داخل أسوار سجن" هوهن شونهاوزن" السابق في برلين، أحد أشهر معتقلات جهاز الرعب والتجسس الألماني الذي حول المواطنين إلى مخبرين في ألمانيا الشرقية" الشتازي"، اجتمع باحثون وأكاديميون وناشطون سوريون وألمان لمناقشة تاريخ طويل ومعقد من العلاقات الأمنية بين سوريا وألمانيا، وذلك خلال محاضرة أُقيمت ضمن فعاليات معرض" صيدنايا: هندسة القمع والموت في سوريا".
المكان الذي يستضيف اليوم الزوار والباحثين وطلاب المدارس كان في الماضي أحد أكثر المواقع سرية في ألمانيا الشرقية، حيث خضع آلاف المعتقلين السياسيين للتحقيق والاستجواب على يد جهاز أمن الدولة المعروف باسم" شتازي"، وبعد سقوط جدار برلين 1989 وانهيار النظام الشيوعي، تحوّل السجن إلى نصب تذكاري ومركز للتوثيق والأبحاث، في تجربة ينظر إليها كثيرون بوصفها نموذجاً لكيفية مواجهة إرث الأنظمة القمعية.
قدّمت المحاضرة الباحثتان الدكتورة نورا شالاتي من جامعة برلين الحرة وتورا بيندوس من جامعة ماربورغ، وأدارتها الدكتورة إلكه شتادلمن-فينتس، رئيسة قسم الأبحاث في النصب التذكاري، سلطت الضوء على الروابط التاريخية بين أجهزة الأمن السورية ونظيراتها الألمانية، بدءاً من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مروراً بعلاقات التعاون بين سوريا وألمانيا الشرقية، وصولاً إلى الأسئلة المطروحة اليوم حول الذاكرة والعدالة الانتقالية في سوريا.
من هزيمة النازية إلى دمشقاستهلت المحاضرة الحديث عن السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حين فرّ عدد من المسؤولين والضباط النازيين إلى بلدان مختلفة في الشرق الأوسط وأميركا الجنوبية.
ومن أبرز هؤلاء ألويس برونر، أحد كبار مساعدي أدولف آيخمان والمسؤول عن ترحيل عشرات الآلاف من اليهود الأوروبيين إلى معسكرات الإبادة النازية، واستقر برونر في سوريا منذ خمسينيات القرن الماضي تحت اسم مستعار، حيث عاش لعقود طويلة بعيداً عن الملاحقة القضائية الدولية.
وبحسب الأبحاث التي تناولتها المحاضرة، فإن وجود برونر في سوريا لم يكن مجرد لجوء سياسي، بل ارتبط أيضاً بتقديم استشارات وخبرات أمنية لأجهزة الدولة السورية.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن عدداً من المسؤولين الألمان السابقين الذين وصلوا إلى سوريا بعد الحرب عملوا في مجالات عسكرية وأمنية مختلفة، ما جعل بعض الباحثين ينظرون إلى هذه المرحلة باعتبارها إحدى القنوات التي انتقلت عبرها خبرات أمنية أوروبية إلى المنطقة.
وأوضحت الباحثة نورا شالاتي أن فهم هذه المرحلة لا يهدف إلى اختزال تاريخ الأجهزة الأمنية السورية في تأثير خارجي واحد، وإنما إلى فهم السياقات المختلفة التي أسهمت في تشكلها وتطورها عبر العقود.
ولفهم العلاقة بين" شتازي" وسوريا، لا بد من العودة إلى الظروف التي نشأ فيها جهاز الأمن الشهير في ألمانيا الشرقية، فبعد هزيمة ألمانيا النازية عام 1945، قُسمت البلاد إلى مناطق نفوذ بين القوى المنتصرة، وأصبحت ألمانيا الشرقية ضمن المجال السوفييتي، وخلال السنوات التالية لعب الاتحاد السوفييتي دوراً أساسياً في بناء مؤسسات الدولة الجديدة، بما في ذلك الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.
وقد تأسس جهاز" شتازي" ليصبح واحداً من أكثر أجهزة الاستخبارات نفوذاً في العالم خلال الحرب الباردة، معتمداً على شبكة واسعة من المخبرين والرقابة والتجسس الداخلي، ولم يكن دوره يقتصر على ملاحقة المعارضين، بل امتد إلى مراقبة قطاعات واسعة من المجتمع، بما في ذلك الجامعات والمؤسسات الثقافية وحتى العلاقات الشخصية للمواطنين.
فعند ذروة نشاطه جهاز" الشتازي"، قبيل سقوط جدار برلين، ضم الجهاز نحو 91 ألف موظف رسمي بدوام كامل، إضافة إلى شبكة هائلة من المتعاونين والمخبرين غير الرسميين قُدّر عددهم بنحو 189 ألف شخص من مختلف فئات المجتمع، بمن فيهم جيران وزملاء عمل وأفراد من العائلة الواحدة.
وقد مكّن هذا الانتشار الواسع الجهاز من بناء منظومة رقابة غير مسبوقة، حتى إن بعض التقديرات تشير إلى وجود مخبر أو متعاون واحد تقريباً مقابل كل 6 إلى 7 مواطنين في ألمانيا الشرقية، ما جعل" الشتازي" رمزاً للدولة الأمنية القائمة على المراقبة والتجسس والسيطرة على الحياة العامة والخاصة للمواطنين.
وبعد سقوط النظام الشيوعي، تم حل الجهاز رسمياً عام 1990، وتحولت بعض مقاره وسجونه لاحقاً إلى متاحف ومراكز توثيق تروي تاريخ القمع والمراقبة خلال حقبة ألمانيا الشرقية.
وخلال النقاش الذي أعقب المحاضرة، رأى بعض الحضور الألمان أن فهم تجربة ألمانيا الشرقية يساعد أيضاً على فهم كيفية استخدام الأنظمة السلطوية للأجهزة الأمنية بوصفها أداة للسيطرة السياسية والاجتماعية.
وقال أحد الحضور لـ" موقع تلفزيون سوريا": " إن دراسة العلاقة بين الشتازي والأجهزة الأمنية السورية لا تتعلق بالماضي فقط، وإنما تساعد على فهم الكيفية التي تنتقل بها الخبرات الأمنية بين الأنظمة المختلفة".
وأضاف: " بعد الحرب العالمية الثانية واجهت ألمانيا إرثين مختلفين؛ إرث النازية وإرث الدولة الأمنية في ألمانيا الشرقية، لذلك يدرك الألمان اليوم أهمية دراسة آليات القمع وكيفية تشكلها، لأن تجاهل الماضي يجعل تكراره أكثر احتمالاً".
وتطرقت المحاضرة إلى العلاقات التي نشأت بين سوريا وألمانيا الشرقية منذ ستينيات القرن الماضي، حيث شهد البلدان تعاوناً سياسياً وعسكرياً وأمنياً في إطار التحالفات التي ميزت فترة الحرب الباردة.
وبحسب ما عرضته الباحثتان، شمل هذا التعاون تبادل الخبرات الأمنية والتدريب وتطوير آليات المراقبة والسيطرة الأمنية، إضافة إلى أشكال أخرى من التعاون المؤسسي بين الجانبين.
ورغم أن جزءاً كبيراً من أرشيف" الشتازي" تعرض للإتلاف خلال الأشهر الأخيرة من عمر ألمانيا الشرقية، فإن الوثائق التي بقيت متاحة للباحثين تكشف وجود روابط واتصالات متعددة بين المؤسسات الأمنية في البلدين.
ويرى باحثون ممن استمع للمحاضرة أن هذه العلاقة تستحق مزيداً من الدراسة، ليس فقط لفهم تاريخ الأجهزة الأمنية السورية، وإنما أيضاً لفهم شبكة العلاقات الأمنية الدولية التي نشأت خلال الحرب الباردة بين الأنظمة المتحالفة.
وأشار أحد المشاركين في الفعالية إلى أن النظام المخلوع تأثر على مر العقود بأكثر من مصدر خارجي، من الخبرات التي نقلها بعض المسؤولين النازيين السابقين، إلى التعاون مع ألمانيا الشرقية، وصولاً إلى الدعم السياسي والعسكري والأمني الذي وفره الاتحاد السوفييتي ثم روسيا لاحقاً.
وأضاف مشارك آخر أن هذا التاريخ يوضح أن أنظمة القمع لا تتطور بمعزل عن محيطها، وإنما تتبادل الخبرات والتجارب كما تفعل المؤسسات الأخرى.
لكن السؤال الأكثر حضوراً بين السوريين المشاركين في الفعالية لم يكن متعلقاً بالماضي فقط، وإنما بالمستقبل أيضاً، فالمكان الذي شهد يوماً انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان أصبح اليوم متحفاً ومركزاً للتعليم والتوثيق، وهو ما دفع كثيرين إلى التساؤل عما إذا كان يمكن أن تشهد سوريا مستقبلاً تجربة مشابهة.
وفي حديثه لتلفزيون سوريا، قال الصحفي والباحث السوري عامر مطر، مؤسس" متحف سجون سوريا"، إن تحويل المعتقلات والسجون السورية إلى مواقع للذاكرة يمكن أن يسهم في منع تكرار الانتهاكات مستقبلاً، لكنه شدد على أن حفظ الذاكرة وحده لا يكفي.
وأضاف مطر" ما يمنع تكرار ما جرى ليس حفظ الذاكرة فقط، بل قانون عادل يحمي الناس، واحترام فعلي لهذا القانون، ومحاسبة من ارتكب الجرائم".
وأوضح مطر أن مواقع مثل سجن صيدنايا وسجن تدمر وفرع فلسطين والفرع 215 وغيرها من مراكز الاعتقال المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة يجب أن تتحول مستقبلاً إلى أماكن للتوثيق والتعليم، بحيث تتمكن الأجيال القادمة من فهم ما حدث وعدم تكراره.
وأشار مطر إلى أن التجربة الألمانية تُظهر أهمية تحويل أماكن القمع إلى أماكن معرفة، لأن الجريمة عندما تصبح موثقة ومرئية يصعب إنكارها أو تبريرها.
وفي معرض حديثه عن التجربة الألمانية، أكد مطر أن أحد أهم أسباب نجاحها يتمثل في دمج تاريخ الأنظمة القمعية ضمن التعليم والمناهج الدراسية والنقاش العام.
وقال مطر: " إن ألمانيا لم تتعامل مع النازية أو مع إرث ألمانيا الشرقية باعتبارهما مجرد أحداث تاريخية انتهت، بل باعتبارهما أسئلة مستمرة تتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية ودور المجتمع في مواجهة الاستبداد".
وأضاف مطر أن سوريا ستكون بحاجة مستقبلاً إلى إدراج تاريخ الاعتقال والإخفاء القسري والأجهزة الأمنية في المناهج الدراسية، ليس بهدف الانتقام أو إنتاج انقسامات جديدة، وإنما بهدف بناء وعي مجتمعي يحمي الأجيال القادمة من تكرار المأساة.
مواجهة الماضي لبناء المستقبلومع انتهاء المحاضرة داخل أحد أشهر سجون" الشتازي" السابقة، بدا واضحاً أن النقاش تجاوز حدود البحث الأكاديمي في التاريخ، ليصبح نقاشاً حول مستقبل سوريا نفسها.
فكما احتاجت ألمانيا إلى عقود طويلة لمواجهة إرث النازية ثم إرث ألمانيا الشرقية، يرى كثير من السوريين أن بلادهم ستحتاج بدورها إلى مسار طويل من كشف الحقيقة والبحث عن المفقودين والمحاسبة وحفظ الذاكرة وإصلاح المؤسسات.
وفي الوقت الذي تتحول فيه مواقع القمع في ألمانيا إلى فضاءات للتعلم والتأمل في أخطاء الماضي، يأمل كثير من السوريين أن يأتي يوم تتحول فيه سجون مثل صيدنايا وتدمر إلى شواهد حية على ما جرى، وإلى جزء من ذاكرة وطنية تضمن ألا تتكرر تلك الانتهاكات مرة أخرى وتحمي الأجيال القادمة من إعادة إنتاج المأساة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك