سأستغل فرصة احتفال الجزائريين هذا الأسبوع بالذكرى الرابعة والستين لاستقلال بلدهم، للتذكير بذلك الشعار الذي رفعوه أثناء مسيرات الحراك وهم يطالبون بالاستقلال، وكأنهم يعيشون في بلد محتل، لم ينل استقلاله بعد، شعار رغم غرابته، تم القبول به بسرعة داخل الحراك من قبل الكثير من المواطنين من كل الأجيال، خاصة الشباب، الذين رفعوه بعفوية كبيرة في مسيرات الحراك بين سنتي 2019-2022، وكأنهم يقرون بأن استقلالهم مازال ناقصا وغير مكتمل، رغم تحرير الأرض وحصولهم على السيادة الوطنية منذ صيف 1962.
مادام الجزائري لم يتحرر بعد، ولم يحصل على حقوقه كاملة غير منقوصة، كما كان يريدها، أعاد التذكير بها الحراك الشعبي وهو يحاول إعطاء محتوى لهذا الشعار المرفوع، الذي فاجأ بعض المشاركين من الكبار في السن، في هذه المسيرات، التي تميزت بتدخل قوي من قبل المتظاهرين، في نحت شعاراتها والصدح بها بحرية، لم يتعود عليها الجزائريون منذ استقلال بلادهم، كما كان الحال مع هذا المطلب المنادي بالاستقلال، الذي تم ربطه بتفاصيل أخرى على غرار استقلال القضاء وضمان الحريات الفردية والجماعية ومدنية الدولة وحرية الإعلام، وغيرها من المطالب النوعية التي رفعها الحراك وهو يركز على النوعي منها على حساب المطالب الاقتصادية الاجتماعية الأخرى، التي استمرت حاضرة، لكن ليس على حساب المطالب السياسية، التي ربطها المتظاهرون بمسألة الفساد المستشري، الذي حاولت السلطات العمومية استغلال الإجراءات المتخذة ضد رموزه الرسميين لمقايضة توقيف مسيرات الحراك.
ما دام الجزائري لم يتحرر بعد، ولم يحصل على حقوقه كاملة غير منقوصة، كما كان يريدها، أعاد التذكير بها الحراك الشعبي وهو يحاول إعطاء محتوى لهذا الشعار المرفوعرفع هذا الشعار في تلك الفترة المتميزة بغليان سياسي- اجتماعي كبير، عاشه الجزائري لأول مرة، كتجربة جماعية، قد يعني أن جزءا مهما من الجزائريين، من الشباب خاصة، قد اقتنع بأنه أصبح أمام فكرة وطنية شاخت بسرعة وترهلت قبل الوقت، بعد انقضاء السنوات الأولى من الاستقلال في ظل تجربة الدولة الوطنية القصيرة، ولم تعد قادرة على تجنيد فئات واسعة من المجتمع الجديد الذي بدأ يشكك في قيمها المركزية التي كانت حاضرة في السنوات الأولى للاستقلال، بالزخم السياسي الذي عرفته، كما كان الحال مع الشباب والمرأة والفئات الاجتماعية العصرية من الفئات الوسطى المتعلمة، التي أنتجتها تجربة الدولة الوطنية ذاتها بعد الاستقلال، فشلت مؤسسات النظام السياسي في تجنيدها وإقناعها بالبقاء وفية لقيم هذه الوطنية، بدل المطالبة بالاستقلال بعد أكثر من نصف قرن من تحرير البلاد في صيف 1962 بعد 132 سنة من الاستعمار الاستيطاني وحرب تحرير قادتها نخب وطنية شعبية، تميزت بشح كبير في إنتاج فكر سياسي وطني متجانس، لجأت إلى نوع من الترقيع الفكري والأيديولوجي لتوفيره خلال هذه المرحلة، التي سادت فيها سرديات سياسية كبيرة دوليا ووطنيا استلهمت منها الكثير من مكوناتها وهي تنتج هذه الوطنية الفقيرة ثقافيا، بداية من عشرينيات القرن الماضي في بلاد المهجر بالتنوع وعدم التجانس الذي عرفته.
فكرة وطنية ركزت على الأبعاد الاقتصادية ـ الاجتماعية في علاقتها بالمواطن الذي كانت تفضله ريفيا أميا، كبيرا في السن وفقيرا، لكي تعرف كيف تتعامل معه بنجاح، كما تبينه تجربة الانتخابات التي نظمتها مؤسسات الدولة الوطنية في عهدي الأحادية والتعددية، عكس المواطن، الشاب المتعلم ابن المناطق الحضرية صاحب المطالب النوعية، الذي بدأ في التركيز على الجديد منها، التمحور أكثر فأكثر حول الفرد والفئات الاجتماعية محدودة العدد، التي لم تعرف كيف تتجاوب معها هذه «الوطنية ذات الطابع الجماعي»، التي تبنتها الدولة الوطنية عبر سياسية اجتماعية انطلقت منذ سنوات الاستقلال الأولى، سهلها الطابع الريعي للاقتصاد الوطني المعتمد على الملكية الجماعية، داخل مجتمع يغلب عليه التجانس الاجتماعي، الذي تم القبول به وتكريسه كقيمة مركزية داخل هذه الوطنية الاجتماعية التي ميزت الجزائريين كسلوك وثقافة، عكس المطالب النوعية المرتبطة بالفرد بما عكسته من حريات فردية، لم تكن يوما من الأيام من مكونات هذه الوطنية الجزائرية، التي تم رفضها والتشكك فيها لاحقا، ليصل الأمر في بعض الأحيان إلى اتهامها بالعمالة للخارج، كما ساد عندما تعلق الأمر بالحريات الفردية ومطالب المرأة النوعية، التي تم رفضها ومحاربتها باسم قيم أصيلة ملتصقة بالجزائري، منذ الأزل، دفع ثمنها بعض النساء من الفنانات الجريئات، كما حصل مع الفنانات الشعبيات، مثل الشيخة الرميتي التي فرضت عليها الأوضاع داخل الجزائر، المنفى في فرنسا، مثل زميلتها حدة بقار التي ماتت مشردة في أزقة مدينة عنابة، نتيجة المقاطعة الصارمة من قبل الإعلام الوطني الرسمي، استمرت لسنوات بعد الاستقلال لغاية وفاتها في يناير 2000، وضع كان من نتائجه أن أصبحت باريس الفرنسية مركزا أولا للحياة الثقافية والفنية الوطنية، وليس الجزائر التي غادرها الكثير من الوجوه الفنية، لما وجدته فيها من تضييق حركتها الفنية الحرة سنوات بعد الاستقلال.
لم يخل هذا الوضع بكل ما ميزه من صراعات ثقافية وسياسية كانت وراءها قوى اجتماعية متفاوتة الحضور، من احتكاكات عنيفة وشروخ في البناء الوطني أكثر من مرة، خلال فتره ما بعد الاستقلال، بين هذه العقلية التي ميزت الوطنية الجزائرية الرافضة للتحولات الاجتماعية، التي برزت داخل المجتمع الجزائري مع الوقت، الذي لم ترفض له الوطنية السياسية المتبناة من قبل الدولة الوطنية بمؤسساتها ونخبها هذه التحولات على مستوى البناء الاجتماعي، بل حتى تلك المتعلقة بالجوانب الجيو- سياسية، تم بموجبها رفض الاعتراف بأي خصوصية جغرافية وثقافية للجهات والمناطق في هذا البلد القارة، الذي تبنت نخبه السياسية الرسمية قراءة يعقوبية للمسألة الترابية، استمدتها من تجربة المستعمر القديم، خاصة عندما تقترن مع أبعاد ثقافية يشتم منها خصوصيات محلية، كما حصل عند التعامل مع المطلب الأمازيغي، الذي اتهمته النخب السياسية والثقافية الرسمية بالعداء للفكرة الوطنية ذاتها لمدة طويلة، وصلت النزاعات معه إلى مرحلة المواجهة أكثر من مرة، أدت في بعض الأحيان إلى التشكيك في وطنية جهات كاملة من التراب الوطني، هددت الفكرة الوطنية ذاتها، في وقت ابتعدت الوطنية الجزائرية عن قيم العصر أكثر فأكثر مع الوقت، لتنكمش حول قيم اجتماعية وثقافية محافظة، تم تقديمها كقيم أصيلة للجزائريين بكل فئاتهم، غير قابلة للتغيير، أخذت شكلا حزينا معاديا للفرح نفّر الشباب، في وقت زاد فيه منسوب الانفتاح على الأفكار الجديدة من قبل بعض الفئات الشابة والمتعلمة، وهي تتواصل بحرية أكبر مع العالم الخارجي، بشكل أخاف هذه الوطنية المنكمشة على ذاتها التي تقوم بتسييرها نخب غير متجانسة ثقافيا ولغويا، وصل بها الانغلاق إلى الزج بمؤسسات الدولة الوطنية المستقلة في مواجهة فئات من الجزائريين، كان لهم رأي آخر عبروا عنه، وهم يطالبون بالاستقلال بعد اكثر من ربع قرن من تحرير البلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك