طرح السؤال الذي يرافق كل حكومة منذ أكثر من عقدين: هل نحن أمام بداية مواجهة حقيقية مع منظومة الفساد، أم أمام جولة جديدة من الضجيج الإعلامي، الذي سرعان ما يخبو عندما يصطدم بجدران النظام السياسي؟هذا السؤال لا يطرحه خصوم الحكومة وحدهم، بل يردده حتى المؤيدون الذين لا يريدون أن يعيشوا خيبة جديدة.
فمنذ عام 2006 لم يخلُ برنامج حكومي من تعهد بمحاربة الفساد.
عادل عبد المهدي أعلن أن الفساد لا يقل خطرا عن الإرهاب، ووعد بفتح الملفات الكبرى واسترداد الأموال المنهوبة.
ثم جاء مصطفى الكاظمي بخطاب أكثر حدة، وشكل لجانا خاصة للتحقيق في قضايا الفساد، قبل أن تنتهي ولايته بفضيحة «سرقة القرن»، التي كشفت أن الدولة نفسها كانت مخترقة، إلى حد سمح بسرقة مليارات الدولارات من حسابات الهيئة العامة للضرائب.
وبعده رفع محمد شياع السوداني الشعار ذاته، مؤكدا أن لا أحد سيكون فوق القانون، لكن العراقيين ظلوا ينتظرون النتائج أكثر من التصريحات.
لهذا السبب لا ينظر كثيرون إلى حملة علي الزيدي بوصفها حدثا منفصلا عن التجارب السابقة، بل باعتبارها الحلقة الأحدث في سلسلة طويلة من الحملات التي بدأت بقوة ثم فقدت زخمها تدريجيا.
فالمشكلة، كما أثبتت التجربة، ليست في إصدار أوامر القبض، ولا في نشر صور المداهمات، وإنما في القدرة على الوصول إلى الحلقة الأخيرة من شبكة المصالح التي تحمي الفساد وتعيد إنتاجه كلما سقط بعض أفرادها.
لقد اعتاد العراقيون رؤية مسؤولين يقادون إلى التحقيق، ثم يخرجون لاحقا بتسويات سياسية، أو قرارات قضائية أو صفقات لا يعرف أحد تفاصيلها، حتى أصبح الشارع يتعامل مع هذه المشاهد بحذر أكثر من تعامله معها بحماس.
الفساد في العراق لم يعد مجرد انحراف إداري أو تجاوزات فردية، بل تحول إلى منظومة متكاملة تتشابك فيها المصالح السياسية والاقتصادية والأمنيةالفساد في العراق لم يعد مجرد انحراف إداري أو تجاوزات فردية، بل تحول إلى منظومة متكاملة تتشابك فيها المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية.
الأموال العامة، والعقود الحكومية، والمنافذ الحدودية، وقطاع النفط، والوظائف العليا، كلها أصبحت جزءا من شبكة نفوذ يصعب الفصل فيها بين الدولة والحزب، وبين السلطة والمال.
ولذلك لم يعد الحديث يدور عن «مفسدين» بقدر ما يدور عن «فساد مؤسسي» أصبح جزءا من آليات عمل الدولة نفسها، ما يجعل أي حملة لمكافحته أكثر تعقيدا من مجرد اعتقال مجموعة من المسؤولين.
ومن هنا جاء الجدل الذي رافق الاعتقالات الأخيرة داخل المنطقة الخضراء.
فالمشهد كان استثنائيا؛ قوات من جهاز مكافحة الإرهاب، ومداهمات لبيوت مسؤولين ونواب، وعشرات أوامر القبض.
لكن السؤال الذي شغل المراقبين لم يكن عن عدد المعتقلين، بل عن نوعية من شملتهم الحملة.
هل وصلت الحملة فعلا إلى الرؤوس التي أدارت منظومة الفساد طوال العقدين الماضيين؟ أم أنها اكتفت بشخصيات يمكن التضحية بها من دون المساس بمراكز القوة الحقيقية؟الباحث في شؤون الشرق الأوسط طلحة عبد الرزاق، عبّر عن هذا التشكيك بوضوح عندما رأى أن نجاح الحملة لا يقاس بمن اعتُقل، بل بمن بقي بعيدا عن التحقيق.
فالتغيير الحقيقي، برأيه، يبدأ عندما تصل الدولة إلى «الحيتان الكبيرة» التي راكمت الثروة والنفوذ منذ عام 2003، أما الاقتصار على شخصيات من الصفين الثاني والثالث، فلن يغيّر شيئا في طبيعة المنظومة، وسيمنح الرأي العام انطباعا بالحركة أكثر مما يحقق تحولا حقيقيا.
في المقابل، يقدّم البعض قراءة أكثر تحفظا، إذ يرى أن الحملة منحت حكومة الزيدي زخما سياسيا وشعبية أولية، مع التأكيد على أن الحكم عليها يبقى مرهونا بما ستؤول إليه التحقيقات خلال الأشهر المقبلة، لا بما حققته في أيامها الأولى.
ويزداد هذا التشكيك عندما يتعلق الأمر بشخص رئيس الوزراء نفسه.
فعلي الزيدي، بخلاف عدد من أسلافه، لا يقود حزبا كبيرا، ولا يستند إلى كتلة برلمانية خاصة به، ولا يمتلك جناحا مسلحا يوفر له مظلة حماية سياسية.
إنه رئيس حكومة توافقي جاء نتيجة توازنات معقدة، وهذا ما يدفع كثيرين إلى التساؤل عن مدى قدرته على الصمود إذا ما اصطدمت حملته بمصالح القوى التي راكمت نفوذها خلال أكثر من عشرين عاما.
فالتاريخ العراقي الحديث مليء برؤساء حكومات امتلكوا نوايا إصلاحية، لكنهم اكتشفوا سريعا أن اتخاذ القرار أسهل بكثير من فرضه على منظومة تمتلك المال والسلاح والنفوذ في آن واحد.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حالة الترحيب الشعبي التي رافقت الحملة، فالعراقي الذي أنهكته الأزمات لم يعد ينتظر معجزة، بل يبحث عن إشارة واحدة توحي بأن القانون ما زال قادرا على الوصول إلى أصحاب النفوذ، لا إلى صغار الموظفين فقط.
ولهذا علت أصوات كثيرة مؤيدة للخطوة، ليس لأنها واثقة من نجاحها، بل لأنها تريد أن تصدّق، ولو لمرة واحدة، أن الدولة لم تفقد قدرتها على الفعل.
إنها، في النهاية، حالة الغريق الذي يتمسك بقشة، لا لأنه يعتقد أنها ستنقذه بالضرورة، بل لأنه لم يعد يملك غيرها.
غير أن التفاؤل الشعبي لا يلغي وجود قراءة أخرى تربط توقيت الحملة بالمتغيرات الإقليمية والدولية.
فقد جاءت الاعتقالات قبيل زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء إلى واشنطن، وفي ظل حديث متزايد عن إعادة تنظيم العلاقة بين بغداد وواشنطن، وحصر السلاح بيد الدولة، وتراجع مستوى التوتر الأمريكي – الإيراني.
ومن هنا ذهب بعض المراقبين إلى أن الحكومة تتحرك ضمن هامش وفرته تفاهمات خارجية، أو على الأقل في ظل غياب اعتراض إيراني على استهداف شخصيات لا تمثل حتى الآن مراكز النفوذ الأكثر حساسية.
وقد تصح هذه القراءة أو لا تصح، لكنها تعكس حقيقة ثابتة مفادها أن عراق ما بعد 2003 لم يعد يتحرك بمعزل عن توازنات الإقليم.
لكن المشكلة الأعمق لا تكمن في الخارج، بل في الداخل، فالعراق لم يعجز عن تشخيص الفساد، وإنما عجز عن تفكيك البيئة التي أنتجته.
ولعل «سرقة القرن» كانت المثال الأوضح على ذلك؛ إذ كشفت أن المليارات يمكن أن تختفي من مؤسسات الدولة، وأن الرأي العام قد يُصدم بحجم الكارثة، لكنه لا يضمن بالضرورة أن تصل المحاسبة إلى نهايتها.
ولذلك لا تبدو معركة علي الزيدي مع مجموعة من المتهمين بقدر ما هي مواجهة مع نموذج كامل لإدارة الدولة، ترسخ خلال أكثر من عشرين عاما، حتى أصبح المنصب السياسي موردا للنفوذ، والوزارة حصة حزبية، والعقد الحكومي وسيلة للتمويل السياسي.
لهذا فإن نجاح الحملة لن يقاس بعدد أوامر القبض، ولا بعدد المؤتمرات الصحافية، وإنما بقدرتها على الوصول إلى من يعتقد العراقيون أنهم فوق القانون.
فإذا بقيت التحقيقات تدور في هوامش المنظومة، فإنها ستضاف إلى قائمة طويلة من الحملات التي بدأت بضجيج كبير وانتهت بصمت أكبر.
أما إذا نجحت الحكومة في كسر هذه القاعدة، فستكون قد دشنت سابقة لم يعرفها العراق منذ عام 2003.
قد يكون من المبكر إصدار حكم نهائي، لكن من المبكر أيضا مطالبة العراقيين بمنح ثقتهم مجانا.
فالثقة استهلكتها سنوات طويلة من الوعود، ولم يعد الشارع يقتنع بالشعارات مهما كانت جذابة.
إنه ينتظر الوقائع، لأنها وحدها القادرة على إقناعه بأن الدولة استعادت قدرتها على حماية المال العام.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مصير حكومة علي الزيدي أكثر من أي شيء آخر: هل يمتلك رئيس وزراء توافقي، لا يستند إلى حزب كبير ولا إلى جناح مسلح، القدرة على تفكيك منظومة صنعت جزءا كبيرا من الطبقة السياسية، أم أن هذه المنظومة ستفعل كما فعلت مرارا، فتمتص الصدمة، وتضحي ببعض الأسماء، ثم تعود إلى العمل وكأن شيئا لم يكن؟ ذلك هو السؤال الحقيقي الذي ينتظر العراقيون إجابته، أما الاعتقالات، مهما بلغ صداها، فلن تكون سوى بداية الحكاية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك