قدرات خاصة يتمتع بها المصريون، دون غيرهم من شعوب الأرض، يرى المصري بعينيه كما سائر البشر، لكنه يرى بأشياء أخرى، بقلبه إذا احتله الإيمان، وبظهره إذا كُشف عنه الحجاب، وبأذنه حين يكون بصيراً مبصراً، ما يُقال يسمعه، وما لا يُقال يفهمه، بل إنه يرى وهو نائم في سبات عميق، تأتيه الدلالات في الحلم، فيستيقظ عاقداً النية على التنفيذ.
إنه يرى ويرى ويرى، حتى كُتب عند كل شعوب الأرض «شوافاً».
هذا الشواف لم يبذل جهداً في الترجمة الفورية، تابع، مثلما تابع العالم كله، المشهد المهيب الذي أظهرته الدولة المصرية وهي تفتتح مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، لم يمسك الورقة والقلم ويدوّن، مثلما فعل غيره، ما تابعه على الهواء مباشرة، بل أخذ في رصد وتحليل لحظي لكل ما يدور أمامه، منذ ظهر اسم «الأوكتاجون» وحتى جاورته ترجمته.
منذ بدأ موكب الرئيس السيسي في مدخل العاصمة الجديدة، وحتى استقل سيارة العرض المكشوفة، هذا دون أن يتخلى عن ابتسامته، رغم درجة الحرارة التي يعلمها الجميع.
هذا الشواف التقط بسرعة دلالة الآية القرآنية التي استُهل الافتتاح بها، دوناً عن آيات القرآن الكريم كلها، استمع الحضور لآيات الذكر الحكيم من سورة الأنفال: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ).
تفسير الآية الكريمة يتماشى وسياق القوة الذي استعرضته الدولة في افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية، لتقول مصر الكثير، تقول إن عهداً جديداً بدأ، وإن كل ما تفعله مصر هو الاستعداد لمواجهة العدو، وليس صدفة أن تكون الآية الكريمة نفسها هي الشعار الذي احتمى به الفصيل الإرهابي لسنوات، جوراً وزوراً وبهتاناً، ليأتي اليوم الذي تعود فيه الآية إلى سياقها الصحيح، وتفسيرها الذي لا يختلف عليه اثنان، فمن يملك القوة والاستعداد لمواجهة العدو هي الدولة، وليس الفصيل.
والمأمور بتجهيز العدة والتأهب للخطر هي الدولة.
والرسالة التي فطن إليها الجميع من الافتتاح المبهر للأوكتاجون لها معنيان بحسب مستقبلها، المصريون اعتبروها رسالة قوة وأمان، فيما استقبلها الآخرون -بالعربية والعبرية وكل لغات العالم- باعتبارها رسالة رعب وإنذار.
هذا الشواف قرأ الرسائل الضمنية التي أشار إليها الرئيس خلال افتتاح الأوكتاجون، قرأ الوضع الحالي للمصريين والأزمات التي تحاصرهم، وعرف كيف أن لهذا الكيان دوراً في الحل والمواجهة.
عرف أن العالم الآن يتحدث عن مصر «دولة»، ويتحدث إليها بوصفها «زعامة»، وأن كل ما عُرض خلال الافتتاح قطرة في بحر الإمكانيات التي تملكها الدولة المصرية، والاستعدادات التي لم تكل يوماً، ولم تتأثر رغم الضغوط الاقتصادية والأزمات المترتبة عليها، بدت الرسالة مبسطة تنذر بأيام «بيضا على الكريم.
سودة على اللئيم»، ولأن اللئام تابعوا بانبهار الافتتاح بكل رسائله، انتابهم الرعب، فخرجت الأبواق تصرخ في هستيريا، بعضها ساخراً، رغم أن صوت اصطدام ركب أصحابها ببعضها البعض يكاد يسمع الموتى وكأنه من المفترض أن نباهي الأمم فوق «سطح بيتهم»، وأن نرهب عدونا وعدو الله «على الضيق»، وأن نتحسس من آن لآخر البطحة التي تؤلم رؤوسهم، والتي تسببوا في جزء كبير منها، أننا أمة تعيش أزمة اقتصادية، هي عالمية، لكنهم قرروا أن يختصروها في مصر وحسب.
اللافت أن الرسالة لم تصب أعداء الوطن المؤقتين فحسب، من رفعوا لواء السمع والطاعة لصالح آخرين، من أشعلوا الحرائق والميادين من أجل شرعية وهمية خلقوها لأنفسهم لكي يؤسسوا لدولة التنظيم الإرهابي.
بل أصابت دوائر أكبر وأوسع من الأعداء التقليديين، نقل بعضها الكاتب الصحفي د.
محمد عبود، خبير الشئون الإسرائيلية، حين أشار إلى تعليقات الإسرائيليين على افتتاح الأوكتاجون، والتي سار أغلبها في اتجاه: «لا يحاربون غيرنا.
وكل هذا لأجلنا»، والحقيقة أن هذه التعليقات الفطنة، والتي تعكس ذكاءً يُحسدون عليه، تلخص أيضاً الكثير والكثير من الرسائل الضمنية التي شملها الافتتاح.
فليهدأ التنظيم الإرهابي بلجانه، وأبناء العم بلجانهم، إذ إن أول الغيث «أوكتاجون».
وبلوغة المصريين: «لسه التقيل جاي».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك