الجزيرة نت - مباشر مباراة المكسيك ضد إنجلترا في كأس العالم 2026 القدس العربي - هالاند يطيح بالبرازيل خارج مونديال 2026 ويتأهل بالنرويج لدور الثمانية قناة الجزيرة مباشر - Al Jazeera Reports on the Role of Drones in the War from the Zaporizhzhia Frontlines التلفزيون العربي - نفي مزاعم نتنياهو بشأن قرى الجنوب.. مباحثات إسرائيلية لبنانية بوساطة أميركية العربي الجديد - مبابي بطل لقطة إنسانية مع مشجعة باراغواي.. بكت من تسديدته فصعد إليها العربية نت - هالاند يصدم البرازيل ويقود النرويج إلى ربع النهائي التلفزيون العربي - العقدة مستمرة.. هالاند يقود النرويج لإسقاط البرازيل بثنائية في المونديال العربي الجديد - نموذج بيلغه التركي... خطوات أولى في الذكاء الاصطناعي CNN بالعربية - مفاجأة ثقيلة.. هالاند ورفاقه يُقْصون منتخبا عملاقا من كأس العالم 2026 الجزيرة نت - خديعة الأرقام في المونديال: هجمات بلا خطورة واستحواذ عقيم
عامة

سهير زكي… عندما يعزف الخصر على أوتار الروح

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

في مفهومي الشخصي ليست التفاحة فاكهة الجنة المحرمة، بل الإجاصة، فالنساء يقرأن من الخصر، والخصر يضبط إيقاع الأنوثة، فكيف إذا كان الخصر محفوفاً بالموسيقى الشرقية، ويعلّم الكمنجة أصول العزف. خصر يقال له ع...

في مفهومي الشخصي ليست التفاحة فاكهة الجنة المحرمة، بل الإجاصة، فالنساء يقرأن من الخصر، والخصر يضبط إيقاع الأنوثة، فكيف إذا كان الخصر محفوفاً بالموسيقى الشرقية، ويعلّم الكمنجة أصول العزف.

خصر يقال له عادة بالبلدي: وسطها ده وسط كمنجة.

ومن سوى سيدة الرقص الشرقي سهير زكي يعزف خصرها عزفاً منفرداً، وكأنه آلة موسيقية تضاف إلى الأوركسترا، حتى تخال الموسيقى تخرج من ثناياها، فهي لا ترقص مع اللحن بل فيه.

وقد سُجلت باسمها حركة يطلق عليها «زكي»، حيث يصل الخصر اللانهاية، ثم يعود إلى نقطة البداية.

والذراعان مرفوعتان إلى الأعلى، كي يتمايل الخصر، الذي يتمايل ويتبعه الساقان، بل يتبعه كل شيء وكل أحد…وكأن الجسد سفينة شراعية والموسيقى ريح تأخذه يمنة ويسرة.

تارة الذراعان منكستان كقارب لا يرغب بالرحيل، وتارة أخرى مرتفعتان كجناحي طائر، يحلم بالتحليق ولو بأجنحة متكسرة.

وليس الكويغرافي سوى سيناريو يكتبه جسدها في الهواء، فتقترب قليلاً ثم تبتعد، وكأن خصرها يختبر حرارة المكان أو يفاوض الهواء على لغته، وكل همس الهواء أضحى رقصتها.

وكثيراً ما نراها ترقص مغمضة العينين وكأنها تنظر إلى أعماقها، والسرة هي العين السحرية، التي تبصر بها روحها.

تدور وتدور وكأن استدارة الورك، تحاكي الأرض في دورانها بحثاً عن القمر.

هي السلطانة التي تتسلطن وتسلطننا، فيضيء خصرها كهلال القمر أشد الأرواح ظلمة.

والجمهور مجرد كومبارس في لحظة سلطنة السلطانة.

وعندما تلاعب الوشاح، تلاعب جمهورها لعبة الإخفاء، تكتب سطراً في الحب وتعرب الأنوثة، ثم تختفي.

لطالما كان الرقص لغة الجسد، وكما يسمو الشعر باللغة، يسمو الرقص بالجسد، والشاعر الحقيقي لا يستنسخ قصائد الآخرين، بل يقرأها أو يرقصها بماء الروح.

ولعل حكاية سهير زكي تشبه أسطورة الأميرة النائمة، التي توقظها قبلة القانون ولمسة الكمنجة، ولا أمير لها سوى الموسيقى، هي بسيطة كالماء، حارة كجمرة، رطبة بمائها كإجاصة ناضجة.

وتبدو كالحالمة عندما ترقص مغمضة العينين، وكأنها ترقص لمتعتها الشخصية بالدرجة الأولى.

جسدها مسترخ مع الموسيقى، يتناءى، يجيء، ويذهب في نشوة كر وفر.

بوح آخر… مكاشفة، مراوغة، ابتعاد، فتسليم ثمة توحد عجيب مع الأوتار وذوبان كامل مع اللحن، ترقص وترقص حتى تتعب الموسيقى ولا تتعب قدماها.

تبدو وكأنها خارجة للتو من لوحة فنية، امرأة ممتلئة بالنشوة من لوحات الانطباعيين.

هي لا تشبه راقصات الإغراء، بل أقرب للرقص الصوفي، حيث طريق الخلاص يبدأ من الجسد ولا ينتهي إلا عندما تبلغ الروح النيرفانا أو المنتهى.

لوهلة تخالها لا ترقص، بل تطير، وقد صار الجسد أكثر خفة، يحلق بعيداً عن الجاذبية الأرضية في مدى اللانهاية.

وفي ختام الرقصة، تعود الروح الطائرة إلى الجسد، متعبة ولكنها في أشد حالاتها توهجاً.

وكأنها آخر الراقصات المحترمات في شرق يخاف من أجساد النساء، وخصوصاً عندما يعبرن من خلال أجسادهن عن أنفسهن.

وهي في سيرتها الشخصية لا تشبه الراقصات، فهي لم تكن مزواجة، بل اكتفت بزوج واحد مدى العمر، هو المصور محمد عمارة.

ويشار إليها بالست بسبب أسلوب رقصها الراقي، وقد فرضت احترامها حتى على سيدة الغناء العربي أم كلثوم، التي منحتها مباركتها كي ترقص على أغاني الست.

حتى بدلات الرقص لديها تبدو محافظة نوعاً ما، بدلات لا تعري، بل تكشف خبايا الروح، ولا تظهر إلا ما يحتاجه الجسد كي يتوهج مع النغم.

والألوان ليست حيادية، بل هي تكملة للحكاية.

مرة أحمر لاهب يشعل القلوب من دون حريق، أو أزرق بحري يلتصق بجسدها كسمكة تسبح في محيطها الهادئ بعيداً عن شباك الصيادين، وربما أصفر خافت كحزن شفيف، ثم أخضر وكأن الطبيعة معها لا تعترف بخريف العمر.

ويضاف إلى براعة الرقص، قوام يصلح معياراً للجسد الأنثوي الأشبه بكون أنثوية كاملة.

شعر أسود طويل ينسدل على وجه حنطي رقيق، خصر شجي الرقص كخط استواء أنثوي، وما تحت خط الاستواء بطن مدور كأقحوان، خلف قماش شفاف يظهره ولا يخفيه.

وحوض واسع يذكر بتدفق الينابيع، وذراعان تسافران أبدا إلى السماء.

تميزت سهير زكي بأذنها الموسيقية شديدة الحساسية للنغمات، وبرقص يمتع النظر بعيداً عن إثارة الغرائز.

ما يبقي المسافة بينها وبين معجبيها، أضيق من لمسة وأوسع من مجرة كونية.

الإيقاع يسري من أخمص قدميها حتى رأسها، وخصرها يحاكي الكمان ويقرع الطبلة.

أما الردفان فيضبطان الإيقاع كمايسترو محترف، إنها ترقص وكأن العالم كله خارج محيط خصرها.

وكما تتوالى الحروف كي تتشكل الكلمة، تتابع الحركات كي تولد الرقصة، وفي تداعي الكلمات يولد المعنى، الذي يبلغ مبتغاه عند السلطنة.

حينها تشف الروح وتترقرق مياه الرأس صافية كماء القرى، ويغدو الجسد فصيحاً، بل عبقرياً.

وفي لحظة ما، عندما يبلغ الطرب مبتغاه، تغمض عينيها كأنها لا ترى إلا روحها تنسكب أمامها.

وعندما يستجيب الجسد لطرب الروح، تضع يدها خلف أذنيها، وكأن كل ما فيها ينطق: الله.

سمني يا ليل نجمة وخذني نحو سمائكرقصت سهير للملوك والرؤساء عندما كان الرقص إرثاً ثقافياً مصرياً خالصا، وأطلق عليها الرئيس الأمريكي السابق نيكسون لقب زغروطة، وكأنها أخت الفرح.

ومنذ نعومة أظفارها لفتت النظر إلى موهبتها، وهي طفلة لم تتجاوز التاسعة من عمرها.

وفي ما بعد صنعت لها اسماً في عالم الرقص الشرقي، وألفت لها خصيصاً مقطوعات موسيقية، منها مقطوعة شيك شاك شوك التي ألفها لها ساحر الأكورديون حسن أبو السعود 1977.

واعتزلت الرقص الشرقي وهي في القمة سنة 1991، بعد الأزمات الاقتصادية العديدة والتطرف الديني.

خرجت من باب الفن الواسع وأغلق بعدها باب الرقص الشرقي الأصيل، ولم يعد الرقص البلدي رقص بنات البلد، بل دخلت البالية والرقص اللاتيني عليه.

وفُتح باب الراقصات الأجنبيات بحركاتهن البهلوانية، وحلت الإثارة والأجساد الجميلة مكان روح الشرق الأصيل.

وأصبح الرقص الشرقي في أحيان كثيرة سبيلاً للدعارة، أو غطاء لها.

واليوم تعج الساحة الفنية براقصات أجنبيات بأجساد بديعة، لكن من قال إن الرقص هو تعري وعرض مفاتن.

الرقص الشرقي في حقيقته يتجاوز هز الورك، فهو فن أصيل ينبع من الروح والثقافة المصرية، ولا يكتمل الرقص الشرقي إلا بالإحساس، فالإحساس هو المعنى وراء الموسيقى، كلام يقال ولا يقال، ولكنه عصي على الترجمة.

لذلك قد تنجح الراقصات الأجنبيات عندما يتوقف الأمر على إثارة الغرائز ورقص الكباريهات.

لكنهن يفشلن في فهم الإحساس وبلوغ السلطنة، التي تدفع البشر إلى البكاء طرباً.

قال لي يوماً رجل الشارع المصري البسيط: نريد فناً جميلاً وليس جسداً جميلاً وحسب، نريد سهير زكي أخرى.

حقاً نريد سهير زكي أخرى، تتسلطن وتسلطننا، تسمع بقلبها، تغني بجسدها، وتطرب الروح حد البكاء.

الرقص عند سهير زكي شغف وعشق بالدرجة الأولى، فهي ترقص وكأنها تمارس الحب بقدمين عاريتين يتفتت تحتهما المكان والزمان.

يقال إن المرة الوحيدة التي خرجت فيها من عزلتها، كانت في سنة 2001، عندما شاركت في مهرجان أهلاً وسهلاً للرقص.

حيث أتتها الموسيقى من غير ميعاد، وكأن الفن لم يعتزلها وإن اعتزلته.

وقد استطاعت خطف الأضواء من الراقصات الشابات، حين رقصت جالسة على كرسيها كالسلطانة المتوجة على عرش الرقص الشرقي.

مع تعديلات طفيفة فرضها الزمن، فالشعر الأسود استدار بوقار على شكل عقدة تغلق أقفال السنين.

واستبدلت بدلة الرقص المثيرة بطقم أسود أنيق لا يخف اتساق القوام وجماله، رغم التقدم في العمر.

في نهاية المطاف، كنت أحلم أن ألتقي سهير زكي على أرض الواقع، وأجري لقاء صحافيا معها.

فقد كان رأسي مليئاً بالأسئلة، وكان قلبي يفيض بعبارات الإطراء.

لكن السلطانة ابتعدت عن الأضواء قبل رحيلها بسنوات، وكأنها أرادت أن تحمي الصورة من الانكسار، لذلك تعذر العثور على أي أثر لها في القاهرة، ثم جاء خبر رحيلها المفاجئ عن عالمنا في شهر مايو/أيار الفائت، كي يقطع الشك باليقين في استحالة اللقاء الدنيوي بها.

ولعل نصي هذا يصلح كي يكون رسالة حب مؤجلة، أكثر من كونه مرثية.

رسالة حب لم تصل أبداً إلى عنوانها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك