طهران- «القدس العربي»: شهدت طهران، أمس الأحد، إقامة مراسم التشييع الكبرى للمرشد الراحل، علي خامنئي، بعد نحو أربعة أشهر من مقتل الزعيم الثاني لإيران في الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف مجمَّع القيادة في وسط طهران بتاريخ 28 فبراير/شباط 2026.
وانطلقت مراسم التشييع، أمس، من شارع دماوند في شرق العاصمة الإيرانية، وبعد قطع مسافة 22 كيلومترًا والمرور بساحات الإمام حسين، وفردوسي، وانقلاب اسلامي (الثورة الإسلامية)، انتهت في ساحة آزادي، أكبر وأشهر ساحات العاصمة، الواقعة في غرب طهران.
ويُذكِّر هذا التشييع باثنتين من أكبر مراسم التشييع في التاريخ الإيراني المعاصر؛ الأولى تشييع الإمام الخميني في يونيو/حزيران 1989، حيث قدَّرت السلطات آنذاكَ عدد المشاركين بما بين 8 و10 ملايين شخص، والثانية تشييع الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري في يناير/كانون الثاني 2020، الذي قُتل في غارةٍ جويةٍ أمريكيةٍ استهدفته في مطار بغداد، وقد شاركَ في تلك المراسم أيضًا ملايين الأشخاص.
ويُعَدُّ شارع آزادي المدخل الرئيسي للعاصمة وأهم شوارعها.
وقبل إقامة مراسم التشييع، أُزيلت جميع العوائق الموجودة في الشارع، بما في ذلك محطات الحافلات والحواجز المعدنية الخاصة بمسار الحافلات السريع في وسط الطريق، وذلك لتسهيل حركة المشاركين.
كما أُغلقت جميع الشوارع المؤدية إلى شارع التشييع الرئيسي أمام حركة المركبات، وأُعلن حظر مرور السيارات فيها.
كذلك، عملت حافلات بلدية طهران ومترو طهران على مدار 24 ساعةً يوميًّا، وبالمجان، لنقل المشاركين في مراسم التشييع.
ترامب: تعليق المحادثات لأسبوع… وغياب ملحوظ لرؤساء إيران السابقينولأجل إقامة مراسم التشييع، أُعلنت عطلةٌ عامةٌ في جميع أنحاء إيران، حتى يتمكن المواطنون من القدوم من مختلف المدن للمشاركة في المراسم.
وقبل ذلك أيضًا، أُعلنت عطلةٌ يوم السبت في العاصمة طهران، ويوم الأحد في جميع أنحاء البلاد، لإتاحة الفرصة للمشاركة في مراسم الوداع التي استمرت يومين.
وإضافةً إلى ذلك، خُصِّص عددٌ كبيرٌ من المدارس ومراكز الإقامة المؤقتة لاستقبال المشاركين القادمين من المدن الأخرى لحضور مراسم الوداع والتشييع.
كما قامت بلدية طهران، والهلال الأحمر، وسائر المؤسسات بتجهيز مراكز إقامةٍ مؤقتةٍ، وأعلنت بلدية طهران أنها وفَّرت أماكن إقامةٍ مؤقتةً تتسع لنحو 50 ألف شخصٍ.
وصباح أمس الأحد، أُقيمت في طهران مراسم صلاة الجنازة على جثمان خامنئي بإمامة المرجع الشيعي البالغ من العمر 97 عامًا، آية الله جعفر سبحاني.
وشارك في المراسم كبارُ المسؤولين في البلاد والقادة العسكريون، ومن بينهم: الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام صادق آملي لاريجاني، وقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، وقائد الشرطة أحمد رضا رادان، وقائد الجيش أمير حاتمي.
في المقابل، غاب الرؤساء الإيرانيون السابقون حسن روحاني، ومحمود أحمدي نجاد، ومحمد خاتمي، عن مراسم إلقاء نظرة الوداع على جثمان المرشد الراحل في مصلى طهران.
واستدراكاً للدلالات التي قد تشير إليها هكذا غيابات، قال عباس صالحي، وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي: «إن الصورة الجماعية لحضور المسؤولين السابقين في نظام الجمهورية الإسلامية في هذه المراسم يمكن أن تكون نموذجاً لجوهر التماسك الوطني وتُحبط أعين الأعداء الخارجيين».
وأضاف صالحي في تغريدة على إكس أن «الفرصة ما زالت قائمة، فلا نضيّعها»، غير أن هذا الغياب الثلاثي فتح باب التساؤلات مجدداً حول هوّة الانقسامات التي تعصف بالنخبة السياسية الإيرانية في لحظة مفصلية تحرص السلطات على إظهار أقصى درجات الوحدة فيها.
وبعد انتهاء الصلاة، طلب منظمو المراسم عبر مكبرات الصوت من الحشود ترديد شعاراتٍ من أجل «الثأر والانتقام» لعلي خامنئي.
وردد المشاركون شعاراتٍ منها: «حيدر حيدر» و«لا مصالحة، لا استسلام، الانتقام، الانتقام».
وهتفت شعاراتٌ تأييدًا ومبايعةً لمجتبى خامنئي قائد الجدید.
وخلال هذه الصلاة، ظهر للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب التي استمرت أربعين يومًا ومقتل خامنئي الأب، ثلاثةٌ من أبنائه، وشاركوا في مناسبةٍ عامةٍ.
فقد حضر مصطفى، البالغ من العمر 61 عامًا، ومسعود، البالغ من العمر 56 عامًا، وميثم، البالغ من العمر 48 عامًا، في الصف الأول من الصلاة.
وجميعهم درسوا في الحوزة العلمية وهم من رجال الدين.
وخلال مراسم الصلاة، حضر أيضًا محمد جواد محمدي كلبايكاني، الذي قُتلت زوجته، بشرى حسيني خامنئي، وابنته، زهراء محمدي كلبايكاني، في الهجوم على «بات رهبری» (بيت القيادة).
ومع ذلك، وبعد مرور أربعة أشهرٍ على الحرب، لم يشارك مجتبى خامنئي، المرشد الجديد ونجل الزعيم السابق، في مراسم الوداع أو التشييع، ولم يظهر خلالها.
ومنذ اندلاع الحرب وتوليه منصب القيادة، لم يشارك مجتبى خامنئي في أي مناسبةٍ عامةٍ، كما لم تُنشر له أي صورةٍ أو تسجيلٍ صوتيٍّ أو مقطع فيديو جديدٍ.
وكان الناشط السياسي محمد حسين خوشوقت، شقيق زوجة نجل الزعيم السابق، قد قال في وقتٍ سابقٍ إن مجتبى خامنئي يقيم في مكانٍ آمنٍ بناءً على توصية الأجهزة الأمنية، ويمتنع عن الظهور في المناسبات العامة بسبب المخاوف المتعلقة بسلامته.
كما أطلق وزير الدفاع الإسرائيلي، مؤخرًا، تهديداتٍ ضد مجتبى خامنئي، الأمر الذي أثار ردود فعلٍ من المسؤولين الإيرانيين.
وقال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لموقع أكسيوس الإخباري، إن المحادثات مع طهران توقفت لمدة أسبوع بسبب مراسم التشييع.
وشهد مصلى طهران حضورًا كثيفًا للمشاركة في صلاة الجنازة، إذ امتلأت القاعات المغطاة والساحات المفتوحة بالكامل قبل ساعاتٍ من بدء الصلاة، واضطر عشرات الآلاف إلى الاصطفاف خارج المصلى وإقامة الصلاة هناك.
وتبلغ مساحة مصلّى طهران، بما في ذلك القاعات، والساحات المفتوحة، والمناطق المحيطة به، نحو 600 إلى 650 ألف مترٍ مربعٍ، وتزيد طاقته الاستيعابية، في أقسامه الداخلية والخارجية، على مليون شخصٍ.
والثلاثاء، تُقام أيضًا مراسم تشييع خامنئي في مدينة قم، ثاني المدن الدينية في إيران، والواقعة على بُعد 150 كيلومترًا جنوب طهران.
وتُعَدُّ قم مركز الإسلام السياسي في إيران.
وتضم المدينة أكبر الحوزات العلمية، وهي مراكز تعليم رجال الدين الشيعة، كما تضم أكبر عددٍ من علماء الدين ومراجع التقليد الشيعة في إيران.
وتُعَدُّ المدينة أيضًا ثاني أقدس مدينةٍ في إيران بعد مشهد، وذلك لاحتضانها مرقد السيدة فاطمة المعصومة، شقيقة الإمام الرضا، الإمام الثامن لدى الشيعة الاثني عشرية، في حين تحتضن مدينة مشهد مرقد الإمام الرضا.
ومن المقرر أن يُطاف بجثمان المرشد الراحل داخل مرقد السيدة المعصومة، غداً، إلى جانب إقامة مراسم التشييع في مدينة قم.
كما سيؤمُّ صلاةَ الجنازة في مدينة قم المرجعُ الشيعيُّ البالغ من العمر 99 عامًا، آية الله ناصر مكارم الشيرازي.
ويوم الأربعاء، يُنقل جثمان خامنئي إلى مدينتَي النجف وكربلاء في العراق لإقامة مراسم التشييع.
وتحتضن النجف مرقد الإمام علي، الإمام الأول لدى الشيعة، فيما تحتضن كربلاء مرقد الإمام الحسين، الإمام الثالث لدى الشيعة.
أما الخميس، فسيكون اليوم الأخير من مراسم التشييع في مدينة مشهد، شمال شرقي إيران.
وفي مدينة مشهد، من المقرر أن يؤمَّ صلاةَ الجنازة المرجعُ الشيعيُّ البالغ من العمر 101 عامٍ، آية الله حسين نوري الهمداني، على أن يُدفن الجثمان بعد ذلك في مرقد الإمام الرضا.
ويُعَدُّ مرقد الإمام الرضا أقدسَ مكانٍ دينيٍّ في إيران، كما يضم قبور عددٍ من أبرز الشخصيات الدينية والسياسية، وكان آخرهم الرئيس الإيراني الأسبق السيد إبراهيم رئيسي.
وكان خامنئي، بصفته مرجعَ تقليدٍ والزعيمَ الثاني لإيران بعد الإمام الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية وأول قادتها، يُعَدُّ أعلى مسؤولٍ في البلاد وأكثرهم نفوذًا.
وفي إيران، يتمتع منصب القيادة بصلاحياتٍ واسعةٍ، إذ تعمل جميع القوات العسكرية وقوات الأمن وأجهزة الاستخبارات تحت إشرافه، كما يتولى تعيين كبار القادة العسكريين والأمنيين.
كذلك، فإن اتخاذ القرارات المتعلقة بالحرب والسلم، والقضايا السياسية والأمنية والعسكرية الكبرى، يتم بموافقته.
وقبل ذلك، وعلى مدى يومين (السبت والأحد)، أُقيم برنامج الوداع العام في مصلّى الإمام الخميني وسط طهران.
وفي هذه المراسم، وُضع جثمان خامنئي إلى جانب جثامين أربعةٍ من أفراد أسرته الذين قُتلوا في هجوم 28 فبراير/شباط، وذلك لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهم.
وشملت هذه الشخصيات الأربع ابنته بُشرى، وصهره مصباح الهدى، وكنّته وزوجة الزعيم الحالي زهراء حداد عادل، وحفيدته زهراء محمدي كلبايكاني، وهي طفلةٌ تبلغ من العمر عامين.
واستمر برنامج الوداع من صباح يوم السبت حتى مساء يوم الأحد بصورةٍ متواصلةٍ وعلى مدار الساعة، دون انقطاعٍ.
وفي داخل المصلّى، حمل عددٌ كبيرٌ من المشاركين أعلامًا ولافتاتٍ كُتب عليها «الانتقام، الانتقام»، كما أكدت على ضرورة الانتقام من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومن الرئیس الامیرکي ترامب.
وعلى بعض الأعلام ظهرت عباراتٌ مثل «يا لثارات الحسين»، في إشارةٍ إلى الإمام الحسين، الإمام الثالث لدى الشيعة، وكذلك عبارة «يا لثارات خامنئي».
وإضافةً إلى ذلك، كانت كثيرٌ من اللافتات المكتوبة بخط اليد تُعارض التفاوض مع الولايات المتحدة.
كما حملت لافتاتٌ أخرى مقتطفاتٍ من تصريحات الزعيم السابق بشأن الولايات المتحدة، وعدم الثقة بها، وعدم جدوى التفاوض معها.
وخلال برنامج الوداع، استمرَّت تلاوة القرآن الكريم على مدار 34 ساعةً متواصلةً دون انقطاعٍ، كما أنشد الرواديد قصائد الرثاء عن خامنئي، وخصاله، والإمام الحسين، وواقعة استشهاده في كربلاء.
وفي الشوارع المحيطة بالمصلّى، أقامت مؤسساتٌ مختلفةٌ مراكزَ مؤقتةً لتوزيع المياه والأطعمة، وتقديم الخدمات للمشاركين في مراسم الوداع.
كما نُشرت دوراتُ مياهٍ متنقلةٌ في الشوارع المحيطة.
ونظرًا لارتفاع درجات الحرارة، ووصولها إلى ما بين 38 و39 درجةً مئويةً، جرى نشر عددٍ من المراكز الطبية داخل المصلّى وخارجه للتعامل مع الحالات الطارئة والمستعجلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك