نفّذ الأطباء الشبان في تونس تحرّكاً احتجاجياً، اليوم الاثنين، في" المستشفى الجامعي فطومة بورقيبة بالمنستير" شمال شرقي البلاد، وقد أتبعوه بمسيرة سلمية نحو المحكمة الابتدائية في مدينة المنستير، تنديداً بالاعتداءات المتواصلة على الكادر الطبي ومطالبةً بتطبيق القانون على المعتدين وتوفير الحماية في داخل المؤسسات الصحية.
وأتى التحرّك بدعوة من المنظمة التونسية للأطباء الشبان، التي عبّرت عن رفضها المطلق لـ" استمرار مناخ العنف الذي صار يهدّد سلامة مهنيّي الصحة داخل المؤسسات الصحية العمومية"، وذلك عقب اعتداءَين في غضون أسبوع واحد؛ الأوّل تعرّض له طبيب جرّاح في قسم الكلى بالمستشفى الجامعي المذكور، أي في مقرّ عمله، وأسفر عن كسر في الأنف استوجب تدخّلاً جراحياً عاجلاً وتعطيلاً عن العمل لمدّة 28 يوماً، فيما استهدف الاعتداء الثاني طبيباً آخر في" المستشفى الجامعي ابن الجزار بالقيروان" وسط شرقي البلاد.
وإذ رأت المنظمة أنّ الاعتداءَين ليسا حادثتَين معزولتَين، بل وقعا" نتيجة مباشرة لغياب إجراءات الحماية"، دعت الأطباء الشبان في تونس من مقيمين داخليين وكذلك طلاب الطب، إلى المشاركة المكثّفة اليوم الاثنين، في السادس من يوليو/ تموز الجاري، في تحرّك" دفاعاً عن الحقّ في العمل ورفضاً للعنف والإفلات من العقاب".
وتشهد المستشفيات الحكومية في تونس اعتداءات متواترة، منذ سنوات، على الكوادر الطبية وشبه الطبية، تراوحت ما بين العنف اللفظي والتهديد والاعتداء الجسدي، علماً أنّها وصلت في عدد من الحالات إلى حدّ استخدام أسلحة بيضاء وتحطيم تجهيزات طبية، خصوصاً في أقسام الطوارئ التي تعاني من ضغط متزايد ونقص في الموارد البشرية.
ويقول رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان وجيه ذكار لـ" العربي الجديد" إنّ ما تعرّض له زميلهم الجراح في" المستشفى الجامعي فطومة بورقيبة بالمنستير" لا يُعَدّ حادثةً استثنائية، مؤكداً أنّ الكوادر الطبية، ولا سيّما الشابة منها، في مواجهة دائمة مع كلّ أنواع العنف.
يضيف ذكار أنّ" ظروف العمل الآمن غير متوفّرة في المستشفيات الحكومية"، مشدّداً على أنّ" وسائل ردع المعتدين غير كافية، الأمر الذي يفسّر استمرار هذه الاعتداءات التي يعاني منها الأطباء منذ سنوات".
ويعيد ذكار العنف في المستشفيات إلى" عوامل عدّة متداخلة، أبرزها الاكتظاظ، إلى جانب طول فترات الانتظار والنقص المزمن في الكادر الطبي وشبه الطبي وكذلك ضعف الإمكانيات اللوجستية، الأمر الذي يتسبّب في حالة من الاحتقان بين المرضى ومرافقيهم، تنتهي في أحيان كثيرة باعتداءات يتحمّل تبعاتها الطبيب، إذ هو في واجهة المنظومة الصحية".
ويدعو ذكار إلى" وضع نظام فعلي لمراقبة الدخول إلى المؤسسات الصحية، وكذلك استراتيجية وطنية شاملة لمقاومة العنف في المؤسسات الصحية العمومية"، مشدّداً على أنّ" حماية مهنيي الصحة شرط أساسي لاستمرار المرفق الصحي العمومي وضمان حقّ المواطن في العلاج".
في سياق متصل، يرى عدد من الأطباء الشبان في تونس أنّ تكرار الاعتداءات يترك آثاراً نفسية ومهنية عميقة، إذ يضطر الطبيب إلى العمل في حالة من التوتّر والخوف، خصوصاً في خلال المناوبات الليلية، الأمر الذي يؤثّر سلباً على التركيز وسرعة اتّخاذ القرار في أقسام تستوجب أعلى درجات اليقظة، ويلفت هؤلاء إلى أنّ هذه الأوضاع دفعت عدداً من الأطباء إلى تجنّب العمل في اختصاصات أو مؤسسات صحية معيّنة، نظراً إلى ارتفاع مستوى العنف المحتمل فيها.
لكنّ تداعيات العنف تتجاوز حدود المستشفى، لتصير من دوافع هجرة الكفاءات الطبية.
وقد شهدت تونس بالفعل تصاعداً في هجرة الأطباء، ولا سيّما من الشبان، نحو بلدان أوروبية وخليجية، الأمر الذي عمّق أزمة النقص في الموارد البشرية في المستشفيات العمومية، وأثّر في قدرة المنظومة الصحية على تعويض الكفاءات المهاجرة.
وكانت دراسة ميدانية، أعدّتها المنظمة التونسية للأطباء الشبان ونشرت نتائجها في شهر مايو/ أيار الماضي، قد بيّنت أنّ نحو 75% من الأطباء الشبان في تونس تعرّضوا إلى عنف في المستشفيات العمومية، فيما تعرّض نحو 52% منهم للعنف بين مرّتَين وخمس مرّات، و22% منهم لأكثر من خمس اعتداءات.
وأظهرت دراسة المنظمة أنّ العنف اللفظي يكاد يكون معمّماً بنسبة 96.
8% من الحالات، في حين تعرّض 20.
1% من الأطباء لعنف جسدي، وواجه 12.
1% منهم تهديدات باستخدام أسلحة بيضاء أو أدوات خطرة في أثناء العمل، أضافت الدراسة أنّ مرافقي المرضى يمثّلون المصدر الرئيسي للاعتداءات على الأطباء، وذلك بنسبة 57.
7%، في مقابل 19.
6% فقط للمرضى أنفسهم، في حين سُجّلت اعتداءات جماعية في 43% من الحالات.
وتابعت الدراسة الميدانية نفسها أنّ 82.
7% من الأطباء الشبان في تونس يفكّرون في مغادرة المستشفيات العمومية أو الهجرة، بسبب تدهور ظروف العمل وانعدام الأمان.
كذلك أشارت، وفقاً للنتائج التي خلصت إليها، إلى تداعيات نفسية خطرة للعنف الممارس على الأطباء، إذ أكد 45.
3% من المشاركين أنّهم عانوا من القلق بعد الاعتداءات، فيما صرّح 28.
3% منهم بخوفهم من الذهاب إلى العمل، وأقرّ 1.
7% منهم بأنّ أفكاراً انتحارية راودتهم عقب التعرّض للعنف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك