دخلت إسرائيل الأحد، مرحلة غير مسبوقة من الصدام بين السلطتين التنفيذية والقضائية، بعدما أعلنت حكومة بنيامين نتنياهو للمرة الأولى، أنها لن تنفذ حكماً صادراً عن المحكمة العليا، في خطوة فجرت اتهامات بإدخال البلاد في أزمة دستورية، وأثارت تحذيرات من الرئيس إسحاق هرتسوج ودعوات إلى العصيان المدني من رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك.
وقرر مجلس الوزراء عدم الاعتراف بأي قرار أو تعيين أو إجراء يصدر عن مجلس «الهيئة الثانية للإذاعة والتلفزيون»، وهي الجهة المنظمة لقطاع البث التجاري، رغم حكم أصدرته المحكمة العليا، في يونيو الماضي، يقضي بالسماح للمجلس باستئناف عمله رغم عدم اكتمال النصاب القانوني المطلوب.
وجاء القرار باقتراح من وزير الاتصالات شلومو كرعي ووزير العدل ياريف ليفين، اللذين اعتبرا أن المحكمة تجاوزت صلاحياتها عندما سمحت للمجلس بالعمل رغم عدم استيفائه شرط النصاب المنصوص عليه في القانون.
وأشارت الحكومة في قرارها إلى أنها لن تعترف «بأي قرار أو موافقة أو تعيين أو إجراء يتخذه مجلس الهيئة الثانية ما دام لا يستوفي الحد الأدنى الصريح من متطلبات القانون».
وأضافت أن «سيادة القانون تُلزم جميع سلطات الدولة، بما في ذلك المحكمة»، معتبرة أن «الحكم الذي يتعارض بصورة مباشرة مع النص الواضح للقانون لا يمكنه أن يمنح صلاحيات لا يقرها القانون».
وأثار قرار الحكومة موجة واسعة من الانتقادات داخل إسرائيل، كان أبرزها موقف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج، الذي حذر من تجاهل أحكام المحكمة العليا، قائلاً إن «عدم احترام قرار المحكمة العليا هو خط أحمر لا يجب تجاوزه».
كما ندد قادة المعارضة بقرار الحكومة، معتبرين أنه يقوض سيادة القانون ويهدد النظام الديمقراطي.
وقال زعيم المعارضة يائير لبيد إن «الحكومة التي لا تقبل أحكام المحكمة العليا تصبح فوراً حكومة غير قانونية، ولن نعترف بقراراتها»، مؤكداً أن المعارضة ستتعامل مع قرارات مجلس الهيئة الثانية باعتبارها قرارات قانونية وسارية.
ووصف رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت القرار بأنه «خرق خطير للغاية للأمانة التي ائتمنتها عليها الدولة»، فيما اعتبر رئيس حزب «يشار» جادي أيزنكوت أن الحكومة «تعتدي على الديمقراطية في إسرائيل».
باراك يدعو إلى عصيان مدنيكما دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك إلى «عصيان مدني غير عنيف»، معتبراً أن قرار الحكومة يمثل «إعلان حرب» على الديمقراطية في إسرائيل.
واعتبر باراك أن رفض مجلس الوزراء الانصياع لحكم المحكمة العليا يرقى إلى «إعلان حرب على إسرائيل الديمقراطية»، محذراً من أن الحكومة قد ترفض أيضاً نتائج أي انتخابات مقبلة.
وتعود الأزمة إلى النزاع حول تشكيل مجلس «الهيئة الثانية للإذاعة والتلفزيون»، الذي يتعين عليه البت في صفقة استحواذ مقترحة على «القناة 13» من جانب مجموعة من رجال الأعمال في قطاع التكنولوجيا يقودها أحد أبرز منتقدي الحكومة.
وقالت منظمات تقدمت بالتماسات إلى المحكمة العليا، من بينها اتحاد الصحافيين في إسرائيل، إن وزير الاتصالات والحكومة سعيا إلى فرض سيطرة سياسية على المجلس بهدف عرقلة إتمام صفقة الاستحواذ، بحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».
وكانت المحكمة العليا قد أشارت في أمر احترازي أصدرته في يونيو، إلى وجود شبهات جدية بأن كرعي مارس نفوذاً غير قانوني على أعضاء المجلس بهدف تعطيل عمله، وبالتالي منع البت في صفقة الاستحواذ على «القناة 13».
وتصاعدت الأزمة بعد تعيين الحكومة، في مارس الماضي، عدداً من الأعضاء الجدد في مجلس الهيئة، من بينهم يفعات بن حاي سيجيف رئيسةً للمجلس.
وأفادت «القناة 13» في مارس، بأن نتنياهو نفسه صوّت لصالح تعيينها رئيسةً لـ»مجلس الهيئة الثانية»، في خطوة اعتبرتها المستشارة القضائية للحكومة، جالي بهاراف ميارا، مخالفة لاتفاق تضارب المصالح الذي وقّعه نتنياهو عام 2020، والذي يمنعه من التعامل مع الشهود في قضيته الجنائية.
وعقب تلك التعيينات، تقدمت منظمات عدة بينها اتحاد الصحافيين، بالتماسات إلى المحكمة العليا التي قررت في مايو الماضي تجميد عمل المجلس إلى حين الفصل النهائي في القضية.
وبعد قرار التجميد، استقال 6 أعضاء من مجلس الهيئة تباعاً، في خطوة قالت تقارير إنها جاءت تحت ضغوط من وزير الاتصالات، ما خفض عدد الأعضاء إلى 9 من أصل 15، وهو عدد لا يحقق النصاب القانوني اللازم لانعقاد المجلس، الأمر الذي عطل قدرته على اتخاذ قرار بشأن صفقة الاستحواذ على «القناة 13».
وفي يونيو، أصدرت المحكمة العليا حكماً شديد اللهجة، قالت فيه إن الإفادات المقدمة إليها من وزير الاتصالات والأعضاء المستقيلين «تثير شبهة جدية» بأن الاستقالات جاءت فقط لإحباط قرارات المحكمة السابقة و»للتدخل في قدرة المحكمة على بحث القضايا المعروضة أمامها».
وبناءً على ذلك، قررت المحكمة إعادة تفعيل المجلس، واعتبرت أن الاستقالات المنسقة لا تُحتسب عند تحديد النصاب اللازم لانعقاده، بما يسمح له باستئناف عمله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك